وضّاعُو الواتساب

By : محمد حيدرة مياه

عرَف المسلمون الوَضْعَ كظاهرة في مجال الأخبار والآثار، وتناولها العلماء في علم الحديث والمصطلح بالشرح والتوضيح، وعرّفوا الوضع بأنه صُنعُ الحديث واختلاقه، فالموضوع في اصطلاحهم هو الحديث المكذوب والمنسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد اشتهر بوضع الأحاديث كثير من القُصاصِ والوُعاظ، كما اشتهر به بعض الزنادقة وأصحاب العقائد الباطنية و المذاهب الفكرية المختلفة، يذكر الإمام الذَّهبي في كتابه "ميزان الاعتدال في نقد الرجال"، سيرَةَ الوضَّاعِ عبد الكريم بن أبي العوجاء، ويتحدث عنه قائلا: (وممَّن رُمي بالزندقة عبد الكريم بن أبي العوجاء خال معن بن زائدة الشيباني قال قبل قتله : "أما والله لئن قتلتموني لقد وضعت أربعة آلاف حديث أحرّم فيها الحلال وأحلَّ فيها الحرام والله لقد فطَّرْتكم يوم صومكم وصوّمتكم يوم فطركم"). وكان قتله في خلافة المهدي في سنة 160هـ.

 

وقد وجد هؤلاء الوَضَّاعون من تصدَّى لهم بقوة وحزم، فألَّف علماء الحديث قديما وحديثا كُتبًا جمعوا فيها الأحاديث الموضوعة، وجردوا فيها أسماء الوضَّاعين وطبقاتهم، وبينوا أسباب الوضع ودوافع أهله، والفروق بينه وبين الحديث الصحيح، وثمة عشرة كتب من أشهر هذه المؤلفات، من بينها كتاب لابن الجوزي، وآخر للسيوطي، والشوكاني.


ومن طريف ما يروى في هذا الباب أن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين صليا في مسجد الرصافة، وبينما هما يؤديان تحية المسجد، كان ثمة شاب يعظ الناس، ويحدثهم بحديث يقول فيه: حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين عن فلان، عن فلان...قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قال لا إله إلا الله خلق الله كل كلمة منها طيرا منقاره من ذهب وريشه من مرجان"! فلما انتهى ناداه ابن معين، وقال له: أنا يحيى بن معين وهذا أحمد بن حنبل ما سمعنا بهذا الحديث قط!، فإن كان لابد والكذب فعلى غيرنا. فقال له: أنت يحيى بن معين؟ قال: نعم، قال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق ما تحققته إلا الساعة، قال له يحيى كيف علمت أنى أحمق؟ قال كأن ليس في الدنيا يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما؟! لقد كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل ويحيى بن معين!

 

(2)

لقد كان الوضَّاعون في الزمن القديم أصحاب أسلوب فصيح، ولغة سليمة، وأفكار ذكية، أما وضاعوا "الواتساب" فهم أصحاب أسلوب ركيك، ولغة سقيمة، وأفكار سخيفة، وتلفيقات مضحكة وساذجة، وقد غزت اليوم مواقع التواصل موجة من الكلام التافه، والقول السخيف، والأخبار الكاذبة، والأحاديث الموضوعة، والصور المزورة والمقاطع المفبركة ما إن سرفيرات العالَم لتنوء به!

 

من ذلك هذه الرسالة التي تم تداولها بشكل واسع، بين مستخدمي منصة الواتساب، في الأشهر القليلة الماضية: "شهر رمضان سيكون ـ إن شاء الله ـ يوم السابع والعشرين من شهر مــــــايـــو المقبل: 2017/5/27، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا سبق شخص بإخبار شخص آخر حرمت عليه النار ـ لقد بلغتك، وأتمنى أن تقوم بالواجب، وأن تخبر جميع من تحبهم"!

 

إن هذا الانتشار الكبير، للأحاديث الموضوعة، والخرافات المؤلفة، على مواقع التواصل الاجتماعي، يدفعنا إلى التساؤل عن أسباب ذلك، ومن خلال الملاحظة والتتبع لهذه الظاهرة وتجلياتها، يمكننا القول إن الأمر يعود إلى عدة أسباب من أهمها:

 

ضعف الوعي الديني وهشاشة البناء العلمي والفكري للشخصية المسلمة اليوم، وضعف حضور العلوم الشرعية في المدارس ومؤسسات التعليم، مما أنتج جيلا يستهلك الخرافة أكثر من المعلومة، ويعجز عن التمييز بينهما.

 

ضعف مستوى كثير من رواد هذه المواقع، في اللغة العربية، مما أدى إلى اعتقادهم أن أي جملة منسقة بالفصحى مسبوقة بـ "قال صلى الله عليه وسلم" ومختومة ب "انشرها ولك الأجر" حديث نبوي، يلتمسون الأجر في نشره.

 

النية الحسنة الساذجة والبحث عن الأجر، خصوصا بالطرق المختصرة، وغير المتعبة، بناء على عمليات حسابية تفيد مثلا بأن: (توزيع رسالة ما يساوي 100 حسنة فإذا كررت الأمر 10 مرات فستحصل على ألف 1000 حسنة..) بهذا الفهم السطحي، لمفهوم مضاعفة الأجر في الخطاب الشرعي، وهذا المنطق الذي يغفل عامل النية والإخلاص والقبول، وهي أفعال قلبية لا يمكن قياسها بالأرقام، علما أن النيَّة وحدَها لا تكفي إن لم يقترن بها عمل صحيح مطابق لما جاء به الشرع الحنيف. 

 

ثمة سبب آخر يتحدث عنه البعض، ينطلق من نظرية المؤامرة القائلة بأن كثيرا من هذه المنشورات الدينية الزائفة، وصور الإعجاز المفبركة، يقف وراءه ملحدون، هدفهم السخرية من الدين، والضحك على عقول العامة من المسلمين، وزعزعة معتقداتهم، وإفساد تدينهم.  

 

ولا شك أن استمرار هذه الظاهرة، ومواصلة إغراق وعي البسطاء بهذه الخرافات، له تأثيرات سلبية كثيرة على المتلقين والمتصفحين، يمكن إجمال بعضها فيما يلي:

 

أولا: إنتاج شخصية ضعيفة البناء، واهية التفكير، مُخدَّرَة العقل، عُرضَةٌ للشك والحيرة في أول هزة فكرية، شخصية تعاني من خلل في تقديم الأولويات، ومعرفة المهم من الأهم، والصحيح من السقيم، والحلال من الحرام.

 

ثانيا: زهد الناس في أحاديث الترغيب والترهيب وترك انطباع دائم لديهم بأنها أمور مكذوبة، فالشك في صحة بعض الأحاديث يولد شكا في صحة البقية، خاصة لدى العامة.

 

ثالثا: تعريض نصوص الدين وشعائره للسخرية من قبل الملحدين، ومن لا يقيمون وزنا للدين وأهله.

 

وفي سبيل مواجهة هذا السيل الجارف من الموضوعات والخرافات لست بحاجة لأن تكون شيخا أو محدثا أو فقيها، لتعرف صحيحه من سقيمه، وغَثَّه من سمينه، بل يكفيك أن ينعم الله عليك بشيء من العقل ونزر من المعرفة لتمتلك مَلَكَةً تُميز بها بين الأحاديث التي تحمل عبق كلام النبوة، وبين ما ينسجه الكذبة الوضّاعون، وما يتداوله العامة والفارغون، فقد أوتي رسولنا صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم.

 

علما أن الأمر لم يعد يقتصر على الأحاديث الدينية، بل يتجاوزها إلى المقولات الفكرية، والأخبار السياسية، والصناعات الحديثة، وأخبار الفلك والفضاء، مما ينسب إلى "ناسا" والدراسات الغربية، ما لو استرسلنا فيه لاحتجنا إلى مجلدات بعدد أوراق الأشجار، ومداد بحجم ماء البحار.

 

إن استفحال هذه الظاهرة يكشف لنا أن المستهلك العربي في عمومه، يفضل الإثارة على الفائدة العلمية، والغرابة على الفكرة السليمة، والخرافة على المعلومة الصحيحة، وفي ظل هذا التفضيل الشعبوي، يعجز الكثيرون عن استخدام خاصية التأكد والتحقق، أمام سيل الشائعات المنتشرة، والأخبار المزيفة،  مع أن التحقق والتأكد من المعلومة، أصبح اليوم في غاية البساطة والسهولة، مع وجود "جوجل" بمختلف خدماتها من بحث وترجمة وتحقق من الصور والأخبار، وتدقيق في التواريخ، وتوثيق للمنشورات والروابط، إضافة إلى سهولة التواصل مع أهل أي مجال أو تخصص لسؤالهم فيه، سواء كان هذا التخصص متعلقا بعلوم الشريعة أو المجالات العلمية البحتة كالتكنلوجيا والهندسة والطب.


اترك تعليق