تعذيب المعتقلات السوريات.. يبدأ بـ«الشبح» ولا ينتهي بـ«إجهاض المغتصبة»

By :

يدرك المحقِّق في سجون النظام السوري أن أية معتقلة تقع بين يديه هي في الغالب بريئة، ولا علاقة لها بثورةٍ، ولا بالعمل المسلّح، ولا بالاتصال بـ«الإرهابيين» كما يسُوق التهم. إنّ تلك النسوة اللواتي لقينَ أبشع ما يمكن أن تتعرَّض له أي امرأة في هذا العالم اعتقلن من بيوتهنّ ومن على الحواجز، ومن الجامعات؛ لأن أقاربهنّ منتمون للفصائل المعارضة.

السوريات اللواتي يقبعنَ في سجون نظام الأسد، دون أي تُهم أو محاكمة أو قضاءٍ لا يخرجنَ من هذه السجون أحياءَ إلا في حالةٍ واحدة هي عمليات تبادل المعتقلين والأسرى بين النظام والمعارضة، والتي حدثت في إطارٍ محدود خلال سنوات الانتفاضة السورية وما تلاها.

كيف أصبح التعذيب الأبشع «اعتياديًّا»

حرقت أجساد الفتيات والنساء بأسياخٍ حديدية، ضُربن بشدّة وتم تعليقهنّ من أيديهن (الشبح) بشكلٍ مستمر، إذ يبدأ مسلسل التعذيب بالصعق الكهربائي، والضرب بالسياط والعصيّ الحديدية، ولا ينتهي إلا بالأبشع، إذ توصف وسائل التعذيب السابقة بأنها «اعتيادية».

هذا التعذيب الذي تتعرّض له معتقلةٌ في العاشرة من عمرها، وأخرى في الستين من عمرها، يضاف عليه ما يعتبره المعتقلات «أهون»، كأن تجبر الفتاة على تناول الطعام الذي يلقى لها على الأرض فوق الدماء، وتجبر على المشي فوق أجساد المعتقلين الأحياء والأموات، تقول إحداهن: «أما الأحياء فكنتُ أستمع إلى أنينهم أثناء مروري على أجسادهم، حيث كانت الجثث تملأ الممرات الموصلة إلى زنزانتها».

يخصّ هذا النظام السوريات اللواتي حظينَ بمستوى علميٍّ مُعين على تعذيب نوعي خاص بهن، ويمكننا هنا الاستشهاد بقضية أستاذة الفيزياء «فاتن رجب»، إذ أقدم النظام على حقنها بمادة كيماوية مجهولة التركيب تؤدِّي إلى تشنجات وضعف في الذاكرة، فيما أشارت مصادر حقوقية إلى أنّ مدير المخابرات الجوية هدد بأنه سيجعلها تعاني من الخرف خلال عامين إذا لم تتعاون معهم.

تقول إحدى المعتقلات عن رجب التي كانت تعد دراسة عن الفيزياء النووية في إحدى الجامعات الفرنسية: «ذات مرة كانت تنزف من أذنيها وعينيها وأنفها فتحدثت مع الضابط المناوب من أجل تحويلها للمشفى، ولكنه ضحك مني مستهزئًا، وقال: دعيها إنها لا تستحق الاهتمام»، تقول الحقوقية السورية «سيما نصار» إن النظام كان يستهدف أكثر النساء اللواتي وظفنَ مهاراتهنّ العملية بالثورة، فقد عوقبن عقابًا شديدًا، وفي قضية رجب حوكمت بعد أن تم تعذيبها في محكمة ميدان عسكرية، وهي محكمة يحاكم فيها العسكريون الذين يخالفون القانون، ويعتقد أنها أعدمت بعد هذا الحكم بسبب الشهادات التي خرجت عنها، حسب نصار.

تؤكد دراسة أعدتها «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» أن: «قرابة 40% منهنّ يعانين من عاهاتٍ دائمة نتيجة التعذيب الذي تعرضنَ له داخل الأفرع الأمنية، كما تبلغ نسبة المصابات بالأمراض المستعصية والأمراض غير المتوفّرة العلاج 60% من مجموع النسوة المتواجدات داخل السجن، وتتفاقم تلك النسبة بسبب الإهمال المتعمد من قبل نظام الأسد، وتقاعسه عن تقديم العلاج اللازم لتلك الأمراض».

وبينما ذكرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في عام 2015 أن عدد المعتقلات السوريات يبلغ أكثر من 40 ألفًا، يؤكد مسؤول ملف اللاجئين السوريين في أوروبا بالمنظمة العربية لحقوق الإنسان، أن: «عدد المعتقلات السوريات داخل سجون النظام بلغ أكثر من 175 ألف معتقلة، معظمهن في الأفرع الأمنية دون محاكماتٍ عسكرية أو مدنية».

«رحاب العلاوي»..  لن ينساها السوريون

كانت ليلة قاسية كبقية الليالي التي مرَّت على المعتقلة رقم (2935)، لكنّ هناك شيئًا ما اخترق كل ويلات العذاب في سجون النظام السوري، إنَّه حلم قصير.

لقد رأت الفتاة العشرينية «رحاب العلاوي» في ليلتها الأخيرة أنها ترتدي فستان عروس أبيض، وعلى قسوة الظروف منحها هذا الحلم بصيص أمل بالحصول على حريتها، ما حدث ليلتها أن رحاب استدعت في الساعة الثانية عشر ليلًا من الزنزانة، هذا التوقيت أنهى كل أملٍ بالحرية، جذبت رحاب من بين المعتقلات وهي ترتجف خوفًا، وصرخت مستغيثة بالمعتقلات: «لاتخلوهم ياخدوني أنا خايفة»، لكنها خرجت فلا قرار ممنوع في هذه السجون، كانت في هذه الليلة ترتدي غطاء رأس أسود وبيجامة سوداء، وبينما ظنت بعض الرفيقات أن تأخرها بالعودة قد يعني عودتها لحضن أمها، ما تزال طريقة إعدام رحاب مجهولة، فصورتها التي ظهرت فيها كفتاة وحيدة بين أكثر من 11 ألف معتقل مقتول، تظهر حجابها ملفوفًا على رقبتها، كما تظهر آثار حقنة على ساعدها الأيسر.

تروى التقارير الحقوقية السورية، أن فتاة من مدينة الموحسن بريف دير الزور، اعتقلت بتاريخ 16-1-2013 بتهمة مساعدة جماعات مسلحة، حينها اقتيدت من وسط كتبها حيث كانت تستعد لامتحاناتها، وضربت بشدة أمام أمها وأختها، ثم اقتيدت إلى الفرع 219، «رحاب» الطالبة في كلية الهندسة المدنية بجامعة دمشق، اتفقت المعتقلات أن لاسمها نصيبًا كبيرًا من شخصيتها، فقد وصفت بأنها «ضحكة صبايا الزنزانة»، وهي التي تهدهد على كتف كل معذبة.

«الاغتصاب».. التعذيب الممنهج

«عشرة أشخاص اغتصبوني خلال اعتقالي كنت عارية تمامًا، وكانت الغرفة باردة وفيها جرذان، كان الدم يسيل على ساقي والمفتشة غير آبهة بذلك»، هذا ما قالته سورية حررت من سجون النظام السوري عن تجربة الاعتقال والتعذيب التي عاشتها.

حدث ما سبق أمام ابنها (15 عامًا)، فقد اعتقلا معًا عند أحد الحواجز التي يقيمها النظام السوري، بسبب نشاط زوجها مع فصائل الجيش الحر، وتضيف معتقلة أخرى أطلق عليها اسم «ليلى»: «كانت المعتقلة تُجبر على خلع كل ثيابها وتقف أمامه عارية بالكامل دون أي قطعة لباس على جسمها».

إنّ الشواهد الأخيرة التي أصبحت تخرج من سجون النظام السوري، أخذت ترتكز على تعذيب ما بعد الاغتصاب والانتهاك الجنسي، حيث تحدثت المعتقلات الناجيات من هذه السجون عن مأساة التمزق الشديد الذي تتعرض له المغتصبة في منطقة المهبل بسبب تكرار اغتصابها، وبسبب تركها في الزنزانة دون أي عناية طبية أو إدخال علاجٍ لها.

وممّا سبق إلى مأساة حدوث حمل بسبب اغتصاب عناصر النظام، والشبيحة الذين يعرض عليهم عناصر النظام المعتقلات مقابل المال، فما أن يُكتشف حمل الفتاة حتى تُأخذ بعد منتصف الليل لمكانٍ مجهول وفي الغالب يعرف أنه قد تمت تصفيتها، لكن هناك تصرُّف آخر يتمثل في تكثيف عناصر النظام السوري التعذيب والضرب على الحوامل بهدف التخلص من الجنين، وهنا يمكنا استعراض تجربة فتاة فلسطينية سلمتها عناصر «الجبهة الشعبية» – القيادة العامة لعناصر النظام السوري– تقول الفتاة التي أطلق عليها اسم «هدى»: «تعرضت للضرب والتعذيب والشبح والصعق بالكهرباء، كما تعرضت للاغتصاب أثناء وجودي في الفرع لمدة تزيد عن الخمسة عشر يومًا، وفي بعض الأيام كان الاغتصاب يتكرر أكثر من عشر مرات يوميـًّا من ضبـاط وسـجانين مخـتلفين»، حملت هدى نتيجة الاغتصاب المتكرر، وأجهضت نتيجة التعذيب المستمر والضرب العشوائي، ألقيت في زنزانة مليئة بجثامين المعتقلين وبقيت بين الدماء والجثث ثلاثة أسابيع.

وتضيف (هدى) أنها كانت شاهدة على حالة ولادة لفتاةٍ فلسطينية تبلغ من العمر 20 عامًا حملت جراء الاغتصاب المتكرر، وعن ذلك تقول الشابة الفلسطينية: «بعد ولادتها لم تحتمل النظر إلى الطفل أو إبقاءه بجانبها في الزنزانة، ولم تكن تستطع سماع صوت بكائه فكانت تحاول التخلص منه وقتله وعدم مشاهدته»، وتضيف أنه: «بعد أيام عدة دخل أحد السجانين وأخذ الطفل، لو أنهم يعلمون أن وجوده في الزنزانة سبب في تعذيبها لما أخذوه».

ويؤكِّد تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا الصادر في عام 2013 أن للعنف الجنسيّ دورًا بارزًا في النزاع السوري، حيث تحدث أعمال الاغتصاب الجنسي أثناء المداهمات وعند الحواجز وفي مراكز الاحتجاز والسجون في شتى أنحاء البلد، وتطرق التقرير إلى ما أسماه بـ«تتفشى ظاهرة الامتناع أو الإبلاغ عن أعمال العنف الجنسي السوري- السوري»، مما يجعل من تقييم حجم الظاهرة أمرًا صعبًا، وجاء في التقرير أنه: «ارتكبت القوات الحكومية وقوات الدفاع الوطني أعمال اغتصاب وغيرها من الأعمال التي تشكل جرائم ضد الإنسانية. كما أن أعمال الاغتصاب والمعاملة غير الإنسانية تشكل أفعالًا تخضع للملاحقة القضائية بوصفها جرائم حرب».

بسبب الاغتصاب.. المجتمع السوري ينبذ المحررات!

«كانت أشكال البنات مخيفة بسبب التعذيب الواضح على وجوههنّ وأجسادهن، قلت له الله يستر على حريمك، أنا ما زلت عذراء، فرد عليّ: أي أحلى»، تلك الشهادة خاصة بمعتقلة خرجت من سجون النظام السورية، وتقيم الآن في تركيا.


إنّ مأساة «لما» كما أطلقت على نفسها لا تقف عند ما سبق ذكره، فربما تشبه حكايتها روايات السينما الغربية، فهي الآن بالنسبة لعائلتها «شهيدة قضت بالتعذيب» كان ذلك برغبتها وقرارها، عندما حثت صديقتها المحررة من السجن على الذهاب لأهلها لإخبارهم بأن «لما» قضت في السجن ورأت جثتها، فعلت ذلك لأنها لم تكن قادرة على إخبارهم بأنها اغتصبت عدة مرات، وقالت: «خلي أهلي فخورين فيني.. حرام خليهون يوطوا راسون».

وتكمن مأساة المعتقلات السوريات في حال خروجهنّ من سجون النظام، في تحميلهنّ لتوابع ارتكاب جريمة الاغتصاب من مجتمعهنّ، فبينما تحاول المؤسسات الحقوقية تأكيد وقوع هذه الجريمة بحقّ معظم المعتقلات بغية التوثيق الحقوقيّ، تزيد معاناة السوريات في الاندماج في المجتمع الذي لا يتقبلهنّ وينبذهن، تقول المعتقلة السورية السابقة مجد الشربجي: «إن أغلب النساء يكنّ خائفات من الخروج من السجن وخصوصًا المتزوجات، لأن المجتمع لا يرحمهن وينبذهن ويحملهن مسؤولية ما جرى لهن من انتهاكات، والكثير من النساء طُلّقن فور خروجهن من المعتقل».

تأسف الحقوقية السورية «سيما نصار» في بداية حديثها لـ«ساسة بوست» لكون المجتمع السوري لم يغير موقفه حيال هذه القضية، رغم تحركات المجتمع المدني في التصدي لذلك بشكلٍ مستمر، وتضيف: «يفرج عن المعتقلة السورية فتضطرّ للسفر خارج البلاد مباشرة، ومع هذا لا يمكنا حصر دوافعها للسفر بالخوف من المجتمع، فقد تكون هناك رغبة الأهل بسفرها لحمايتها من إمكانية اعتقالها مرة أخرى».

من جانبه، يرى مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان «فضل عبد الغني» أنّ: «ممارسة جريمة الاغتصاب على نحوٍ واسع، ستترك آثارًا في المجتمع لن تمحى لأجيالٍ بعيدة، بسبب هذه الجريمة تحديدًا، نجد أنه من الصعب الحديث عن عودة تماسك المجتمع السوري، وكل ذلك يحرض الطرف المعتدى عليه على ارتكاب ردات فعل لا يمكن تنبؤها».

ميرفت عوف - ساسة بوست


اترك تعليق