تحرير أسرانا الأبطال فريضة شرعية

By : د. تيسير التميمي

وما زالت معركة الحرية في وجه السجان الغاشم مستمرة، وما زال أبطالها الأماجد يعلّمون العالم بأسره من غياهب زنازين القهر دروساً من العزة والشرف، ويرسّخون مبادئ الكرامة التي قصَّرت الاتفاقيات الدولية عن إرسائها على أرض الواقع، فلا عبرة بكفالتها نظرياً في مواثيقها العاجزة في مواجهة انتهاكات سلطات الاحتلال الإسرائيلية لحقوق أسرانا، فقد نصت اتفاقية جنيف الثالثة المؤرخة في 12/8/1949م في مادتها الثالثة على [حظر الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية، وبخاصة القتل بجميع أشكاله، والتشويه، والمعاملة القاسية، والتعذيب، والاعتداء على الكرامة الشخصية، وعلى الأخص المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة، وحظر إصدار الأحكام وتنفيذ العقوبات دون إجراء محاكمة سابقة أمام محكمة مشكلة تشكيلاً قانونياً تكفل جميع الضمانات القضائية اللازمة في نظر الشعوب المتمدنة]، فهل تحرك المجتمع الدولي لمساءلة سلطات الاحتلال على انتهاكها لهذه الاتفاقية بشأن الأسرى الفلسطينيين؟

 

إنه لمن المخجل حقاً للإنسانية أن يرى المجتمع الدولي تجاوزات سلطات الاحتلال الإسرائيلي في معاملتها للأسرى الفلسطينيين ويغض الطرف عنها، بل يرى المجازر الدموية اليومية وإرهاب الدولة المنظم الذي تمارسه ضد المدنيين العزل منهم فلا يستنكر ولا يحرك ساكناً، بل يراها تضع نفسها فوق ما أجمع عليه من شرائع ومواثيق فلا يحاسبها ولا يعاقبها كما يصنع مع غيرها من الدول المخالفة.

 

من هو الأسير

الأسرى هم المقاتلون الذين يؤخذون أحياء أثناء الحرب أو في نهايتها أو من غير حرب فعلية , ما دام العداء قائماً والحرب محتملة. وبناء على ذلك لا يمكن اعتبار الفلسطينيين القابعين في سجون الظلم والاستعباد الإسرائيلية أسرى، بل هم مدنيون مختطفون من بيوتهم وأهليهم ظلماً وعدواناً حسب نص المادة الرابعة من اتفاقية جنيف الثالثة.

 

أجاز الإسلام أسر من وقع في يد المسلمين من الحربيين, أما من لا فائدة في أسره كالشيخ والمرأة والراهب من غير المحاربين فلا يجوز أسره. ويجب عند انتهاء الحرب التوقف عن القتل والاكتفاء بأخذ الأسرى؛ قال تعالى {فَإِذا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} محمد 4

 

ولكن لا يجوز أسر أحد من دار الكفر إذا كان بين المسلمين وبينها عقد موادعة لأنه يفيد الأمان, ولو خرج قوم منهم إلى بلدة أخرى ليس بينهم وبين المسلمين موادعة فهم آمنون فيها؛ لأن عقد الموادعة يفيد أمانهم أينما كانوا. ولو أخذ الحربي الأمان من المسلمين وهو في حصن الحربيين فلا يجوز أسره، ولو وجد الحربي بدار الإسلام بأمان فلا يجوز قتله أو أسره؛ فقد قالت أم هانئ بنت أبي طالب للرسول صلى الله عليه وسلم: زعم علي بن أبي طالب أنه قاتلٌ رجلاً قد أَجَرْتُهُ؛ فقال صلى الله عليه وسلم {قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ} رواه البخاري.

 

أوجبت قواعد الإسلام الرفق بأسرى العدو واحترام إنسانيتهم وحفظ كرامتهم، وتوفير ما يحفظ بقاءهم وتوفير احتياجاتهم من الطعام والشراب والكساء، قال تعالى في وصف المؤمنين {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} الإنسان 8، تعتبرُ هذه الآية الكريمة إطعامَ الأسرى طاعة لله عز وجل يستحق عليها المسلم الأجر، وقد روي أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يؤثرون أسرى بدر على أنفسهم في الطعام امتثالاً لقوله صلى الله عليه وسلم {استوصوا بالأسارى خيراً} رواه الطبراني.

 

ويصح منح الأمان للأسير من آحاد المسلمين؛ فإن زينب بنت الرسول صلى الله عليه وسلم أجارت زوجها أبا العاص بن الربيع بعد أسره {فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم أمانها} رواه ابن إسحق.

 

ويجوز تبادل الأسرى بين المسلمين والأعداء؛ وهي المفاداة، فقد {فادى صلى الله عليه وسلم في بدر الرجل بالرجلين من المسلمين} رواه الترمذي. وفادى بالمرأة ناساً من المسلمين، لأن فداء المسلم خير من قتل الأسير.

 

إن هذه الأسس التي قررها الإسلام في معاملته للأسرى لم تكن مجرد نظريات أو نصوص جامدة، بل كانت عملاً وسلوكاً وتطبيقاً في حياة المسلمين ودولة المسلمين وعلاقتهم مع غيرهم.

 

إن أسرانا الأبطال الذين اختطفتهم سلطات الاحتلال الإسرائيلية واختطفت خيرة سنوات أعمارهم يمثلون نخبة الشعب الفلسطيني، فقد ضحوا بحرياتهم وتحملوا أقسى صور التعذيب والمعاناة والحرمان، وعانى مثلهم أزواجهم وآباؤهم وأمهاتهم وأولادهم، وبذلوا ذلك في سبيل الدفاع عن مقدساتنا وعن أرضنا المباركة وعن حقوقنا المشروعة التي لا تقبل التصرف أو التنازل عنها، وهم بهذه التضحيات النفيسة والنضالات التي لا تتوقف يضعون على عاتق كل الفلسطينيين سواء في ذلك القيادة والمؤسسات والجمعيات والمنظمات والأفراد مسؤولية عظمى:

 

* فعلى القيادة الفلسطينية أن تقوم بتدويل قضية الأسرى وطرحها أمام المجتمع الدولي ومؤسسات هيئة الأمم المتحدة المتخصصة ومجلس حقوق الإنسان في جنيف، وكل المنظمات الحقوقية على مستوى العالم.

 

* وعلى جميع قادة الدول العربية والإسلامية والصديقة والمنظمات الإقليمية كمنظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية ومؤسسات المجتمع المدني والسلك الدبلوماسي الفلسطيني إثارة هذه قضية الأسرى الفلسطينيين في كل المناسبات وأمام الشخصيات المؤثرة وفي جميع المحافل.

 

* وعلى علماء الأمة وخطباء المساجد فيها حشد جميع القوى لتأييدهم ومناصرتهم ومؤازرتهم في مطالبهم، ومطالبة المسئولين بمفاداتهم والعمل على تحريرهم من الأسر قدر المستطاع.

 

* وعلى الهيئات والجمعيات الخيرية ولجنة الصليب الأحمر الدولي وجمعية الهلال الأحمر العربي والإسلامي والفلسطيني تزويدهم بما يلزمهم من احتياجات ضرورية يرفض الاحتلال تقديمها لهم.

 

* وعلى أجهزة ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة والكتاب والمثقفين الاستمرار في مساندتهم في مطالبهم الإنسانية العادلة وتسليط الضوء على الفعاليات والنشاطات التي تدعو إليها الحركة الأسيرة الفلسطينية.

 

* أما أبناء شعبنا الفلسطيني الصابر المرابط في جميع مواقعهم فعليهم تلبية النداء للمشاركة في كل فعاليات التضامن معهم، ومواساة أسرهم وذويهم، وأن لا يهدأ لنا بال حتى يعودوا إلى أسرهم وذويهم ووطنهم سالمين غانمين.

 

وأما أسرانا الأبطال الذين ضربوا أروع الأمثلة بالصمود والتحدي والثبات، فأتوجه إليهم مذكّراً بأن النصر صبر ساعة، قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} آل عمران200. وقال صلى الله عليه وسلم [عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له] رواه مسلم.

 

وليس الصبر مجرد احتمال الجسم ثقل الأعباء ومعاناة التعذيب فقط، إنما هو رباطة الجأش ومغالبة النفس، فالصبر على المصائب والمكروهات يفتح آفاقاً من الحلول , ويسهم في دفع مكائد الأعداء , قال تعالى على لسان لقمان الحكيم موصياً ابنه {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} لقمان 17. وقال صلى الله عليه وسلم [اعلم أن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً وأن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسراً] رواه أحمد.

 

وليعلم أسرانا البواسل أن الابتلاء على قدر الإيمان، وأن نزول الشدائد بالإنسان من دلائل فضله وعلوّ قدره عند الله سبحانه وتعالى , وأن ما يصيبه من محن وشدائد هي من  شواهد نبله، فقد سئل صلى الله عليه وسلم أي الناس أشد بلاء قال [الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل فيبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه] رواه الترمذي، وقال صلى الله عليه وسلم [ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه] رواه البخاري، فالأسر من الابتلاءات والشدائد التي تمتحن فيها عزائم الشرفاء والأحرار.

 

وإن من خير الزائد لأسرانا الأبطال توثيق الصلة بالله عز وجل بأداء الفرائض والنوافل وقيام الليل وذكر الله تعالى، قال عز وجل {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} البقرة 152، وكذلك الإكثار من قول لا حول ولا قوة إلا بالله فهي من تحت العرش ومن أعظم مفاتيح الفرج، وهي كنز من كنوز الجنة يدخرها المرء لنفسه يوم القيامة، وفيها تفويض الأمر إلى الله عز وجل، و[... تدفع تسعة وتسعين باباً من الضراء أدناها الهمّ] رواه الطبراني.

 

وأناشد الصالحين أينما كانوا التوجه إلى الله عز وجل بالدعاء الخالص لأسرانا الأبطال بأن يثبتهم ويفرّج عنهم ويفك أسرهم، قال تعالى {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} البقرة 186، فإن الدعاء مخ العبادة.


اترك تعليق