قضايا الإسلام المعاصرة

By : د. عصام البشير
 إذا صح أن لكل وقتٍ إسلامي قضاياه، فإن قضايا راهننا الإسلامي، على امتداد الحزام الإسلامي العريض، هي قضايا متشابهة في طبيعتها ومفرداتها وفي تحدياتها كما هي متماثلة إلى حد كبير في عقباتها، ومن هذه القضايا؛
أولاً: سؤال انهاض الأمة الإسلامية
فقد طال سبات الأمة وارتهانها لواقع التخلف، صحيح هناك محاولات باسلة للتحديث والنهوض في بعض الأقطار وهي جهود تشكر ويشاد بها، إلا أن النهضة ينبغي أن تكون حالة عامة تنتظم الأمة جميعاً ويكون للسابق من الدول فضل الريادة والقيادة. الروح الكوكبية الجديدة (العولمة) بما فيها من انفتاح الحدود وسريان التجارة ورفع القيود عنها تعزز من ضرورة انتظام الدول الإسلامية في خطة نهضوية شاملة، تتبادل فيها الدولة الفرص الاستثمارية والتنموية كل بميزه التفضيلية، هذا بموارده الخام وذاك بسوقه الكبير وذلكم بقدراته البشرية، ولا يعني ذلك إنكفأ الأمة على ذاتها بل يؤهلها ذلك لشراكة صحيحة مع العالم، وإجمالا يمكن القول إن قضايا الإسلام في هذا العصر هي:
1– الاصلاح الداخلي، وهو تغيير النفس الجماعية ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) [الرعد:11] ، وتشير الآية إلى تغيير نفسي جماعي (أنفسهم) والنفس تأتي في القرآن الكريم في مقام التكليف القائم على الأختيار بين بدائل، وهو اختيار ينتهي إلى احتمال مسؤولية الأختيار وعاقبته وجزائه (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها) [الشمس: 7] ويكون الإصلاح العام بتحقيق التنمية البشرية اللازمة بضمان الحريات العامة والاحتكام للقانون العام والقبول بالتعددية السياسية والفكرية واستكمال الاستقلال السياسي والعدالة الاجتماعية والتوظيف الأمثل للموارد.
2 – التكامل والوحدة، وهي فريضة وضرورة ولابد من اعتماد التكامل بين مكونات الحالة الداخلية بدلا عن التشاكس والخصام والفصام وقوع في جب التجزئة
ثانياً: تحقيق الشهود الحضاري
وهو الإخراج الذي يريده الله لهذه الأمة أبداً (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ..)، وهذا الشهود الحضاري يكون بحمل رسالة الإسلام الصحيحة المعافاة من الجمود والتطرف، وإبلاغها للعالم، دون عضل ولا إكراه.
ثالثاً: الشراكة مع العالم
لم يتخذ الإسلام من العالم حوله عدواً بل كانت رسائل النبي لكسرى ومقوقس وغيرهم من ملوك ذلك الزمان تدعو إلى الإسلام ، والاندماج في الأمة مع الإبقاء على القيادة السياسية لتلك الممالك والأمبراطوريات في حالة المستقرة تاريخيا، أو القبول بصيغة أخرى للتعايش تقوم على إلتزام بعقد أوعهد وأخيرا القتال إذا أبت الدول التعايش، وقد أشارت الآحاديث آخر الزمان إلى أن ثمة شراكة ستكون مع العالم أو جزء كبير منه، وهي شراكة تقوم على الصلح والأمان المتبادل والدفاع المشترك ، في حديث أبو داؤد
عن ذي مخبر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "" ستصالحون الروم صلحا آمنا، فتغزون أنتم وهم عدوا من ورائكم، فتنصرون وتغنمون وتسلمون، ثم ترجعون..." . رواه أبو داود .
نجد أن الحديث يشير بصراحة ووضوح إلى اقرار نسبي للسلام العالمي، ويربط ذلك بعهد بين الطرف المسلم والأطراف الأخرى.
ويمكن القول أن أن من واجبات الشراكة مع العالم تأسيس عدالة دولية وإصلاح المنظمة الدولية ،بالإضافة لإصلاح حالة الكوكب سواء كانت تتعلق بالمناخ أو البيئة ...إلخ
رؤية تيار التكفير والعنف لقضايا الإسلام المعاصرة والعالم وتفاعله
يرى تيار التكفير والعنف أن العلاقة بين الإسلام والعالم هي في الأصل علاقة عداء وأن القتال وضرب المصالح الغربية في العالم الإسلامي هو السبيل الوحيد لتحرير الذات ولا يحفل هذا التيار بكل قضايا الإصلاح الداخلي، فيرى في الحريات العامة درباً للخروج من جادة الإسلام وإباحة للكفر، ومن التعددية السياسية أداة لتمزيق الوحدة وفصم الأخوة
آثار هذا التيار على الإسلام
1.اشعال نار الاقتتال بين أبناء الدين الواحد والوطن الواحد، وهو قتال دامٍ أريقت فيها دماء أبناء العمل الإسلامي وأبناء المؤسسة الرسمية في الدولة من الشرطة وقوات الأمن والجيش دون سند شرعي مقبول.
2.تمزيق الدول الإسلامية بإعلان دويلات أو إمارات إسلامية داخل الدول المسلمة كما في مثال دولة العراق الإسلامية وما تعلنه حركة الشباب المجاهد في الصومال من حكومات جزيئة داخل الصومال المحترب.
3.جر القتال الداخلي آثارا أخرى سالبة ومنها؛ إعاقة الدعوة إلى الله وأنشطتها في البلدان الإسلامية وامتلاء السجون بخيرة شباب البلد وضياع آلالاف الأسر وتشردها.
4.اضطرت زيادة تيار التطرف التيارات الوافدة إلى زيادة نشاطها وطرح نفسها بديلا وطنيا للتيار الإسلامي وهي محاولة مستمرة لإنتاج إسلام جديد، العلمانية هي جوهره وغياب الحدود الفاصلة بينه والأفكار والأديان الأخرى سمة من سماته.
5.انتقاص تيار التطرف والتكفير لتيار الوسطية والاعتدال واتهامه بالتساهل في الدين وموالاة أعدائه، مما يقلل من فعالية التيار الرئس في الأمة، وهو التيار الذي يعول عليه في إحداث النهضة والاصلاح.
6.أضعف العنف - المنطلق من مبررات التكفير- بعض الدول الإسلامية، التي وضعها قدرها الجغرافي في تخوم المواجهة مع دولة الاحتلال مثل مصر كما أضعف الدول التي شهدت نمواً للظاهرة الإسلامية في الحياة العامة .
7.زاد تيار التكفير من حصار الأقليات المسلمة بدعوى مواجهة التطرف والإرهاب.
7.افشال مشاريع الإصلاح. وهي مشاريع تتطلب قدرا من الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي. والعنف والتكفير يبددان كل ذلك
8.تقديم مبررات لأعداء الاسلام للعدوان على مجمل الظاهرة الإسلامية وتحطيم بادرات النهوض.
10. اضعاف دور العلماء في قيادة الأمة وتكفيرهم.
11. تأكيد الصورة النمطية التي صنعها المستشرقون عن الإسلام وتشير إلى أن الإسلام دين ينتشر بالسيف وقهر غير المسلمين.
12. تقديم صورة مشهوة وغير حقيقة للإسلام.
13. زيادة الرهان الغربي على بعض الطوائف المسلمة من التي عليها ملاحظات شرعية ، ودعمها لتكون بديلاً مقبولا وممثلا رئيسا للأمة، وحددت بعض التقارير الغربية بعض المدارس الإسلامية باعتباره هذا النموذج (التيار العصراني المغالي في إهدار النص وتجاوز الشريعة والتيار الصوفي الغائب عن الوعي بالحياة) .
توصيات
1.إصلاح الحالة الدينية في البلاد الإسلامية، بتحديث المؤسسة الدينية الرسمية تحديثاً ويوفر لها استقلالية في التمويل والرأي والموقف حتى تواكب العصر ويخاطب حاجة المسلم المعاصر.
2. إحداث إصلاح سياسي وتوسيع أبواب المشاركة السياسية للقوى الاجتماعية والسياسية الفعالة في البلاد الإسلامية مشاركة مناسبة تنزع غلواء التسابق على السلطة وتوظيف الدين في الصراع حولها بإشهار سيف التكفير والتبديع.
3. الاعتراف بوجود تيار التكفير والعنف والعمل على احتوائه والقضاء عليه من خلال القضاء على الأسباب الداعية لسلوك هذا المسلك والتي عددها هذا البحث وأيضا من خلال الدخول معه في حوار مباشر في أفكاره ومقولاته ( مثلما فعل عبد الله بن عباس بأمر من سيدنا علي ابن أبي طالب - رضي الله عن الجميع - مع الخوارج).
4. تأصيل مفهوم الجهاد في الإسلام تأصيلاً دقيقا وشاملاً، يمنع من استغلال المفهوم بغير مغزاه ومعناه الشرعي المنضبط.
5. تقديم معالجات علمية معاصرة للعلاقة بين المسلمين والمؤسسات الدولية والدول غير الإسلامية و لأحكام غير المسلمين في البلاد الإسلامية.
6. تعميق تيار الوسطية في الحالة الدينية في العالم الإسلامي وخاصة العربي منه، ولابد أن ينتقل هذا التيار من العموميات إلى التفاصيل وقيادة المبادرات العلمية.
7. تشجيع ظاهرة المراجعات بين تيارات التكفير وتيارات العنف، وأن تعمل الدولة على تسيير الظروف المناسبة لمثل هذه البادرات المباركة ، وأن تقابلها بتسوية الأوضاع القانونية لأفراد هذه الجماعات.
8. زيادة عدد كراسي تدريس الإسلام في الجامعات الغربية، حتى تخاطب الغرب بالحقائق وتساهم في زيادة المتخصصين في الدراسات الإسلامية.
9. اطلاق قنوات فضائية، مستوفية للشروط الفنية التي تستقطب المشاهد وآهلة برؤية إصلاحية كامنة تمثل الوسطية رسالتها الإعلامية وهدف البرامج المقدمة.
الخاتمة:
نلحظ أن تيار التكفير والعنف المعاصر يتسم بكثير من صفات تيار التكفير الأول (الخوارج) كما تتشابه أعمال الفريقين العملية وقد ألحقت أضرارا متشابهة بالأمة الإسلامية في مختلف العصور التي ازدهر فيها تيار العنف وهي أضرار تتصل بالداخل الإسلامي وبالمحيط العالمي من حولنا، وتؤثر على رسالة الإسلام بصفتها رسالة هداية للأفراد والجماعات والدول، إلا أنه من استقرأ التاريخ نجد أن هذه الأمة المسلمة تسترد عافيتها العقدية وفعاليتها الحضارية مرة بعد مرة، وينحصر تيار التكفير والعنف في زاوية مهجورة لا يؤثر في الحياة الإسلامية العامة إلا بعض الأذى الذي يُلحقه بها.
ويبقى تيار الوسطية هو النمط الأوسط الذي يعود إليه الغالي ويلحق به التالي.

اترك تعليق