ما عرفت ( الحُبّ ) لغيري إلا مِن ديني

By : د. إبراهيم التركاوي
 لا أكون مغالياً إذا قلت : إنني ما عرفت ( الحبّ ) لغيري إلا من خلال ديني ، الذي يتجدّد ولائي له – بفضل الله – يوماً بعد يوم.
* عرفت بأني – في هذا الكون - فرد من أسرته الكبيرة التي تنحدر أصولها من أب واحد ، وأم واحدة..
وهذا من وحي ما نادي به الله - عز وجل – النّاس جميعاً ، بلمسة حانية تردهم إلي أصلهم مهما كان دينهم أو جنسهم أو وطنهم أو عرقهم .. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) النساء١.
وهذا ما أكده النبيّ – صلي الله عليه وسلم – في حجة الوداع – مؤصلاً هذا المعني وداعياً إليه الناس جميعا : ( ياأيها الناس ، إنّ ربكم واحد ، وإنّ أباكم واحد ، كلكم لآدم وآدم من تراب لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى .. ) .
تأمّل فقه الخطاب النبوي : جمع الناس علي المشترك الذي يجمعهم ولا يفرقهم ، وعلي الأصول التي يُردون إليها جميعا : فمن ناحية الخلق : إلي رب واحد ، ومن ناحية الأصل والنسب : إلي أب واحد.
ولله درّ من قال :
إذا كان أصلي من تراب ، فكلها ** بلادي ، وكل العالمين أقاربي
*عرفت - من أول آية أتفوه بها في صلاتي – كيف أُقبل علي العوالم كلها بحب ، وأنفتح عليها – من إنسان وحيوان ونبات وجماد وأرض وأفلاك..-
فعند قولي : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ )الفاتحة ٢ ، أذكر أني في سلك العبودية لله مع هذا الكون المسبّح .. : ( تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ) الإسراء٤٤.
ولا تنتهي الصلاة إلا بالسلام وإشاعته عن اليمين والشمال..
ياله من معني عندما يخرج المسلم من صلاته ويُقبل علي العوالم كلها بالسلام.. !
فأينما وُجد المسلم وُجد معه السلام ، وكيف لا ؟ ! وربه – عز وجل – من أسمائه الحسني ( السلام ) ، وتحيته السلام ، وجنته هي دار السلام ، وتحية الملائكة السلام ، وتحية رب العباد لعباده المؤمنين في الجنّة هي السلام ( سَلامٌ قَوْلا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ ) يس ٥٨.
بل يصرّح القرآن بأنّ الثمرة المرجوّة من اتباع السلام ، هي الاهتداء إلي طرق ( السلام ) والنور : "..قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ " المائدة ، 16،15.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رجلا سأل رسول الله – صلي الله عليه وسلم - : أي الإسلام خير؟ قال : ( تطعم الطعام ، وتقرأ السلام علي مَن عرفت ومَن لم تعرف ) متفق عليه.
*عرفت – من خلال ديني – أن علاقتي بالعالم من حولي – علي اختلاف أجناسه وأعراقه ومعتقداته - تقوم علي البرّ والقسط..
( لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) الممتحنة٨ .
تأمّل جمال العلاقة وروعتها بدأت بالبرّ قبل القسط ، أي بالإحسان قبل العدل . العدل أن تعطي الحق ، أما الإحسان أن تتنازل عن حقك أو بعض حقك .
وحسبنا هنا أن نسجّل ماذكره الفقيه الأصولي : شهاب الدين القرافي مبيناً معني البرّ الذي أمرنا به في الآية السابقة ، فممّا ذكر : ( الرفق بضعيفهم ، وسد خلة فقيرهم ، وإطعام جائعم ، وكساء عاريهم ، ولين القول لهم – علي سبيل اللطف لهم والرحمة لاعلي سبيل الخوف والذلة – واحتمال إذايتهم في الجوار – مع القدرة علي إزالته – لطفا منا بهم ، لا خوفا ولا طمعا ، والدعاء لهم بالهداية ، وأن يجعلوا من أهل السعادة ، ونصيحتهم في جميع أمورهم ، في دينهم ودنياهم ، وحفظ غيبتهم ، إذا تعرّض أحد لأذيتهم ، وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم وجميع حقوقهم ومصالحهم ، وأن يعانوا علي دفع الظلم عنهم ، وإيصالهم إلي جميع حقوقهم... ) الفروق: ٣ \ ١٥. (القرضاوي :غير المسلمين في المجتمع الإسلامي).
هذا البرّ للناس عامة ، ولأهل الكتاب خاصة .. أما أقباط مصر فهم خاصة الخاصة ، فهم رحم النبيّ – صلي الله عليه وسلم - وقد أوصي بهم خيرا :
فقد روت أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها أنّ رسول الله – صلي الله عليه وسلم – أوصي عند وفاته فقال : ( الله الله في قبط مصر ، فإنكم ستظهرون عليهم ، ويكونون لكم عدة وأعوانا في سبيل الله ) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠ \ ٦٢ وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
وفي رواية: ( إنكم ستفتحون مصر ، وهي أرض يسمي فيها القيراط ، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلي أهلها ، فإن لهم ذمة ورحما) أو قال: ( ذمة وصهرا ).الحديث بروايته في صحيح مسلم رقم ٢٥٤٣ باب وصيّة النبيّ – صلي الله عليه وسلم – بأهل مصر، وفي مسند أحمد ٥ / ١٧٤.
فالرسول – صلي الله عليه وسلم – يجعل هنا لإخواننا الأقباط – في مصر – من الحقوق أكثر مما لغيرهم .. فلهم رحم ودم وقرابة ، بالنسبة إلي ( هاجر) أم ( إسماعيل عليه السلام) من جانب ، وبالنسبة إلي (مارية ) القبطية التي أنجب منها عليه الصلاة والسلام ابنه ( إبراهيم) من جانب آخر.
ونحن إذ نضع إخواننا الأقباط في السويداء من القلب ، نستنكر بكل ما نملك من قوة ، هذا الحدث البشع – حدث الاعتداء علي كنيستي الإسكندرية وطنطا - ، الذي يدل علي وحشية مَن فعله ، وجُرم مَن ارتكبه..
لكنْ ما يزيد القلب حزنا علي حزن استغلال البعض للحدث استغلالاً مغرضاً ، يحاول من خلاله تحميل الإسلام ومناراته الهادية جُرم شرذمة لا تمت للإسلام بصلة لا من قريب ولا من بعيد ، بل هي في حقيقتها تعادي كل الأعراف والقيم الإنسانية ، وتتنكر لكل هَدْي جاءت به الرسالات السماوية ..!
إنّ هذا الشعب الأصيل ماغضب هذه الغضبة- لتلك الجريمة الشنعاء - ، وما انتفض هذه الانتفاضة ،
إلا من رصيد إسلامه ، وجذور دينه ، وعميق إيمانه..
وكيف لا ؟ وما عرفنا الحُبَّ والبرَّ لإخواننا ، وللعالم كله ، بل للعوالم كلها إلا من وحي الإسلام ، ووصايا سيد الأنام – صلي الله عليه وسلم - !

اترك تعليق