القرضاوي الإمام ومناحة الإعلام المصري

By : أ. منتصر الزيات

 اعتدت منذ سنوات كلما ترددت على العاصمة القطرية أن أتفقد الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي إمام أهل السنة في الزمن المعاصر, وأن أتشرف بزيارته والاطمئنان على صحته, والتزود بما يعين النفس على الاستقرار والاستمرار والعزيمة, كلما ذهبت إليه ضائقا صدري مضطجرا عاجلني بل وعالجني بعباراته السهلة البسيطة المعبرة بما يمسح أحزاني ويرد لي ثقتي بنفسي ويعيد إليّ اصراري على مواصلة طريقي وتحمل وعورته ومشقته والصبر عليها.

عاجلني بينما أسعى إلى تقبيل يده "ما أخبار مبادرتك؟" الرجل صاحب التسعين عاما -متعه الله بالصحة والعافية- حاضر الذهن منتبها لكل ما يجري في الأمة, لم يقنع بقولي برئ يا فضيل الامام, وبعد أن صلينا العصر واصل سؤاله بما يعني اهتمامه بتحصيل كل ما يجري.

كان الشيخ عائدا من مكة المكرمة لتوه الليلة السابقة وكنت عائدا إلى مصر صباحا فأصر على مقابلتي ومنحي شرف اللقاء والأنس به، لاحظت تورم قدميه؟ نظرت إلى مدير مكتبه الدكتور حسن فأومأ برأسه في أسى وهمس في أذني من طول جلوسه على المكتب يقرأ ويكتب, فهو يجلس من بعد صلاة العصر حتى منتصف الليل يقرأ بنفسه ويكتب بنفسه, لم يزل صاحب التسعين عاما ينتج ويؤلف ويخرج الأبحاث العلمية والفكرية.

لاحظت ارتياحه من الرحلة ومن حسن استقبال علماء المملكة له وكافة المسئولين بها، وكيف لا يحترم وهو عالم أهل السنة بلا منافس؟! وسرحت قليلا بينما يقص فضيلته لقاءاته بعلماء المملكة ورؤساء المؤسسات الدينية هناك, كيف يتم التطاول عليه في مصر من الإعلاميين؟ دون نظر لمكانته وسنه وفضله وقيمته, ودون أن يمنعهم أحد أو يعقب على كلامهم أحد على الأقل من العلماء في الأزهر أو خارجه, ألم يكن إلى وقت قريب عضوا مميزا بهيئة كبار علمائه؟ ألا يوجد مثقف أو مفكر يكتب لهؤلاء يقول لهم عيب !!

لا عجب في هذه المعالجات الإعلامية الهابطة إذا كانت المؤسسة الأمنية تدبج الاتهامات للرجل في قضايا تنظرها محاكم جنائية أو محاكم عسكرية؟ فلا يمكن أن يردد هؤلاء الاعلاميون ما ينالوا به من وضعية الرجل بإسفاف غير مقبول من مشكاة واحدة عرضا أو سهوا أو صدفة؟

أمثل هذا الرجل الذي علم الدنيا الوسطية والاعتدال يمكن أن يتهمه عاقل بالتورط في الهجوم على سجن وادي النطرون وإطلاق المسجونين عنوة؟ أيمكن أن يعقل هذا الكلام وتلك الاتهامات الساذجة؟ ولو افترضنا صدورها في وقت على فيه صوت الرجل بالنقد؛ فلا أقل من ضرورة معالجة الموقف بعد هذه السنوات.

اختلفوا مع الإمام القرضاوي أنى شئتم, لكونه يعارض النظام الحالي ويعترض على سبيل الاطاحة برئيس منتخب, لا بأس في هذا, جادلوه بالتي هي أحسن, لكن تعالجوه باتهامات جنائية تمنعه من العودة لوطنه وهو في هذه السن؟ هذا حيف وظلم لا يرضاه الله ولا رسوله, ولا بد أن يصدر كلاما عاقلا بانهاء هذه القصة, وأن يعاد للرجل اعتباره.

إن الإعلام المصري في السنوات الأخيرة يحتاج إلى مراجعة لأسلوبه ولغته الفجة الغارقة في الإساءة لرموز وطنية ودينية لمجرد اختلافها سياسيا مع النظام, وبث تسجيلات ومكالمات على نحو لم يحدث من قبل على طول عهد مبارك وسيطرته الأمنية .

إن مهنج الإعلام المصري بات يعزف خارج السرب، أي خارج منظومة الشرف الصحفي والمهني بشكل عريض, ليس فقط ضد الاخوان وإنما إلى شخصيات وطنية نختلف أو نتفق معها, وبلغ الأمر إلى الإساءة إلى مسئولين وشخصيات عربية مرموقة لمجرد اختلاف السياسات بين مصر وتلك العواصم العربية بما لا يمكن أن يكون مقبولا شرفا ولا نزاهة ولا عروبة ولا إسلاما.

ورغم أي ملاحظات قد تبدو على أداء المؤسسة الدينية المصرية الرسمية وهي الأزهر؛ فليس مقبولا التطاول على شيخه مهما اختلفنا مع مواقفه السياسية. كل ذلك ينبئ عن شطط كبير يحيط بآداء دوائر واسعة داخل الإعلام المصري، المشكلة أن جزءا كبيرا منها تصنف ضمن الإعلام الحكومي أو الرسمي !!

إن بوصلة الإعلام المصري على الأقل لدى جوانب منه تحتاج إلى ضبط وتفعيل لميثاق الشرف الإعلامي فالكلمة مسئولية.

.........................

* عن موقع الإسلاميون 26-3-2017


اترك تعليق