تجليات رحمة الله على عباده (1)

By :
 إن رحمة الخالق بعباده لا تحد أبعادها حدود، ولا تحيط معالمها كلمات، غيرأننا يمكن أن نقتطف من قبسها الرحيب وقطوفها المذللة ما يلى:
1- الرحمة بالنفس:
إذ أن الإسلام جاء رحمة بالنفس البشرية، حيث عرفها سبحانه وتعالى بذاته العلية، فهو الرحمن ذو الرحمة الشاملة التي عمت الخلائق جميعا ووسعتهم فى أرزاقهم ومعاشهم، والرحيم بالمؤمنين خاصة (وكان بالمؤمنين رحيماً).
- كما تبدت معالمها فى التوحيد الخالص الذى وقى النفس شر أمراض الخوف والقلق وغياب الوجهة وفقدان الاتزان، والشعور بالعجز، عقيدة تسعفها من أخطاء ما سلف، وتبين لها أن ما قدره الله لابد أن يكون، وأن العبرة بإعمار الباقي من العمر لا بإهداره قلقا على الماضى ، عقيدة توضح لها إلى أين تصير وماذا بعد الموت.. عقيدة توفر لها الأمن والسلام إذا ادلهمت الخطوب واشرأبت الفش بأعناقها، فتوقن أنه لن يصيبها إلا ما كتب الله لها، وأن البشرية جميعها عاجزة عن أن تتفعها أو تضرها إلا بما كتب الله لها. عقيدة توفر لها الدافع للعمل والحافز للبذل والباعث للعطاء (هو الذى جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا فى مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور) .
- ومن رحمته جل فى علاه بالنفس البشرية أن اختصها من بين خلقه بأن كرمها وفضلها، وشرفها وخلقها لنفسه، وخلق كل شىء لها، وخصها بمعرفته ومحبته وقربه وإكرامه، وسخر لها ما فى سماواته وأرضه وما بينهما حتى ملائكته ( وسخر لكم ما فى السماوات وما فى الأرض جميعاً منه).
- ومن ثمرات رحمة المولى- عز وجل- أنه يقبل التوبة ويفرح لها، كما ثبت فى الصحيحين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لله أفرح بتوبة عبده- حين يتوب إليه- من أحدكم، كان على راحلة بأرض فلاة فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتى شجرة فاضجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك اذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال:- من شدة الفرح" اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح ".
- ومن رحمته أن أنزل كتبه على أنبيائه لتكون نوراً وضياء للأنفس الحائرة.. فهداها من الضلال و أرشدها من الغى، وبصرها من العمى، و أمرها أن تفرح بفضله (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ) ،إذ تتقلب فى نور هداه، وتمشى فى ألق ضياه، وترى غيرها متحيرا فى الظلمات، ضارباً فى الضلال، قد جمع الهم والغم والبلاء والألم والقلق والأرق مع الضلال المستعر والحيرة المستمرة.
- ومن رحمته سبحانه أن أرسل الرسل للأمم كلأ بلسان قومه ليكتمل البيان وتقوم الحجة (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) فبشروا وأنذروا، وقدموا القدوة، وأظهروا الأسوة وأقاموا الحجة بالبرهان النظرى والبيان العملى ، وتوالى إرسالهم أرسالا، حتى ختموا بسيد الخلق، الناطق بالحق والموشح بالرحمة، والملثم بالعفاف، البشير النذير، والسراح المنير، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذى غدا رقة على الصغير ورحمة للكبير كما فى حديث شق الصدر "... قال أحدهما لصاحبه افلق صدره، فهوى إلى صدرى ففلقها فيما أرى بلا دم ولا وجع، فقال له: أخرج الغل والحسد، فأخرج شيئاً كهيئة العلقة ثم نبذها فطرحها، فقال له: أدخل الرأفة و الرحمة، فإذا مثل الذى أخرج يشبه الفضة، ثم هز إبهام رجلى اليمنى فقال: اغد واسلم ، فرجعت بها أغدو رقة على الصغير ورحمة للكبير"، وتوالت رحمات الله تعالى بتسخير الصالحين ليحملوا راية الأنبياء، ويقوموا بواجب البلاغ وإقامة الحجة، ولم يخل عصر من صالحين مستمسكين بهدى الأنبياء.. داعين إلى سنتهم.. آخذين بمناسكهم "لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة"كما ثبت فى الصحيح.
- ومن رحمته بها أن أمر بتزكيتها وتهذيبها، وشرع لها من العبادات ما يكسر سورتها ويلطف شهوتها، ويبلغ بها درجة الاطمئنان لتكون راضية مرضية، ونهى عن تدسيتها وتعريضها للهلاك (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ). كما دعا إلى تلبية احتياجات النفس الحسية، وعدم مخالفة الفطرة التى فطر الله الناس عليها، وشدد فى النكير على دعاة تعذيب النفس بدعوى العبادة والزهادة، روى أنس بن مالك t قائلاً: "جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبى صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبى صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبى صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فإنى أصلى الليل أبدا وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: أنتم الذين قلتم كذا، وكذا أما والله إنى لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكنى أصوم وأفطر وأصلى وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتى فليس منى). وقرر لها حقوقا بقوله شيئ: "فإن لجسدك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا وإن لزوجك عليك حقا". وصدق قول سلمان الفارسى لأبى الدرداء، وقد رأى أم الدرداء شعثة فسألها، فقالت: أخوك أبو الدرداء يقوم الليل ويصوم النهار فقال له: " إن لنفسك عليك حقا، ولربك عليك حقا، ولضيفك عليك حقا، وان لأهلك عليك حقا، فأعط كل ذى حق حقه. فأتيا النبى صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك فقال له: صدق سلمان ".
- ومن رحمته بها أن ابتلاها بالأوامر والنواهى.. رحمة بها وحمية لها.. وابتلاها بتنغيص الدنيا وتكديرها، لئلا تسكن إليها أوتطمئن بها وترغب عن النعيم المقيم فى داره وجواره، فساقها بسياط الابتلاء والامتحان، ومنعها ليعطيها،وابتلاها ليعافيها، وأماتها ليحييها (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ).
2- الرحمة بالإنسان:
إذ شملت رحمته سبحانه الإنسان فرداً وجماعة.. بدءاً بأسرته وانتهاء بعلاقته بالآخرين مسلمين أو غير مسلمين، مؤيدين أو مخالفين.
أ- الرحمة بالأسرة:
- الرحمة بالوالدين: إذ أمر الإسلام ببرهما، وحسن صحبتهما، وخفض الجناح لهما، والقيام على خدمتهما، والإحسان إليهما وإن كانا مشركين (وإن جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما فى الدنيا معروفا) ، كما أمر بالدعاء لهما: (وقل رب ارحمهما كما رييانى صغيراً).
- الرحمة بين الزوجين: إذ أمر الإسلام كلاً من الزوجين بحسن معاشرة الآخر، وجعل ذلك مقياسأ للصلاح والخيرية، "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلى"، وأراد للبيت المسلم أن يكون سكنأ ومودة ورحمة (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة). وهو بهذا دوحة يفئ إلى ظلالها الأطفال، ولبنة تؤسس مجتمع العدل والفضيلة.
- الرحمة مع الأطفال: وذلك ببذل نبيل الود وفائق العناية، وجميل التعهد لهم، وشديد التأنيب وعظيم التقريع لمن استنكر تقبيلهم، جاء أعرابى إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: تقبلون الصبيان فما نقبلهم، فقال النبى صلى الله عليه وسلم "لا أم لك أن نزع الله من قلبك الرحمة" فأى تأنيب وأى تقريع وأى استنكار! لقد امتلأ قلب النبى صلى الله عليه وسلم رحمة بالأطفال فكان يقعدهم على فخذه، ويضمهم إليه ويدعو لهم؟ قال أسامة بن زيد: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذنى فيقعدنى على فخذه ويقعد الحسن بن علي على فخذه الآخر ثم يقول:" اللهم ارحمهما فإني أرحمها"، بل كان يلاعبهم ويمازحهم: "يا أبا عمير ما فعل النغير" وذلك أن أنساً مات له عصفور كان يتلعب به فحزن عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال مواسياً وانظر التكنية للصغير (يا أبا عمير)
وهو من باب التكريم:
أكنيه حين أناديه لأكرمه ولا ألقبه والسوءة اللقبا
ومن حسن خلقه ولطفه بالأطفال ما انحفر فى ذاكرة رافع بن خديج إذ يقول: (عقلت وأنا ابن خمس مجة مجها رسول الله صلى الله عليه وسلم من فيه فى وجهى)، ويحزن
قلبه الرحيم، وتدمع عينه الشريفة لفقدهم فيقول "إن العين تدمع، والقلب يحزن ، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا لفراقك يا ابراهيم لمحزونون".
كانت بعثة النبى صلى الله عليه وسلم رحمة شاملة للعالمين، ومحو الأوضاع الجاهلية المتناقضة، أخرجت الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام، ومن جور السلطان إلى عدل الديان، ومن قسوة أهل المال والثراء إلى رحمة أهل الإيمان والصفاء، فتنسمت البشرية العافية، ورجعت للفطرة، فتشكلت- من أكداس الذخائر البشرية الخام التى ما كان أحد يعرف غناءها- خير أمة أخرجت للناس، سرى فيها الإيمان فأشعل مواهبها، وأطلق طاقاتها، وأشاع رحماتها وأحيا مواتها، فإذا بالذي يئد ابنته وهى تزيل التراب عن وجهه.. سفير رحمة ومشعل هداية، ومنارة هدى، وينبوع حنان "لقد أدار نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مفتاح النبوة على قفل الطبيعة البشرية فانفتح على ما فيها من كنوز وعجائب.. وقوى ومواهب. أصاب الجاهلية فى مقتلها أو صميمها، فأصمى رميته. وأرغم العالم العنيد بحول الله على أن ينحوا نحواً جديداً، ويفتح عهداً سعيداً، ذلك هو العهد الإسلامى الذى لا يزال غرة فى جبين التاريخ" ، وعلى مر الأيام ، وتطاول السنين لم يخبأ قبس الرحمة الذى أناره رسول الهداية فكان الملاذ للبشرية الحائرة، والمروض للأنفس النافرة ، والسراج لليلة المظلمة والدليل للمفازة المهلكة ، والبوصلة للبحر الخضم ، فوضع عن البشرية إصرها وأزال الأغلال التى كانت عليها، وحلق بها فى سماوات الرفق والتراحم.

اترك تعليق