تجليات رحمة الله على عباده (2)

By : د. عصام البشير
 الرحمة بأمة الإجابة:
ومن رحمته سبحانه بأمة الإجابة أن شرع لها من الدين مالا يكلفها شططا،ولا يرهقها من أمرها عسرا ، ولا يحمل عليها إصرا ولا غلا، قال سبحانه:
(هو اجتباكم وما جعل عليكم فى الدين من حرج )، فالتشريع كله رحمة، قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدى- رحمه الله تعالى-: " إن الشريعة كلها مبنية على الرحمة فى أصولها وفروعها وفى الأمر بأداء الحقوق سواء كانت لله أو للخلق، فإن الله لم يكلف نفسا إلا وسعها، وإذا تدبرت ما شرعه الله- عز وجل- فى المعاملات والحقوق الزوجية وحقوق الوالدين والأقربين والجيران وسائر ما شرع وجدت ذلك كله مبنيا على الرحمة، ثم قال:
لقد وسعت هذه الشريعة برحمتها وعدلها العدو والصديق، ولقد لجأ إلى حصنها الحصين الموفقون من الخلق. وقد تبدت مظاهر الرحمة فى التشريع فى أمور عديدة أهمها:
• القواعد الفقهية.. مثل لا تكليف إلا بمقدور، والضرر يزال، والمشقة تجلب التيسير، وعموم البلوى من موجبات التيسير، وما أسكر كثيره فقليله حرام، والضرورات تبيح المحظورات، والأصل فى الأشياء الإباحة، ونحو ذلك.
ومن قواعد الشريعة التيسير فى كل أمر نابه تعسير
وليس واجب بلا اقتدار ولامحرم مع اضطرار
وكل محظور مع الضرورة بقدر ما تحتاجه الضرورة
• تتشريع الرخصة: وفى ذلك مراعاة للحالات الاستثنائية التى يشق فيها التكليف على المكلف رحمة به، ومراعاة لحاله.
• تتشريع الحدود رحمة: كما دل على ذلك قوله تعالى: (ولكم فى القصاص حياة يا أولى الألباب لعلكم تتقون ) فالحدود رحمة للمجتمع حتى لا تكثر الجرائم وتشيع الفواحش، كما أنها رحمة بالجانى إذ تطهره من إثمه، وترفع عنه عقاب الآخرة.
• تتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والأحوال والعواقب: فالفتوى كما تتغير بتغير الزمان والمكان كذلك تتغير بتغير حال المكلف، فحال العجز ليس كحال الاقتدار، وحال المرض ليس كحال الصحة، وحال الاستضعاف ليس كحال التمكين، وحال السفر ليس كحال الإقامة، وحال الحرب ليس كحال السلم، وحال الطمأنينة ليس كحال الخوف.
• ممراعاة المرحلية والتدرج والأسبقيات في أحكام المجتمع المسلم: فالحفاظ على الضروريات مقدم على الحاجيات، والحاجيات مقدمة على التحسينيات، وهكذا.
ومن رحمته سبحانه وتعالى بأمة الإجابة أن جعل الرحمة صفة للنبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه فقال: (رحماء بينهم ) فالمسلمون يوقر صغيرهم كبيرهم، ويرحم كبيرهم صغيرهم، لا يتبايعون ولا يتقاضون إلا بهذه الرحمة، يشيعونها بينهم.. ويعيشون فى كنفها.
جـ - الرحمة بأمة الدعوة:
من رحمة الإسلام أنه يشيع الرحمة على كل الناس.. لا يفرق بين قريب وبعيد، بين صاحب وعدو، بين مسلم وكافر، بل رحمة عامة شاملة، قال صلى الله عليه وسلم : "لن تؤمنوا حتى ترحموا، قالوا: كلنا رحيم يا رسول الله، قال: " إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه، ولكنها رحمة الناس، رحمة عامة .
من رحمة الإسلام فى التعامل مع أهل الكتاب أنه يقرر مبادئ راقية للتعامل معهم منها:
1- الاعتراف أن الاختلاف بين بنى البشر فى الدين واقع بمشيئة الله تعالى فقد منح الله الإنسان الحرية والاختيار فى أن يفعل ويدع، أن يؤمن أو يكفر: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر).
والمسلم يوقن أن مشيئة الله لا راد لها ولا معقب، كما أنه لا يشاء إلا ما فيه الخير والحكمة، علم الناس ذلك أو جهلوه، ولهذا ينحصر دوره فى مهمة البلاغ المبين قولاً وعملاً دون إجبار أو إكراه (ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين).
2- وحدة الأصل الإنسانى و الكرامة الآدمية: انطلاقاً من قوله سبحانه وتعالى (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) ، وقوله(ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات ) . فالناس أكرمهم عند الله أتقاهم، أبوهم واحد، والرابطة الإنسانية بينهم قائمة شاءوا أم أبوا، هذه الرابطة تترتب عليها واجبات شرعية كالقيام للجنازة أياً كانت عقيدة صاحبها.. روى البخارى أن النبى صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام فقيل له: إنها جنازة يهودى، فقال: " أليست نفساً ".
3- التعارف: لقوله سبحانه وتعالى (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ). وكما ورد فى الحديث: "وأشهد أن العباد- كلهم- إخوة"، فالتعارف أساس دعا إليه القرآن، وضرورة أملتها ظروف المشاركة فى الدار أو الوطن بالتعبير العصرى، وإعمال لروح الأخوة الإنسانية بدلا من إهمالها.
والروابط الاجتماعية بين البشر كثيرة، عبرت عنها الآية الكريمة (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترقتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد فى سبيله فتربصوا حتى يأتى الله بأمره والله لا يهدى القوم الفاسقين )، إذ حوت: الرابطة العائلية، والرابطة القومية، ورابطة الإقامة (الوطن)، ورابطة المصلحة، والرابطة الإسلامية.
4- التعايش: إذ أن حياة المتشاركين لا تقوم بغير تعايش سمح: بيعاً وشراء.. قضاء واقتضاء.. "رحم الله امرءا سمحا إذا باع ، وسمحاً إذا اشترى وإذا قضى وإذا اقتضى ".. وتاريخ المسلمين حافل بصور التعامل الراقى مع غير المسلمين. وقد حدد الله سبحانه وتعالى أساس هذا التعايش بقوله (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين".
إن غير المسلم إذا لم يبدأ بحرب، ولم يظاهر على إخراج، فما من سبيل معه غير التعايش الجميل الملتزم بالبر وهو جماع حسن الخلق، والقسط هو العدل والفضل والإحسان والمجادلة بالتى هى أحسن.
5- التعاون: كثير من القضايا العامة تشكل قاسماً مشتركاً بين المسلمين وأهل الكتاب ويمكن التعاون فيها مثل:
• االإعلاء من شأن القيم الإنسانية والأخلاق الأساسية، فالعدل والحرية والمساواة والصدق والعفة كلها قيم حضارية تشترك فيها الأديان والحضارات وترسيخها فى المجتمعات هدف مشترك يمكن التعاون عليه.
• ممناصرة المستضعفين فى الأرض وقضايا العدل والحرية ومحاربة الظلم ومن ذلك اضطهاد السود والملونين فى أميركا، واضطهاد الأقليات الدينية، وسائر الشعوب المقهورة فى فلسطين وكوسوفا والشيشان ونحوه، فالإسلام يناصر المظلومين من أي جنس ودين، والرسول صلى الله عليه وسلم قال عن حلف الفضول: " لو دعيت إلى مثله فى الإسلام لأجبت ". • التعاون لمواجهة دعاة المادية الذين ينكرون الغيب، ودعاة الإلحاد الذين يجحدون وجود الله، ودعاة الإباحية الذين يروجون للعرى والتحلل الجنسى والشذوذ والإجهاض.
غير أن أهل الكتاب منهم المسالمون والمحاربون، وكلاً جاء الإسلام بالرحمة لهم:
أولاً - الرحمة بالمسالمين:
من مظاهر رحمة الإسلام بالمسالمين ما يلى:
توفير الحماية لهم من العدوان الخارجى:
.. أورد الإمام القرافى فى " الفروق " نقلاً عن ابن حزم-:"إن من كان فى الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح، ونموت دون ذلك، صونا لمن هو فى ذمة الله وذمة رسوله لمجيب وحكى فى ذلك إجماع الأمة.. وعلق القرافى على ذلك بقوله: "فعقد يؤدى إلى إتلاف النفوس والأموال صونا لمقتضاه عن الضياع إنه لعظيم ".
وإذا وقع الذمى فى الأسر، وجب على الدولة المسلمة أن تبذل قصارى جهدها فى تخليصه من أيدى الأعداء ، ولو بدفع الفداء عنه من بيت المال، وهذا ما أفتى به الإمام الليث بن سعد الفقيه المصرى المجتهد الذى قيل فيه " الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه أضاعوه.
ومن جميل تطبيق ذلك ما فعله الإمام ابن تيمية، عندما ذهب إلى قائد التتار "قطلو شاه " - الذى استولى على الشام- لإطلاق سراح الأسرى، فوافق القائد على إطلاق سراح الأسرى من المسلمين فقط ، ولكن شيخ الإسلام قال له:" لا نرضى إلا بافتكاك جميع الأسارى من اليهود والنصارى، فهم أهل ذمتنا، ولا ندع أسيراً، لا من أهل الذمة ولا من أهل الملة"، وتم فعلا إطلاق سراح جميع الأسرى .
وإذا لم تستطع الدولة المسلمة توفير الحماية لأهل الذمة فإنها تلتزم برد الجزية التى قامت بتحصيلها منهم.. وقد فعل هذا الصحابى الجليل أبو عبيدة بن الجراح- رضى الله عنه- أثنـاء فتح الشام، فعندما بلغه أن الروم قد جمعوا جموعا عظيمة لملاقاة المسلمين، أمر برد المبالغ المالية التى قام المسلمون بتحصيلها من أهل هذه المناطق، كما أمر بأن يتلى عليهم البيان التالى (إنما رددنا عليكم أموالكم لأنه قد بلغنا ما جمع من الجموع، وأنكم اشترطتم علينا أن نمنعكم (أى نحميكم) وإنا لا نقدر على ذلك، وقد رددنا عليكم ما أخذ منكم ونحن لكم على الشروط وما كتبنا بيننا وبينكم إن نصرنا الله عليهم " .
توفير الحماية لهم من العدوان الداخلي:
كذلك تتكفل الدولة بحمايتهم من أى اعتداء أو ظلم داخلى، فدماؤهم وأموالهم وأعراضهم حرام، وكرامتهم مصونة من الاعتداء، محفوظة من الانتقاص. يقول النبى صلى الله عليه وسلم "من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً،. وقد ذهب بعض فقهاء المسلمين- الشعبي والنخعى وابن ابى ليلى وأبو حنيفة وأصحابه- إلى أن المسلم يقتل بالذمي، لعموم النصوص الموجبة للقصاص فى الكتاب والسنة كقوله تعالى (النفس بالنفس)ولاستوائهما فى عصمة الدم المؤبد، ولما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم قتل مسلما بمعاهد وقال: "أنا أكرم من وفى بذمته".
توفير كفالة الدولة لهم عند العجز عن الكسب:
من رحمة الإسلام أن الكتابى إذا عجز عن الكاسب لمرض أو شيخوخة أو آفة أصابته فإن الدولة ملزمة بكفالته، وقول الفاروق- رضى الله عنه- لما رأى يهودياً يسأل الناس- لخازن بيت المال:" انظر هذا وضرباءه، فو الله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ). وهذا من مساكين أهل الكتاب ".

اترك تعليق