مَنْ غيْرُ الله..؟!!

By : د. إبراهيم التركاوي

 لا يوجد أحد - في كون الله - ، يعطي أو يمنع ، يرفع أو يخفض ، ينفع أو يضر ، يعز أو يذل ، يحيي أو يميت وهو علي كل شئ قدير ، غيْر الله !

والناس - مهما كانوا سلاطين أم أنبياء - لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعا ولا ضرا ، ولا حياة ولا موتا ولا نشورا ..

والله – عزّ وجلّ – قد حسم هذه القضية – في القرآن الكريم - علي لسان نبيّه وصفيّه من خلقه وحبيبه – صلي الله عليه وسلم - :

" قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" (الأعراف: 188).

وفي الحديث عن ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ النبي صلى الله عليه وسلم يَومَاً فَقَالَ: (يَا غُلاَمُ إِنّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ : احْفَظِ اللهَ يَحفَظك، احْفَظِ اللهَ تَجِدهُ تُجَاهَكَ، إِذَاَ سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَاَ اسْتَعَنتَ فَاسْتَعِن بِاللهِ، وَاعْلَم أَنَّ الأُمّة لو اجْتَمَعَت عَلَى أن يَنفَعُوكَ بِشيءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ لَك، وإِن اِجْتَمَعوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشيءٍ لَمْ يَضروك إلا بشيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفعَت الأَقْلامُ، وَجَفّتِ الصُّحُفُ) ( رواه الترمذي ، وقال حسن صحيح).

ولذا نعي القرآن علي الكفار عبادتهم ما لا يملك شيئا ولا يقدر علي النفع أو الضر ، " قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" (المائدة: 76) .

فمَنْ غيْرُ الله يكشف الضر ، ويبسط الخير ؟!

" وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ" (الأنعام: 18،17).
ومَنّ غيْرُ الله يجيب المضّطر إذا دعاه ويكشف السوء ؟!

" أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلا مَّا تَذَكَّرُونَ" (النمل: 62).

والإنسان – حتي ولو كان ملحدا - لا يدرك أنّ هناك مَنْ يستطيع أن يغيثه وينقذه إذا شاء ، إلا إذا أحيط به ، وأطبق عليه ؛ هنالك يتعرّي من أرديته المزيّفة ، وأقنعته الكاذبة ، ويتوجه بكليّته إلى مٙنْ لا مغيث سواه !

والقرآن يسجّل هذه الحقيقة " وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّار" (الزمر: 8) .

يحكي أحد العلماء عن أحد المسافرين – وكان مسلما علي طائرة يركبها خبراء من بلاد لا تؤمن بالله ، ولا تعترف بوجوده - : أنّ الطائرة التي كان يركبها دخلت في سحابة مكهربة ، وبدا لركابها أنها على وشك السقوط ، فإذ به يري هؤلاء الملحدين يرفعون أيديهم إلي السماء ، ويدعون ربهم بنداء الفطرة – بعدما سقطت الأقنعة عنها - : يارب .. يارب ..!

تأمّل ما نقله الشيخ الغزالي – رحمه الله - عن كتاب ( خطرات نفس ) : [ وإذا ما انطلقت السفينة بعيدا في البحر اللجيّ ، وهبّت الزوابع ، وتسابقت الرياح ، وتلبّد بالسحب الفضاء ، واكفهرّ وجه السماء ، وأبرق البرق ، وأرعد الرعد ، وكانت ظلمات بعضها فوق بعض ، ولعبت بالسفينة الأمواج ، وأجهد البحّار جهده ، وأفرغ الربّان حيلته ، وأشرفت السفينة علي الغرق وتربّص الموت من كل صوب وحدب.. ]

فمَنْ غيْرُ الله تحيط رأفته بهذه الأخطار والمهالك ؟ ، ومَنْ غيْرُ الله يصل بحبال نجدته المكروبين البائسين ؟!

"وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنسَانُ كَفُورًا" (الإسراء: 67) .

[ وإذا اشتد السقم بمَنْ أحاطت به عناية الأطباء ، وسهر الأوفياء ، ونام بين آمال المخلصين ودعوات المحبين ، ثم ضعفت حيلة الطبيب ، ولم ينفع وفاء الحبيب ، واستحال الرجاء إلي بلاء .. ]

فمَنْ غيْرُ الله تتجه إليه القلوب الواجفة ترجو منه الشفاء؟ ، ومَنْ غيْرُ الله يلجأ إليه الطبيب والقريب والحبيب ؟!

ذهبت أناجي طبيب الورى ** وروحي تناجي طبيب السماء
طبيبين ؛ ذاك ليعطي الدواء ** وذاك ليجـعل فـيــه الشـفاء

بهذه العقيدة الراسخة الواضحة المعلّلة ، واجه الخليل ( إبراهيم ) قومه ، وأعلن على الملأ إيمانه بالله – الذي بيده مقاليد السموات والأرض – وكفره بما يعبدون من دونه ..

" قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ*أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ*فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ*الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ* وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ* وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ* وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ* وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ " (الشعراء : 75-82 ).



اترك تعليق