نداء ليس أخيراً قبل الطوفان

By : أ. وائل قنديل

يموت الصغار بفطائر الفساد المسمومة، أو يقتلون في السجون، مع الكبار، بطيئاً، بالتعذيب تارة، وبالأمراض الفتّاكة تارة أخرى.

انخفض السقف من الحلم بوطن عادل ومتحضر وإنساني، إلى الأمل بسجنٍ نظيف، لا ترعى فيه الحشرات القاتلة بأجساد المحبوسين.

يتفتّت الوطن، وتتلاشى خريطته، بالبيع أو التنازل، أو التدمير المنهجي، ويغرق المستقبل في مستنقعات الديون والقروض، حتى صارت مصر الكبيرة موضوعاً للشفقة والأسى، أو مشروعاً للاستثمار في القبح والبلادة.

سفينة متهالكة تتخبط في عرض البحر، بينما ركّابها يتعاركون على مساحاتٍ في يابسةٍ لم يبلغوها بعد، ولن يصلوا إليها، ما داموا مستغرقين في تبادل تمزيق الثياب، والتنافس على كأس السباب، فيما يتضاحك القراصنة ممتنين لما يقدمه الضحايا/ الجناة على أنفسهم، من خدمات مجانية.

في ظل هذا المناخ العاصف الخانق، أضع بين يديك الآتي:

1- لم يعد الأمر بحاجة إلى إنفاق الجهد في توصيف ما جرى في مصر صيف 2013 انقلاباً صريحا على الأمة المصرية، بثورتها وقيمها وإرادة شعبها وإنسانيتها.

2- والأمر كذلك يصبح واجب الوقت والأولوية الأولى للمصريين العمل على التخلص من هذا الانقلاب، بما يعني تحرير مصر من خاطفيها، وهذا لن يتحقق إلا بتلاحم شعبي حقيقي ينطلق من أن الجميع مدعوون إلى صياغة مشروع وطني جامع، لا يُقصي أحداً، وفي الوقت نفسه، لا يتنازل عما هو حق وعدل وإنصاف.

3- استعادة مكتسبات المصريين من ثورة يناير مطلب عادل ومستحق، بما يشمله ذلك من مكونات مسار ديمقراطي، جرى الاعتداء عليه واختطافه. وها نحن ندفع جميعا، وبلا استثناء، ثمن التخلي عن هذه المكتسبات، تحت تأثير أوهامٍ وفزّاعات، تساقطت واحدةً تلو الأخرى، بمرور الأيام والأحداث، ولم يعد هناك مناص من إدراك أن وجود الدولة المصرية بات مهدّداً، وبالحد الأدنى مرهوناً بمشيئة أعدائها الذين يعتبرون الانقلاب فرصتهم الذهبية للإجهاز على مصر الحقيقية.

4- كل جهد، وكل رؤية، للتخلص من كابوس الانقلاب مرحب بها، تحت مظلةٍ وطنيةٍ جامعة، تتسع للمواقف والآراء المختلفة، بتنوع درجاتها وألوانها، من دون التفريط في حق الدم وثوابت الدولة المصرية المدنية الديمقراطية العادلة.

5- لا عداء مع مؤسسات الدولة الوطنية، وفي مقدمتها الجيش الوطني الذي يأتي في مقدمة من يدفعون الثمن الباهظ للانقلاب على ثوابت الدور الوطني للعسكرية المصرية، وقبل ذلك انقلاب على هوية مصر التي صاغتها عناصر الدين واللغة والتاريخ والجغرافيا.

6- النضال من أجل نيل الحقوق الاجتماعية لا ينفصل عن النضال طلبا للحرية والكرامة والحق والخير طلبا لقصاص عادل يصون حقوق الدم، وحدود الأرض، من دون جنوح للدخول في دائرة الانتقام والثأر.. وكل ذلك روافد لمشروع تحرّر وطني من الاستبداد والجوع والفقر والتبعية لقوى الشر والهيمنة التي تريد استنزاف مصر حتى آخر قطرة.

7- كل الكيانات والمجموعات التي أخذت على عاتقها إسقاط هذا الانقلاب مدعوةٌ للانخراط في مشروع وطني جامع، لا يستسلم لنوازع التخوين والتكفير والإقصاء، واحتكار الحديث باسم الشعب وباسم الثورة، على أساس من قيم التحاور والتجاور والتخلي عن عقلية "البديل الأوحد" على أن يلتقي الكل على مائدة النقاش والبحث، لبلورة أسس هذا المشروع، ووضع التصور الكامل لمصر ما بعد سقوط الانقلاب، مصر الديمقراطية المدنية الحديثة العادلة، التي بزغ فجرها في يناير 2011 وأجهضته الأيادي الشريرة.

اللهم فاشهد.



اترك تعليق