شهادات تواجه الإسلاموفوبيا

By : د. محمد عمارة

 في مواجهة الإسلاموفوبيا، والحملة الغربية المسعورة لتزييف صورة الإسلام والحض على كراهيته، والتي تربطه بالإرهاب وترويع الآمنين، وتدعي — كذبا — انتشاره بالسيف، حبذا لو فطن المسلمون في المجتمعات الغربية إلى الشهادات الاستشراقية التي كتبها علماء غربيون في إنصاف الإسلام والإشادة بعقلانيته وسلميته، فهي شهادة شهود من أهلها، ستجد من العقل الغربي قبولا يسهم في تصحيح الصورة الزائفة التي يصنعها اليمين الغربي المجنون بدعاوى الإسلاموفوبيا.

ومن هذه الشهادات شهادة المستشرق الفرنسي “إدوارد مونتيه” (1856–1927م) — الذي ترجم القرآن إلى الفرنسية — والتي يقول فيها: “إن الإسلام في جوهره دين عقلي بأوسع معاني هذه الكلمة من الوجهتين الاشتقاقية والتاريخية، فإن تعريف الأسلوب العقلي Rationalism بأنه طريقة تقيم العقائد الدينية على أسس من المبادئ المستمدة من العقل والمنطق، ينطبق على الإسلام تمام الانطباق، إنه مجموعة من العقائد قامت على أساس المنطق والعقل، وإن بساطة هذه التعاليم ووضوحها لهي على وجه التحقيق من أظهر القوى الفعالة في الدين وفي نشاط الدعوة إلى الإسلام.

لقد حفظ القرآن منزلته من غير أن يطرأ عليه تغيير أو تبديل، باعتبار النقطة الأساسية التي بدأت منها تعاليم هذه العقيدة وقد جهر القرآن دائما بمبدأ الوحدانية في عظمة وجلال وصفاء لا يعتريه التحول، ومن العسير أن نجد في غير الإسلام ما يفوق تلك المزايا، وإن هذا الإخلاص كمبدأ الدين الأساسي، والبساطة الجوهرية في الصور التي يصاغ فيها هذا الدين، والدليل الذي كسبه هذا الدين من إقناع الدعاة الذين يقومون بنشره اقتناعا يلتهب حماسة وغيرة، إن هذا كله يكون من الأسباب الكثيرة التي تفسر لنا نجاح جهود دعاة المسلمين، وكان من المتوقع لعقيدة محددة كل هذا التحديد، خالية كل الخلو من جميع التعقيدات الفلسفية، ثم هي تبعا لذلك في متناول إداراك الشخص العادي، أن تمتلك، وإنها لتمتلك فعلا، قوة عجيبة لاكتساب طريقها إلى ضمائر الناس”.

وغير شهادة المستشرق الفرنسي “مونتيه”، يشهد اللاهوتي الإيطالي الأمير “كيتاني” (1869–1926م) لسر انتشار الإسلام في الشرق فيقول: “إن انتشار الإسلام بين نصارى الكنائس الشرقية إنما كان نتيجة شعور باستياء من الفلسفة المذهبية التي جلبتها الروح الهليذية إلى اللاهوت المسيحي.

أما الشرق الذي عرف بحبه للأفكار الواضحة البسيطة، فقد كانت الثقافة الهليذية وبالا عليه من الوجهة الدينية، لأنها أحالت تعاليم المسيح البسيطة السامية إلى عقيدة محفوفة بمذاهب عويصة، مليئة بالشكوك والشبهات، فأدى ذلك إلى خلق شعور من اليأس، بل زعزع أصول العقيدة الدينية ذاتها.

فلما أهلت آخر الأمر أنباء الوحي الجديد فجأة من الصحراء، لم تعد تلك المسيحية الشرقية التي تزعزعت قواعدها الأساسية، واستولى على رجالها اليأس والقنوط قادرة على مقاومة إغراء هذا الدين الجديد الذي بدد بضربة من ضرباته كل الشكوك التافهة، وقدم مزايا مادية جليلة إلى جانب مبادئه الواضحة البسيطة التي لا تقبل الجدل، وحينئذ ترك الشرق المسيح وارتمى في أحضان نبي بلاد العرب.

إن العرب لم يضطهدوا أحدا من أجل الدين، كما أنهم لم يعملوا على ضم أحد إلى دينهم، ومن ثم تمتع المسيحيون الساميون، في ظل الإسلام، بعد الفتوحات الأولى، بحرية لم يتمتعوا بها من قبل طيلة أجيال عديدة”.

إنها شهادات منصفة للإسلام، كتبها مستشرقون ولاهوتيون كبار، جمعوا بين دراسة الإسلام ودراسة المسيحية والفكر الغربي، وهي سلاح بيدنا الآن في مواجهة عاصفة الإسلاموفوبيا التي تزيف صورة الإسلام.


اترك تعليق