السياسة الشرعيَّة.. والانحياز للمستضعفين

By : د. محمد عمارة

 من عيون تراثنا في السياسة الشرعيَّة، ذلك "العهد" الذي كتبه الراشد الرابع الإمام علي بن أبي طالب ( 23 ق.هـ 40هـ/ 600 – 661م ) إلى واليه على مصر "الأشتر النخعي" (37هـ - 65م ).. والذي جاء أطول العهود التي كتبت إلى أحد من الولاة.. كما جاء من أعمق وأغنى هذه العهود – وهذا العهد – الذي يمثل وثيقة من وثائق السياسة الشرعيَّة – تقرأ المبادئ التي تظلّ هادية على مرّ الأزمان..

نقرأ فيه أن اختلاف الرعية في الدين لا يصح أن يكون ذريعة للتمييز بينهم في الحقوق والواجبات الاجتماعيَّة والإنسانيَّة (فالخَلْق صنفان، إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق )..

والمساواة بين الرعية لا تعني "حياد" الدولة بين الطبقات – بين الخاصَّة والعامَّة – بل يجب الانحياز للعامَّة والمستضعفين: (وليكن أحب الأمور إليك أوساطها في الحق، وأعمها في العدل، وأجمعها لرضا الرعية، فإن سخط العامة يجحف برضا الخاصة، وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضا العامة.. وليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مئونة في الرخاء، وأقل معونة له في البلاء، وأكره للإنصاف، وأسأل بالإلحاف، وأقل شكرًا عند العطاء، وأبطأ عذرًا عند المنع، وأضعف صبرًا عند ملمات الدهر، من أهل الخاصة، وإنما عماد الدين، وجماع المسلمين، والعدة للأعداء: العامة من الأمة، فليكن صَغوُك إليهم، وميلك معهم).

وفي مواجهة واقع التمايز بين الطبقات، توجب السياسة الشرعيَّة العدل والموازنة والتأليف بين الطبقات – بالتكافل – تحاشيًا لآفة الصراع بين هذه الطبقات: ( واعلم أن الرعيَّة طبقات، لا يصلح بعضها إلا ببعض، ولا حتى ببعضها عن بعض).. وهذا العدل بين الطبقات مهمة عظمى، تحتاج إلي أولي العزم من ولاة الأمور: (إذا الحق كله ثقيل، وقد يخففه الله على أقوام طلبوا العاقبة فصبروا أنفسهم ووثقوا بصدق موعود الله لهم).

ويحذر الإمام علي واليه من أن يتخذ بطانته من الخاصة والأثرياء (لأن فيهم استئثارًا وتطاولا، وقله إنصاف في المعاملة، فاحسم مادّة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال).

وفي هذا العهد – الوثيقة – دعوة لأن تهتم الدولة بالقوى المنتجة في المجتمع، فهي عماد عمران البلاد وصلاح أمر العباد: (..وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله، فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحًا عن سواهم، ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم، لأن الناس كلهم عيال على الخراج وأهله، وليكن نظرك في مارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد، وأهلك العباد.. وإنما يؤتي خراب الأرض من إعواز أهلها، وإنما يعوز أهلها لإشراف أنفس الولاة على الجمع، وسوء ظنهم بالبقاء، وقلة انتفاعهم بالعبر! واستوص بالتجار، وذوي الصناعات.. فإنهم مواد المنافع.. ذا علم – مع ذلك – أن في كثير منهم ضيقًا فاحشًا، وشحًّا قبيحًا، واحتكار المنافع، وتحكمًا في البياعات.. فامنع الاحتكار).

إنها إشارات إلى بعض المعالم في "متن" معه "متون السياسة الشرعية" يحتاج إلى "فقه" وشرح وتطبيق.


اترك تعليق