فارس.. في ميدان "المنهج"

By : د. محمد عمارة

 الشائع في بعض الدراسات أن الأوروبيين هم الذين سبقوا إلى الكتابة في "المنهج"، فجعلوا منه علمًا، وأفردوه بالتأليف، وتنسب الريادة في ذلك إلى الإنجليزي فيلسوف الوضعية "روجر بيكون" (1214-1292م)، وكثير من الباحثين العرب يسلمون بهذا القول، بينما يتحفظ البعض تحفظًا جزئيًّا، فيلفتون النظر إلى أن العديد من علماء العرب والمسلمين قد كتبوا في المنهج، وصاغوا العديد من قواعده، ووضعوا الأصول النظرية لكثير من عناصره، وإن لم يفردوا له تآليف خاصة به، ولم يجعلوه علمًا مستقلاًّ عن غيره من العلوم، ويذكرون في هذا الباب سبق الجاحظ (163-255هـ/ 775-868م) للكتبة في "الشك المنهجي" -كعلم يجب تعلمه- وكيف كانت له الريادة ثم جاء من بعده حجة الإسلام أبو حامد الغزالي (450-505هـ/ 1058-1113م) الذي صاغ تجربته في الشك ومنهج التعامل معه بكتابه "المنقذ من الضلال" والذي أُثر عنه قوله: "من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر ففي العمى والضلال". وكلاهما -الجاحظ والغزالي- أسبق من الفيلسوف الفرنسي "ديكارت" (1590-1650م) بعدة قرون.

لكن المتأمل في تراثنا العربي الإسلامي يلحظ محاولات شبه مكتملة في "المنهج" -على نحو خاص ومفرد- قبل أن تطرقه الحضارة الأوروبية بعدة قرون. فعالم اللغة وفيلسوفها والناقد الأدبي "ابن جني" (330-239هـ/ 942-1002م) له في كتابه الفذ "الخصائص" صفحات وصفحات تطالعنا بعناصر منهجه في الدراسات اللغوية. والشهرستاني (479-548هـ/ 1086-1153م) صاحب كتاب "الملل والنحل" يطالعنا -عن دراسته لانقسام الأمة إلى فرق ومذاهب- بعناصر منهج الموضوع بالذات.

بل إن في تراثنا العربي الإسلامي ما هو أكثر من هذا، وما هو أقرب إلى إفراد "المنهج" بالتأليف المستقل فيه، وكمثال على ذلك كتاب فيلسوف الفقهاء وفقيه الفلاسفة أبو الوليد ابن رشد (520-595هـ/ 1126-1198م) الذي سماه "فصل المقال فيما بين الحكمة والشرعية من الاتصال"؛ ففي هذا الكتاب بيان للمنهج الفلسفي حتى لنكاد -دون مبالغة- أن نقول: إنه كتاب في "المنهج الرشدي".

ولقد كان ضروريًّا لابن رشد أن يصنع ذلك؛ لأنه قد طرق في الفكر بابًا جديدًا، بل وغريبًا عن الكثير من الفلاسفة في العديد من الحضارات؛ وذلك عندما اقتحم -في أصالة وموضوعية- ميدان التوفيق بين "الدين" و"الفلسفة"؛ أي: بين "الشريعة" و"الحكمة"، وكان الكثيرون يحسبون أن لا مكان للتوفيق بينهما، وابن رشد بهذا العمل الذي أنجزه في هذا الميدان قد كان -ومايزال- علامة بارزة تلفت النظر إلى الطابع المتوازن في حضارتنا العربية الإسلامية، والذي يميزها عن حضارات أخرى كثيرة؛ عندما تتخذ الموقف الذي يجمع بين ما تعده حضارات أخرى كنقائص ومتضادات لا يمكن الجمع بينها. ولِجدَّة المحاولة بالنسبة للكثيرين، ولصعوبة البحث؛ كان لابد لابن رشد من أن يعرض عناصر "منهجه" في هذه المحاولة الكبرى فكان كتابه "فصل المقال".

وفى هذا الكتاب يتحدث ابن رشد عن موقف الدين من دراسة الفلسفة، وعن أهمية النظر الفلسفي وضرورته للإنسان، وكذلك عن شروط هذا النظر الفلسفي، وعن مستويات الناس الفكرية، وطريق كل مستوى إلى تحصيل المعرفة وبلوغ اليقين، وعن علاقة الحكمة (الفلسفة) بالشريعة والدين، وعن التأويل وقوانينه، ثم يقدم عناصر نظرية متكاملة في المعرفة، من خلال حديثه عن "العلم الإلهي" و"العلم الإنساني" والفروق بينهما، حتى ليمكن أن تعد رسالته الصغيرة "ضميمة في العلم الإلهي" رسالة في المنهج "منهج النظرية الإسلامية في المعرفة".

فجدير بفيلسوف قرطبة أن يحسب له هذا السبق إلى التأليف المفرد في المنهج، وجدير بنا أن نمعن النظر في هذا الميدان؛ فلربما وجدنا تآليف في المنهج سبقت في تراثنا مؤلفات ابن رشد في هذا الميدان، بل إن كتابه "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" هو كتاب في منهاج فلسفات اختلافات الفقهاء بامتياز، كما أن كتاب الغزالي "فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة" هو الآخر نموذج في هذا الميدان.


اترك تعليق