ظاهرة «الشرعيين» في الجماعات الدينية المسلحة (1-3)

By : د. محمد عياش الكبيسي

ظاهرة «الشرعيين» في الجماعات الدينية المسلحة (1-3)

د. محمد عياش الكبيسي

مع حالة الفوضى العامة التي اجتاحت العراق وسوريا وبعض البلاد العربية نتيجة لعوامل خارجية أو داخلية، برزت ظاهرة «الشرعي» واللجان أو الهيئات «الشرعية» التي أسهمت إلى حد كبير في إشاعة الفوضى وتشعبها وإطالة عمرها.
الشرعي هو صاحب القرار الفعلي في أغلب الفصائل المسلحة، ويشكل في الوقت ذاته نوعا من الرقابة الصارمة تلافيا لأي خروج محتمل عن قواعد الشريعة خاصة فيما يتعلق بالعلاقات والتحالفات والمفاوضات وحتى صيغ البيانات والخطابات.
مؤهلات الشرعي في العادة سهلة جدا، فلا توجد شروط وضوابط محددة ومكتوبة، وإنما في الغالب يتم اختيار أفضل الموجود، وهذا الأفضل قد يكون هو الأقرب إلى قلب «الأمير» أو الأقدر على إظهار المهارة الخطابية والوعظية، وفي كثير من الأحيان يكون الأفضل هو الأكثر حماسة وتشددا.
بعض هؤلاء لم يدرس الشريعة أصلا، وبعضهم درس الشريعة بمقرراتها المعروفة في المعاهد الإسلامية وكليات الشريعة التي ربما يتخرج بها الطالب وهو لم يقرأ صفحة واحدة في السياسة أو العلاقات الدولية أو فن التفاوض أو الإدارة العامة، وربما لم يطلع بتاتا على تجربة واحدة من تجارب الثورات المعاصرة. هؤلاء قفزوا على الأحداث مضطرين أو مستغلين حالة الفراغ فوجدوا أنفسهم فجأة في مواقع المسؤولية، مع مشاغلهم الكثيرة ومشاكلهم اليومية التي لا تسمح لهم بتلافي أي شيء مما فاتهم.
في مثل هذه الحال يكون الموجه للشرعي عادة إما مقولات دينية عامة غير مؤصلة ولا مفحوصة، وإما الرغبة بتثبيت موقعه في جماعته من خلال تبني المواقف التعبوية أو الطوباوية الفارغة، إضافة إلى أن السلوك الداخلي لمثل هذه الجماعات يسمح في العادة بالمواقف المتشددة حتى وإن جاءت بالنتائج المعكوسة لأن هذا في عرفهم سيكون «ابتلاء ربانيا»، بخلاف المواقف المرنة التي تقترن عندهم عادة بالتهاون والتنازل عن الثوابت، فإن جاءت بنتائج غير مرغوبة كان ذلك دليلا على «الانتقام الإلهي».
إن هذا السلوك المتلبس بلبوس الدين أشد خطرا من أي خطأ آخر قد ترتكبه جماعات أخرى لا تحمل اسما دينيا، فهناك معايير الصواب والخطأ بالنتائج الملموسة والتي يمكن فهمها والقياس عليها، أما هنا فتدخل معايير أخرى مثل النوايا والاجتهادات الفقهية والمقولات الغيبية والاحتجاج بالأقدار الإلهية، وهذا كله مع حالة الجهل والفوضى يجعل الأمور أشبه بالمتاهة المعقدة، التي لا يعرف فيها الحق من الباطل، ولا المحسن من المسيء، وقد وصل الحال إلى اعتبار تدمير مدينة مثل الفلوجة أو حلب أو كوباني وتشريد عشرات الآلاف من الأهالي شيئا يمكن الخلاف فيه تبعا لاجتهاد الشرعيين ونواياهم، وهناك من ينكر أصل البحث في هذا الذي حصل لأنه أقدار إلهية محضة، وستظهر حكمتها بعد حين «ولكنكم قوم تستعجلون»، وفي النفسية المتدينة قبول عجيب لمثل هذا التفكير حتى لو مرت على التجربة مائة سنة، المهم لا يجوز لك أن تنتقد أو حتى تفكر بانتقاد أحد هؤلاء «المجاهدين» أو»العاملين للإسلام» ولو كنت تراه سببا مباشرا في تدمير بلد بكامله، فيكفيه أنه ابن الميدان، على طريقة:
أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا;



اترك تعليق