مسجون سياسي يقرأ سورة العنكبوت

By : عمرو العوضي

ذات ليلةٍ مظلمةٍ من ليالي الشتاء القارسة نظرتُ إلى نفسي فوجدتني محشورًا في ركنٍ ضيقٍ مكبلًا بالأغلال، ووجدتُ الغرفةَ مظلمةً إلا من بصيصِ نورٍ باهتٍ يتسرّب من طاقةِ البابِ الحديدي الأسود الكئيب، ووجدتُ الرفاقَ نائمين فغبطّتهم، وتساءلتُ متعجبًا: كيف يستطيع أن ينامَ أسيرٌ؟!
 

أنا الآن في اليوم الثالث للاعتقال، ولم أنَم في هذا الحجزِ الضيقِ إلا سُويعاتٍ، وها هم رِفاقُ الثورةِ والأحلامِ والخيباتِ نائمون. الصمتُ مطبقٌ رغم ما بداخلي من ضجيج، والبردُ ينخرُ فيّ رغم ما بداخلي من احتراق، والظلامُ كئيبٌ رغم أني من عشاقِ الليل والقمر.
 

أمسكتُ مصحفي يائسًا، ثم كأني قلتُ لنفسي: فرّ إلى كلام ربّك لعلّك تجد فيه سلواك، فقرأتُ غيرُ مُنتبهًا ومررتُ بالسور أجري كأني أهربُ من يأسي حتى استفتحتُ سورةَ العنكبوت، فلمّا قرأتُ أعدت، ثم قرأتُ وأعدت، ثم تساءلت: ما هذا؟ أَنَزَلَت تِلكمُ السورةُ من 1400 عامٍ حقًّا؟ أم أنها نزلت لي الآن خاصةً؟! والله كأني شعرتُ أنها أنزلت لي خاصةً، وشعرتُ أني أقرأُ السورةَ لأولِ مرةً، وبثّت كلماتُ ربي في جَنانِي ثباتًا، وزاد في قلبي اليقين، وأخذتُ أعيد القراءةَ ثم أتدبر في أمري وأمر رفاقي.


ستُجاهد؟ فالمكسبُ لك، ستتقاعس؟ فالخسارةُ عليك، وفي كل الأحوالِ سينصر اللهُ دينَه، فأنت الفقيرُ إليه، وهو الغنيُّ عنك، ودنياكَ مهما عظمت في عينيكَ رخيصة، والجنةُ غاليةٌ لا تُقَدّر بِثمن.
 
"أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ"
- هل تظنون أن الجهادَ عبارة عن شعاراتٍ رنانةٍ ومنشورات على مواقع التواصل؟ هل تظنون أنه سوف يغنيكم قولكم "في سبيل الله قمنا" وعندما يحمى الوطيس نجد قادتكم قبل عامّتكم نائمين؟!
 

"وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ"
- هذه سنةُ الحياة، وطريقُ الأنبياء والأولياء، وما الدنيا بأفراحِها وأتراحِها إلا دار فتنةٍ وبلاء، وما تلك الفتنُ والمحنُ التي تمر بنا إلا ليميزَ الخبيث من الطيب، وينجلي الصادق عن الكاذب، وليتجلّى للجميع من الذي يجاهد الظالمين بحق؟ ومن ذا الذي فرّط وباع ووالى كلّ ظالمٍ وفاجر؟


"أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ"
- تسرّب اليأسُ إلى الكثيرِ من المسلمين، وتشكّكوا في دينهم من هولِ ما رأوا من هزائم تطايرت بسببها أشلاؤهم في كل حدب، وشرب فيها من دمائهم كل كلب؛ فتشكّكُوا. تشكّكُوا لأنه زُرِع في أذهانهم منذ الصغرِ أن اللهَ يجب أن ينصرَ المسلمَ على عدوه الكافر في أي وضعٍ وفي كل حال متناسين "وَأَعِدُّوا"، متجاهلين (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ)، متغافلين عن "وَتِلْكَ الْأَيَّام نُدَاوِلهَا بَيْن النَّاس".


فيقول اللهُ لكل من فهمَ الأمورَ على غير حقيقتها، وأساء الظن به في إمهاله للظالمين "سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ" فاللهُ قادرٌ على عقابِهم وزلزلةِ الأرضِ من تحتهم، لكن عذابَ الكافرين في الدنيا جَرَت السنّةُ أن يكون بأيدي المؤمنين "قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ"، ومن يفلت من عقاب الله في الدنيا لِحِكمةٍ فـ "إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ".


"ومَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ"
ــ بَدَأت تسري فينا نغمة "استفدنا إيه؟"، ونجح الأعداءُ في تشكيكِ شبابَ المسلمين في جدوى الجهاد، وبدأ الكثيرون يقولون -ولو بصوت خافت- يا ليتنا ما بدأنا! المعادلة واضحة من البداية، فلم يخبركَ أحدٌ من قبل أن المعالي تأتي دون صبر، وأن شرعَ اللهِ سوف يُحكّم دون دم، فحتى رسول الله أكرم الخلق عند ربِّه لم يُمكِّن له اللهُ حتى رُوِيت الأرضُ من دمائِه الشريفةِ ودماءِ أصحابه، وبَدَهِيٌّ أن يعلم الجميع أنه لا فكرة تنتصر -مهما كانت عادلةً وصادقةً- إلا على أشلاءِ الكثير من حامليها.


وفي النهاية الأمر واضح يا رِفاق؛ ستُجاهد؟ فالمكسبُ لك، ستتقاعس؟ فالخسارةُ عليك، وفي كل الأحوالِ سينصر اللهُ دينَه، فأنت الفقيرُ إليه، وهو الغنيُّ عنك، ودنياكَ مهما عظمت في عينيكَ رخيصة، والجنةُ غاليةٌ لا تُقَدّر بِثمن، فطوبى لمن باع الرخيص بالغالي.
طوبى لمن باع دنياه بالجنة!


اترك تعليق