أنسنة الإنسان في منابر العالم الجديد

By :

اتخذ علي عزت بيغوفتش مسارا مركزيا، في مناقشته مآلات المفاهيم الفلسفية التي تمكنت من صياغة بنية التفكير الاجتماعي في العالم منذ مطلع القرن العشرين.


ومع أنه حاور إشكالية الروحانية غير المتوازنة في التبشير المسيحي وجذوره في الغرب، فإنه ركّز بكثافة على البيان الشيوعي العام ومجمل نظريات الماركسية العلمية، ربما بحكم وضع البوسنة والهرسك تحت الهيمنة الشرسة للدكتاتورية الشيوعية، وما تلاها من مآس للشعوب المقموعة باسمها، حيث كان بيغوفتش أحد أبرز المناضلين الباحثين عن الحرية لشعبه ولبقية شعوب يوغسلافيا، ثم كل محيط قمع فيه الإنسان باسم الشيوعية.

وقد تناولت بحوثه مسألة مهمة للغاية لفهم أين وكيف تم حصاد هذه النظريات التي طُبقت على العالم جزئيا أو كليا، واستخدم بيغوفتش وغيره مصطلح الطوباوية، والذي قصد به نقد المعادلة المثالية المزعومة لخلق مجتمعات تفوق إنساني، تعتمد ما تراه علما قطعيا، رغم أن هذه النتائج ليست علمية، بمعنى أنها ليست قطعية في دلالاتها لتقييم صحة الفكرة الإنسانية التي وُلدت هنا وهناك.

وإنما فَرضت الكتابات الشيوعية هذه المعادلة في ظل وهم تقديسي كبير، لأفكار داروين وإنجلز وغيرهما في التعامل مع المجتمعات البشرية وفقا لصورة الحيوان الكامل، الذي يُمكن أن يُعزل عن كل ما يُشكّل له بعدا أخلاقيا روحيا يربط بين الأسرة والفطرة، وبالتالي تربطه الفطرة بعلم الاجتماع الذي يعترف بالدين والخالق.

غير أن هدف هذا المقال ليس استدعاء نقد الفكرة الشيوعية، وما تبقى منها وهو واضح اليوم، في ديالكتيك الحركات الوجودية التي بُعثت من جديد بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وباتت تعيد صياغة معادلة جديدة بعد فشل المعادلة القديمة للفكرة الشيوعية، وفي كليهما هناك استدعاء مؤسّس للإلحاد، وفصل الإنسان عن مدلولات الروح في نشأته وفي فهمه وسلوكه، ثم في شراكته لصناعة المجتمع الجديد.

وهي النظرية التي نحاول مناقشتها هنا في ظل توسعّها لأكثر من مسار فكري عالمي، ولكنها تشترك فيما يواجه الأنسنة كنتيجة نهائية لطريقة تفكيرها، وهو المصطلح الذي نطلق عليه حركة المكنَنَة كمواجه للأنْسَنَة، أي تحويل الذات البشرية إلى نظريات ميكانيكية حتمية تُصر على فصل الروح والقيم الأخلاقية، من خلال الاستبعاد العلمي المزعوم لأي أثر ديني يؤمن بالخالق ويهتدي بمسارات الأنبياء المتحدة، ومن ثم تُصنع رسالة الوعي والنماء البشري الرشيد عبرها، لكن بمعادلة الإنسان والعدل والرحمة لا الروحانية المتعصبة أو المنسحبة من الحياة.

ويهمني هنا أن أقف مع مقولة لماركس ولسيمون دي بفوار، تعكس توجها واحدا في تأثيرات هذه القناعة التي لا تزال حاضرة وإن تغيّر أو تكيّف وضعها الفكري، فانتهت مع البيان الشيوعي العام، لكنها لم تنسحب من منابر التغيير الفكري للقناعات العالمية، ومنها مؤسسات للأمم المتحدة ومجمل برامج الاتحاد الأوربي الاجتماعية، وتحالفات ثقافية واسعة تصبغ إنتاجها بها، ثم تتحوّل إلى شبه بلاغات مقدسة أو محصنة، تختبر العالم في تخلفه أو تحضره بناء عليها.

إن الإيمان بالكائن الاجتماعي الذي خلق نفسه أو تخلّق بالصدفة، تعني إلغاء أي معادلة ولو كانت يقينية في الاستشعار الإنساني للوجود، ولقد ثُبتت صناعة فكرة تقدم هذا الكائن الاجتماعي عبر هذه الأيديولوجيا التي تُقدم كفكرة علمية راسخة.

ومن ثم لماذا يعيش المجتمع أخلاقيات الروح، ولماذا يتضامن ويقر منظومته العدلية التي تخشى تحذيرات الخالق، أو تخضع لمعايير تنزع لها فطرة الإنسان بين أقاربه وجيرانه، وتنشأ معه في طفولته ومحضنه الأسري!؟

هنا يتجه ماركس إلى أن القضاء على الأسرة، هو السبيل لتكييف الكائن الاجتماعي بكليّته، وتحويله إلى عضو في المجتمع الذي فشل البيان الشيوعي في إنتاجه، وتعرضت البشرية لمآس ضخمة دون أن يقوم هذا المجتمع التضامني المزعوم، أما سيمون فتقول: ستظل المرأة مستعبدة حتى يتم القضاء على خرافة الأسرة والأمومة والغريزة الأبوية.

ومشروع القضاء على الأسرة، كونها كيانا اجتماعيا فطريا يمنع تسليع المجتمع وفقا لنظرية المجتمع المثالي الكلي الذي تقوده الدولة الشيوعية، جرت محاولات لتكييفه واقعيا، لكنه فشل في الصين وروسيا قبل انهيار الاتحاد السوفييتي، ولا يوجد اليوم بناء قُطري ثابت على الرؤية الشيوعية باستثناء كوريا الشمالية، فحتى الصين أبقت المصطلحات لكن الواقع السياسي الاجتماعي مختلف.

لكن ماهي فكرة المقال هنا؟ إن خلاصة ما قدمناه أن هناك حضورا ثقافيا وفلسفيا واسعا في المجتمع الغربي المؤثّر فكريا على المجتمع الدولي، لا يزال يعتمد المكننة مقابل الأنسنة، وهذه المكننة التي تُحوّل الفرد إلى ميكانيكية توجيه وتعاط مصمت مع الدولة، دون توازن ديني وقيم أخلاقية وعدالة قانونية، تنظم من خلالها مواثيق الفكر الإنساني ليدعا لها العالم الجديد.

بل إن هذه المكننة باتت تُنفّذ عبر المشروع الغربي الذي صارع المشروع الشيوعي، ولكنه اتحد معه في فكرة تسليع الإنسان رغم مسيحية هذا الغرب، الذي ربما احتفظ ببعض قيمه الدينية لكن من خلال تمييز ديني لشعوبه دون العالم.

فيما شجعت مؤسسته السياسية والاقتصادية أفكار نقض قيم الشعوب الأخرى، ودمغها كحالة تخلف دون فرز ومعرفة ما هو سلوكٌ منحرف نشأ لدى هذه المجتمعات، أو قيم دينية أخلاقية هي التي تصنع بالفعل المجتمع الفاضل المستقر روحيا، فيما هذه المكنَنة التي دعت لها سيمون بفوار كانت الترس المتحرك في خطاب التثقيف الغربي للعالم، فتضغط على هذه الشعوب لتنحية الأنسنة الفطرية فيها.

إن الأنسنة مفهوم كلي، لا يُمكن أن يؤخذ منه شق كقيم العدل والتسامح والعفو والسلوك الأخلاقي الفردي، وتُهدم قاعدته في ضمير الإنسان من خلال مراقبته لخالقه، وتأنيب ضميره له ليُرضي هذه القيم ويُعلي سلوك المحبة والود للآخرين، مع بقاء طبيعة هذه الأنسنة فاعلة في مواجهة المعتدين وعقوبتهم.

إن المنابر الفكرية العالمية اليوم لا تعطي مساحة للاستماع لفلسفة الأنسنة كتأصيل جامع، وإن أُطلقت دعوات للتآلف العدلي والإنساني بين كل الشعوب لكنها تتراجع أمام صعود اليمين الديني والقومي، الذي يتخذ قرارات حروب وتصعيد تقوم على القوة المادية والاعتداد العنصري بالذات، ولا يردعها صوتٌ ضعيف الإمكانيات يدعو لإنصاف الإنسان، كما أن الاندفاع في المكنَنة عالميا لا يخضع لمراجعات أخطائه، التي تحارب قيم الشعوب لا سلوك المنحرفين فقط.

لكنّ السؤال يعود من جديد، لماذا لا تتحوّل هذه المجتمعات المتدينة في العالم الإسلامي بحسب فهمها للدين أو توجيه المستبدين للنموذج الديني فيها، إلى حالة تفوّق واستقرار إنساني وعدالة اجتماعية وسعادة بين الناس وعدل للمرأة، ولماذا تنتشر فيها معدلات الإلحاد والأزمات النفسية والاجتماعية.. والمسلمون يمثلون كل شعوبها أو غالبيتهم الساحقة؟

فأولا نقول هل المرأة الحرة في عهد الرسالة الشريك السياسي والدعوي والمجادل الاجتماعي الصلب، والتي تخلع زوجها بطلبها، هي المرأة اليوم تحت الغلو الديني المنحرف والضغط الاجتماعي الجاهلي؟
إن الجواب على هذا السؤال، هو أن مفهوم الأنسنة الراشد، لا يخلقه تديّن مخنوق أو موجه، أو روحانية مغرقة تصرف الناس بوعظها عن حقوقهم، وإنما هو تديّن رشيد يرتفع فيه الإنسان باسم الإسلام، لا يُقمع أو يُكبل أو يخنق باسمه، بصوت واعظ منحرف وسوط حاكم ظالم.


اترك تعليق