ماذا تعرف عن «الحرس الثوري العراقي»؟

By :

كلما قاربت الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في العراق على الانتهاء، تزايد الحديث عما بعد الحرب؟ المستقبل الديموغرافي لهذا البلد متعدد الأعراق والطوائف، لا سيما وأن الحرب عبثت بكل ما تملكه الحروب من جنون، في طبيعة هذا البلد المنقسم على نفسه.

الرمادي، المدينة ذات الأغلبية السنية، التي تصل نسبة سكانها من السُنة حوالي 90% من إجمالي السكان، يعمل على تحريرها من قبضة التنظيم قوات شيعية وسنية، تفوق الأولى الثانية بما يقارب الـ20 ألف مقاتل، ما يعني سيطرة شيعية شبه كاملة على المدن المحررة ذات الغالبية السنية مثل «تكريت، والرمادي، والفلوجة».

كلمة السر في كل هذا، قوات الحشد الشعبي، فما هي؟ وكيف نشأت؟ وأي مستقبل ينتظرها بعد أن شرع لها مجلس النواب العراقي، فيما عُرف بقانون هيئة الحشد الشعبي؟

الفاتورة الأمريكية لاحتلال العراق
في التاسع من أبريل (نيسان) لعام 2003، اقتحمت الدبابات الأمريكية ساحة الفردوس، وأسقطت تمثال الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، في رمزية هي الأهم من بين أحداث الحرب المأساوية، وقد تم الترتيب لهذا المشهد بالتنسيق مع جماعة المؤتمر الوطني العراقي، الفصيل العراقي المعارض الأكثر نفوذًا وقربًا من الإدارة الأمريكية.

ليس منطقيًّا كثيرًا أن يظن أحد أن أيًّا من دول المنطقة لم تكن على علم بالنية الأمريكية لغزو العراق، فكيف إذًا بالجار الإيراني؟

هذا ما أكده زلماي خليل زاده، الذي تدرج في هذه الفترة في عدة مراكز متقدمة في إدارة الرئيس بوش، فشغل منصب سفير الولايات المتحدة لدى منظمة الأمم المتحدة، ثم عمل سفيرًا في أفغانستان، مسقط رأسه، ثم العراق.

في سيرته الذاتية التي صدرت له حديثًا، أكد زاده أن إيران تم إبلاغها بالنية الأمريكية عن طريق ممثلها في الأمم المتحدة آنذاك جواد ظريف. ونقلت الرواية تفاصيل لقاء جمع بين مسؤولين من الإدارة الأمريكية، وجواد ظريف، وتضمن اللقاء برواية خليل زاده، طلبًا أمريكيًّا للجانب الإيراني بعدم التعرض للمقاتلات الأمريكية، إذا ما اخترقت الأجواء الإيرانية بطريق الخطأ، وهو الطلب الذي قابله ظريف بالموافقة، وعرضًا أمريكيًّا آخر برغبة الولايات المتحدة الشديدة في أن يتبوأ كبار السياسيين الشيعة الموالين لإيران والمعارضين لنظام الرئيس العراقي الراحل مقاعد من الحكومة التوافقية التي ترغب الولايات المتحدة تمكينها بعد الحرب.

إلا أن قناة الحوار هذه قد أُغلقت بعدما اتهم الرئيس بوش في مايو (آيار) 2003 الجمهورية الإيرانية بإيوائها عناصر من تنظيم القاعدة، كانوا قد تورطوا في أعمال عسكرية معادية للولايات المتحدة على الأراضي السعودية، وراح ضحيتها ثمانية أمريكيين.

ميليشيا شيعية تقود العراق
لطالما اعتبرت الجمهورية الإيرانية الجار العراقي امتدادًا للنفوذ الجيو-استراتيجي خاصتها، وحاولت في أزمنة غابرة لعب دورٍ في الداخل العراقي. إن لم يكن لصالحها المباشر فعلى الأقل لضمان أمنها القومي من المعادين، وجميعنا يعرف كلفة الحرب العراقية الإيرانية بعد الثورة الإسلامية.

وكانت الجمهورية الإيرانية الأكثر جاهزية للعب دورها مع الاحتلال الأمريكي للعراق، فساعدت من خلال ميليشياتها في إسقاط النظام العراقي، ثم لعبت إيران دور الداعم لإعادة البناء، بدعمها الموجه للميليشيات الشيعية؛ ما جعلها سريعًا في مراكز متقدمة من السلطة، وما جعل العراق يطفو على بحر من المظالم العرقية والطائفية في نظر البعض، وجعله خارج المعادلة الإقليمية كدولة فاعلة، وأرض خصبة لتنامي الإرهاب، الذي ما تأخر حتى تُوج بـ«تنظيم الدولة الإسلامية».

في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2014، أطلق المرجع العراقي الشيعي علي السيستاني فتواه للأنصار بضرورة الجهاد إثر انهيار الجيش النظامي العراقي أمام مقاتلي «تنظيم الدولة»، ومن حينها تألفت ما يُعرف بـقوات الحشد الشعبي العراقي، لتضم ما يزيد على مائة ألف مقاتل، أغلبهم على المذهب الشيعي، مع قليل من السُنة، يتراوح عددهم بين ألف وألفي مقاتل.

وتضم القوات عددًا من الميليشيات، يصل عددها لـ42 فصيلًا، بعضها سبق في تكوينه فتوى السيستاني، مثل عصائب أهل الحق، ومنظمة بدر، وكتائب سيد الشهداء، وكتائب الإمام علي، وكتائب حزب الله (العراقية)، وجيش المهدي.

علاقات من الباب الخلفي
عُرف عن إيران رغبتها الأولى بتصدير ثورتها لدول الجوار، وإبان الحرب العراقية تأسس في طهران ما عُرف بالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، في يناير (كانون الثاني) 1982، ثم تغير الاسم بعدها ليكون المجلس الأعلى الإسلامي العراقي.

تأسس الحزب في المنفى على يد المرجع الشيعي محمد باقر الحكيم، وانحاز لأشقاء المذهب في الحرب الدائرة، من خلال جناحه العسكري (منظمة بدر). وعقب اغتيال محمد باقر الحكيم في أغسطس (آب) 2003 بانفجار في النجف، تولى رئاسة الحزب بعده أخوه عبد العزيز الحكيم، ثم تولى بعد وفاته عام 2009 ولده عمار الحكيم، والذي يظل رئيسًا للحزب إلى اليوم. وكان نجم الحزب آخذًا في الصعود حتى حاز على أغلبية مجلس النواب العراقي في انتخابات 2005، ثم ما لبث أن تراجع ليصعد نجم نور الدين المالكي في انتخابات 2010.

وفي عام 2012، أعلن الأمين العام لمنظمة بدر (الجناح المسلح للمجلس الإسلامي الأعلى) انفصاله عن المجلس؛ رغبةً في التحالف مع المالكي، وبحسب الباحث في الشئون السياسية حارث حسن في حوار له مع إحدى الفضائيات، فإن المجلس الذي عاد للساحة العراقية بُعيد الاحتلال الأمريكي كان قد اتخذ خطًّا مستقلًا عن القيادة الشيعية في إيران، بينما ما يزال فيلق بدر تابع لإيران، حتى أن قيادته تُختار من قبل المرشد الأعلى للثورة الإسلامية.

وتمثل منظمة بدر مركز الثقل الأبرز داخل الحشد الشعبي، وترتبط بعلاقات قوية مع قيادات الجيش العراقي، ومن خلالها يمر الدعم الإيراني اللوجستي إلى باقي فيالق الحشد، كما أن ثمة علاقة وطيدة تربط العامري بمرشد إيران السيد خامنئي، وكذلك بقائد فيلق القدس، في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني.

ومما يُستدل به على نفوذ فيلق بدر، أن زعيمه عمار الحكيم كان قد اعتقل من قبل القوات الأمريكية يوم 23 فبراير (شباط) 2007 على الحدود أثناء عودته من زيارة لإيران ليطلق سراحه بعد 12 ساعة فقط، وقد اعتذر سفير واشنطن لدى بغداد حينها، زلماي خليل زاد، عن اعتقاله.

ما ينبغي توضيحه هنا، أن منظمة بدر، لها تاريخٌ من العداء الطويل مع التيار الصدري، وجيش المهدي ضمن صراع البحث عن النفوذ في العراق، ويتمتع التيار الصدري بتمويل كبير يتلقاه من رجال الأعمال العراقيين الشيعة.

وينضوي التيار الصدري تحت مظلة الحشد الشعبي بفصيله الأشهر، سرايا السلام، ويمتاز مقاتلو السرايا بتنظيمهم الصارم، وبولائهم الصدري، فأمرهم مباشرةً يأتي من السيد مقتدى، دون تأثير رسمي عراقي، أو حتى إيراني، وتلعب الشخصيات المرتبطة بالبيئة الصدرية الدور الأساسي في تمويل السرايا، فأغلب رجال الأعمال العراقيين صدريون.

تبعًا لأوامر قائدهم، يحصر هؤلاء المقاتلون دورهم بالدفاع عن مناطق المقامات الشيعية، وقد شاركوا بفعالية في معارك جرف الصخر والبحيرات، نظرًا لقربها من المقامات. ويقاتل عناصر السرايا بسلاحهم الخفيف والمتوسط دون مؤازرة من سلاح القوات العراقية الرسمية الثقيل. ويعتمدون على تكتيك الموجات البشرية.

الحشد الشعبي بين الدولة والميليشيا

تقع دائمًا مشكلة تأويلية بين تعريف الدولة بأذرعها، وبين الميليشيا وقوانينها، ويُنظر في هذه الإشكالية دائمًا للحالة الإيرانية، التي لديها جيش نظامي لا يحارب، بينما ميليشياتها تعيث في البلدان المجاورة، وتحارب في سوريا والعراق واليمن.

الحرس الثوري تألف بمرسوم من المرشد الأعلى الأول للجمهورية الإيراني، آية الله الخميني، ولم يكن يومًا جزءًا من القوات المسلحة الإيرانية، إذ يتبع المرشد مباشرةً، يأتمر له، وينتهي بإشارته.

يختلف الحشد الشعبي العراقي عن الحرس في أنه طبقًا لمشروع القانون الذي أجازه مجلس النواب العراقي مؤخرًا، 26 نوفمبر (تشرين الثاني)، بات قوةً رديفة للجيش العراقي، ويرتبط بقيادته العليا، لكن نص القانون يتيح للحشد الشعبي حق الاحتفاظ بهويته، وخصوصيته ما دام لا يُشكل ذلك تهديدًا لأمن العراق القومي، وبذلك لا تعتبر التوأمة كاملة بين القوتين المسلحتين تحت راية الدولة، لكنه أضفى على الحشد شرعية قانونية إلى جانب الدينية والدولية التي حازها بالفتوى، والدعم الدولي في حربه ضد داعش العراق.

كما أن ثمة علاقة تبني يفرضها الحرس الثوري الإيراني على الحشد الشعبي العراقي، داعمًا من خلاله الفصائل الموالية له على حساب التيار الصدري، الذي تم العمل على إضعافه بشكل متعمد، ساعد على ذلك بالطبع العلاقة الوطيدة بين قائد الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس قائد الحشد، وقاسم سليماني.

كان يمكن القطع بين كلا الفريقين، الحشد والحرس الثوري، لو أن الحشد الشعبي كرّس مجهوداته في الداخل العراقي، ولم يتطلع للعب أدوار خارجية كما يفعل الحرس الثوري، إذ سجلت مشاركات لبعض فصائله في سوريا، بحجة ملاحقة «تنظيم الدولة».

وشوهدت مجموعات عسكرية تابعة لمنظمة بدر وكتائب حزب الله (العراقية) وعصائب أهل الحق، وجيش المهدي، أيضًا هناك في سوريا.


كذلك فإن الحشد يكثف من تواجده على الحدود العراقية مع دول الخليج، إذ كشف مسؤول عراقي أن إيران تسعى لإقامة قاعدة عسكرية تحت غطاء الحشد في بلدة النخيب، الواقعة قرب الحدود السعودية، وتضم هذه القاعدة مخازن للأسلحة، وأماكن لتدريب الميليشيات التابعة لها، ما يشكل تهديدًا للأخيرة، في ظل صراع نفوذ إقليمي تخوضه مع إيران، ومع تنامي القدرة الصاروخية لمجموعات الحشد الشعبي، بعد تعدد مصادر تمويلها المالي واللوجستي، سيشكل ذلك خطرًا على أمن المملكة العربية، التي ما تزال تعاني من حربها في الجنوب، أمام ميليشيا الحوثي.

ما ينقص الحشد الشعبي ليكون حرسًا ثوريًّا أن يبسط نفوذه تدريجيًّا على الاقتصاد العراقي، بعدما كافأ مجهودات الدولة العسكرية، وتفوق عليها، وقادها في العديد من المعارك على الأرض أمام تنظيم الدولة بعد أن فرت كتائب الجيش العراقي في 2014، في مشهد هزلي، أمام بضع مئات من «تنظيم الدولة»، كان تسليحهم في البداية أقل من المتوسط.

أي مستقبل ينتظر الحشد الشعبي؟

تجمعت فيالق الحشد الشعبي الشيعية، وتقوّت بعدما اجتاح التنظيم الموصل في 2014، وذلك بعد أن كان الصراع بينها محمومًا على بسط النفوذ في الداخل العراقي، فهل تتفرق في ظل انحسار التنظيم؟

بالنظر لطبيعة التكوين، يتضح أن أي من إقرار البرلمان لشرعية الحشد، وتحقيقه الانتصار على الأرض لم يسهم في صهر مكوناته، فاحتفظ كل منها بمرجعيته العلمية، وأهدافه الميدانية التي تقربه من رأس السلطة التنفيذية، على عكس الحرس الثوري الذي يتبع رجلًا واحدًا هو القائد الأعلى مرشد الثورة، وتتركز مهمته حول حماية نظام الثورة.

تتزايد التكهنات بشأن مصير الحشد الشعبي بعد الانتهاء من «تنظيم الدولة»، فبين من يقول بأن إيران تجهّز لعدو جديد هم الكرد، رفقاء ساحات المعارض ضد التنظيم، ومنهم من يقول بأن ثمة فصيل سيتم تقويضه، وهو التيار الصدري الذي هاجم المالكي والعبادي في مظاهرات الساحة الخضراء، وتوعدوا حينها باحتلال البرلمان، برغم شراكتهم تحت راية الحشد الشعبي.

أثيرت كذلك مؤخرًا قضية مخازن الأسلحة في مناطق لا تدخل ضمن حيز الاشتباكات، منبئةً بقرب أجل الصراع المؤجل حول السلطة بين فصائل الحشد، إذ أحصى نشطاء عراقيون ما لا يقلّ عن عشرة مخازن سلاح كبيرة داخل الأحياء السكنية بالعاصمة بغداد، قالوا إنها تابعة لفصائل شيعية، وتحتوي على كميات هائلة من العتاد والأسلحة الخفيفة والمتوسطة، بالإضافة إلى كميات أقل من السلاح الثقيل.

وجاء ذلك في خضمّ الضجّة التي أعقبت انفجار مخزن للسلاح، في السبت الثالث من سبتمبر (أيلول) الماضي، تابعًا لأحد فصائل الحشد الشعبي في منطقة العبيدي شرقي بغداد، موقعًا خسائر مادية وبشرية، ومخلّفًا حالة من الهلع في منطقة امتدت لعدّة كيلومترات مربعة حول موقع الحادث.

وإجمالًا؛ للإجابة على التساؤل حول مستقبل الحشد الشعبي، وإمكانية تماسكه بعد ضمور النفوذ الميداني لـ«تنظيم الدولة»، يمكن القول بخلل البنية الأساسية للحشد ما يستلزم من الفاعلين تسويات سياسية، أو إيجاد هدف لمرحلة ما بعد «تنظيم الدولة»، أو على أقل تقدير العمل على توزيع السلطة، ونزع الأسلحة من مختلف مناحي البلاد، وهو يبدو هدفًا صعب المنال، في ظل عدم رغبة حقيقية لتنفيذه من قبل الفاعلين.


إبراهيم بديوي- ساسة بوست


اترك تعليق