مراجعات مع الشيخ راشد الغنوشي (الحلقة الأولى): أزمة الفكر الإصلاحي بعد الإستقلال

By :

"مراجعات مع الشيخ راشد الغنوشي" كان عنوانا لسلسلة من الحلقات التي بثتها قناة "الحوار" التلفزيونية اللندنيّة بطلب من الدكتور عزام التميمي الذي كان من بين المهتمين بموضوع الاسلام والديمقراطية في موضوع رسالة الدكتوراه الخاصة به فاقترح عليه استاذه جون كين ان يتخذ فكر وتجربة الشيخ راشد موضوع رسالته مشيرا إلى أنه كان يهتم في دراسته بالاسلام والديمقراطية.

وهو ما صرح به الدكتور التميمي للشيخ راشد الغنوشي في الحلقة الأولى من مراجعاته معه التي تم تسجيلها في لندن سنوات قبل اندلاع الثورة التونسية سنة 2011. ومن بين الأسباب التي جعلت الاستاذ جون كين يقترح ذلك على الدكتور التميمي انبهاره بتجربة الشيخ راشد الغنوشي في البحث عن الحقيقة وكذلك تغير نظرته نحو الديمقراطية التي كان يظن انها لا تتحقق الا في جو علماني وان الدين لا علاقة له بذلك إلى حدود لقائه بالشيخ راشد وحديثهما حول موضوع الاسلام والفرق بين التجربة الاسلامية في التاريخ وتجربة المسيحية الغربية "كأن اقفالا قد فتحت في دماغه" على حد تعبير الدكتور التميمي.

يقول الشيخ راشد الغنوشي "فكرة اخرى لفتت نظر الاستاذ جون كين، العلاقة بين العلمانية والاستبداد، في مسلمات العلوم الاجتماعية لا بدّ أن يسبق التحول الديمقراطي تحول فكري في اتجاه الفصل بين الدين والسياسة. هذا الفصل ضروري من أجل تحرير السياسة من الاستبداد لكن التجربة بينت في شمال افريقيا وفي بلاد كثيرة في الحقيقة و اصبح امرا مسلما به انه لا علاقة ضرورية بين العلمانية والديمقراطية بل يمكن للعلمانية ان تؤسس للاستبداد، وهو ما حدث في التجربة النازية والفاشية والشيوعية" و يضيف الشيخ الغنوشي ان كل هذه التجرب هي علمانية مكثفة وليست علمانية فقط وفي تجربة الثورة الفرنسية يبدو واضحا وجليا انها كانت ثورة دموية فالفكرة العلمانية التي اسست للثورة الفرنسية اسست للمقصلة والمجازر كما ان الفكرة العلمانية اسست ايضا للاستعمار فهو قد حمل على اجنحة وعلى ظهر الفكرة العلمانية فكرة التحديث وهي خلفية للاستعمار مبنية على اساس فكر علماني اختلط بالدين والرأسمالية، مشيرا إلى أن الفكرة الراسمالية حملت على ظهر العلمانية وخاصة الاستعمار الفرنسي الذي كان شديد العلمنة وبالتالي فلم تحمل الفكرة الاستعمارية الى بلادنا مشروعا ديمقراطيا وفكرة الاستعمار هي النقيض للديمقراطية.

الشيخ راشد الغنوشي تحدّث في الحلقة الأولى عن فكرة التحديث أو الاصلاح في تونس التي نشأت في أحضان جامع الزيتونة وهي امتداد للفكر المحلي لذلك كان المصلحون الكبار من أمثال خير الدين التونسي الذي كان وزيرا أولا محاطين بمجموعة من العلماء واستطاعوا ان يستخلصوا من التراث الاسلامي من فكرة المصلحة مثلا عند الشاطبي وفكرة العمران عند ابن خلدون وفكرة العدل عند ابن القيم وابن تيمية فاستطاعوا ان يستخلصوا من التراث الاسلامي عددا من الافكار والقيم التي أسسوا عليها فكرة مقاومة الاستبداد وفكرة الشورى ومقاومة المستبد لان جوهر الفكرة الاصلاحية هو مقاومة الحكم المطلق على اعتبار ان هؤلاء المصلحين رأوا في ان ما اسس للتقدم الغربي انما هي فكرة الحرية وفكرة دولة القانون وضبط تقييد سلطة الحاكم بالقانون، قرأوا ان هذه الافكار لها اسانيدها في الاسلام ولا حاجة من أجل التحديث إلى ان نتجرد من قيمنا وديننا.

من جانب آخر يذهب الشيخ الغنوشي إلى أن المشروع الفرنسي عندما جاء الى تونس جاءها وهي عامرة بالفكرة الاصلاحية وبدل أن يشجع الفكرة الاصلاحية كما كانت عليه عمل على التأخر بها في الحقيقة وعلى اساس مشروع اصلاحي اخر افشل ان يتم الاصلاح في اطار الاسلام وقدم مشروعا اخر.

لذلك عمل على تهميش جامع الزيتونة بينما داخله كان هناك مشروع اصلاحي على اساس استيعاب فكرة الحداثة في اطار اللغة العربية والاداب والاطار الاصلاحي بينما المشروع الفرنسي للاصلاح والتحديث كان على الضد من ذلك رسالته انكم ايها التونسيون او المسلمون لكي تأخذوا بركات التحديث ينبغي ان يكون الثمن الثقافة العربية والحضارة الاسلامية والاسلام ذاته ولذلك أنشأوا الى جوار جامع الزيتونة الذي تعرض لسلسلة من الاصلاحات نظاما اخر للتعليم، مشروعا اصلاحيا اخر قائم على اساس الشك في الدين وعلى أساس النظر للتجربة الغربية والفرنسية بالذات على انها النموذج الوحيد للاصلاح القائم على العلمنة لذلك نشأ جيل ممتلأ عقدا من الحضارة الاسلامية ومن الاسلام ذاته وبورقيبة كان على رأس هذا الجيل وهو ثمرة هذا النظام التعليمي الذي أنشأته فرنسا بديلا عن نظام تعليمي عربي اسلامي منتظر منه ان يستوعب العلوم الحديثة في اطار الثقافة العربية الاسلامية.

يتابع الشيخ راشد الغنوشي "الزيتونة، كما يقول أحد المفكرين التونسيين، ظلت متجهة الى الشرق بينما المجتمع اتجه الى الغرب فبقيادة الاستعمار الفرنسي ثم بقيادة الجيل الذي ربته فرنسا المجتمع التونسي اتجه الى الغرب فأصبح خريجوا جامع الزيتونة وهم كثر في صبيحة الاستقلال في تونس كان عدد الذين يتابعون التعليم الزيتوني حوالي 27 الف بينما الذين كانوا يتابعون النظام التعليمي الفرنسي حوالي 4000 فقط أو 4500، هؤلاء اعتبروا انهم الاصل الذي سيبنون الدولة وسيقوم عليهم البناء الحديث بينما 27 الف هؤلاء هم من جيل الماضي وانا كنت من بينهم، الذين هلّ علينا الاستقلال يبشر بتهميشنا وتهميش هذا النظام كله وبالتالي الذين كانوا يتابعون تعليمهم الزيتوني صبيحة الاستقلال كانوا يشعرون بالغربة، فتونس اغتربت بالاستقلال أكثر مما اغتربت بالاستعمار لان الشعور العام تجاه المستعمر هو النفور بينما اصبح المشروع التغريبي المتطرف يكتسي ثوبا وطنيا نضاليا وجهاديا وايضا عندما يكون الامر مناسبا يمكن ان يلبس حتى الثوب الاسلامي فبورقيبة كان يقدم نفسه على انه مجتهد حتى وان شرب في نهار رمضان فهو مجتهد حتى وإن سخر من الجنة ومن النار ومن الانبياء فهو مجتهد حتى وإن سخر من القرآن واتهمه بالتناقض في خطابات رسمية كل ذلك باسم الاجتهاد".

و يواصل الشيخ الغنوشي بالقول "بعد الاستقلال أصبح خريجوا جامع الزيتونة مهمشين في المجتمع فقد اصبحت لغة الإدارة هي اللغة الفرنسية مما ادى بالزيتونيين إلى العطالة والبطالة الا من اتجه إلى وظيفة التعليم في السلك الابتدائي او ما شابه ذلك في اجهزة الشرطة والامن ولكن نظام الدولة الثقافي والاداري والسياسي كله اصبح ينطق بالفرنسية ويفكر بالعقل الفرنسي فمن هنا كان ذلك الجيل مطلوب منه ان يتم سحقه على اعتبار انه من مخلفات التطور وفق داروين لا يصلح للزمن المعاصر ولا يصلح للمستقبل". انغلقت المنافذ أمام الشيخ راشد الغنوشي في تونس فبدأ في التفكير في رحلة سفر، ولما كانت ظروفه المادية لا تسمح له بذلك اشتغل سنتين معلما في الابتدائية من اجل التزود ببعض المال ولملأ الفراغ في انتظار تجهيز نفسه للهجرة و إختار مصر وجهة له. يقول الشيخ راشد الغنوشي " كانت قبلتي الى المشرق منجذبا الى التجربة الناصرية وكانت في باكورة عهدها تبشر بالوحدة العربية والاسلام وتحرير فلسطين وتوحيد العرب كانت تبعث العزة بحيث كان هناك قطب مقابل ما كان يبشر به بورقيبة من تحديث وتقدم وتمدن على النمط الغربي وعلى حساب الاسلام كان الشعب التونسي عامته مغتربون يشعرون بأن السند المعنوي لهم هو في التجربة الناصرية وما كانوا يميزون هذه التفاصيل كون عبد الناصر عنده مشكل مع الاخوان.

هذا ما كان للناس وعي به وهذه تفاصيل فهناك في تونس قبلتان: قبلة تقودها دولة الاستقلال نحو الغرب والقبلة الثانية كان يجذب اليها عبد الناصر". يقول الشيخ الغنوشي " لم يكن يسمح لنا بالهجرة للمشرق لان بورقيبة كان يرى بأن هؤلاء الخريجين من المشرق يحملون مشروعا مضادا للتحديث، كانت السفارة التونسية تضع عراقيل امامنا حتى قمنا بمظاهرة قرب بيت عبد الناصر في ذلك الوقت وأذكر بأن الشرطة عندما احاطت بنا كان احدهم يسأل ماذا يريد هؤلاء؟ فنقول لهم العربية متدهورة في تونس ونحن نريد ان نسجل في الجامعات العربية حتى نعرب البلاد.

على كل استطعنا بتلك المظاهرة ان يستجاب لطلبنا فسجلنا وظننا ان المسألة انتهت ولكن لاحقتنا المصائب بعد مدة فالدولة لا تزال تلاحقنا حتى الان لان بورقيبة كانت بينه وبين عبد الناصر خصومة بورقيبة كان يقود استراتيجية في المنطقة تتناقض مع استراتيجية عبد الناصر استراتيجية العروبة والوحدة العربية فبورقيبة كان خطر هذه الاستراتيجية على مشروعه في الحاق تونس بالغرب فكان هناك تلاسن بين السياسيين التونسيين والسياسيين الناصريين استفدنا نحن من هذه الاجواء لكن بعد مدة وقعت مصالحة" و يضيف "الموقف المصري بعد المصالحة لم يهز يقيني بالناصرية فأصحاب العقائد ومن يحب أن يلتمس له الاعذار فلا بد أن هنالك من البيروقراط وعبد الناصر أكبر من أن ينزل لهذا المستوى".

- See more at: http://ar.rachedelghannouchi.com/ar/article/8/%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%AC%D8%B9%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%AE-%D8%B1%D8%A7%D8%B4%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%84%D9%82%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%84%D9%89-%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%83%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%AD%D9%8A-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%AA%D9%82%D9%84%D8%A7%D9%84/#sthash.hY5yyAmP.St0fAPiT.dpuf

"مراجعات مع الشيخ راشد الغنوشي" كان عنوانا لسلسلة من الحلقات التي بثتها قناة "الحوار" التلفزيونية اللندنيّة بطلب من الدكتور عزام التميمي الذي كان من بين المهتمين بموضوع الاسلام والديمقراطية في موضوع رسالة الدكتوراه الخاصة به فاقترح عليه استاذه جون كين ان يتخذ فكر وتجربة الشيخ راشد موضوع رسالته مشيرا إلى أنه كان يهتم في دراسته بالاسلام والديمقراطية.

وهو ما صرح به الدكتور التميمي للشيخ راشد الغنوشي في الحلقة الأولى من مراجعاته معه التي تم تسجيلها في لندن سنوات قبل اندلاع الثورة التونسية سنة 2011. ومن بين الأسباب التي جعلت الاستاذ جون كين يقترح ذلك على الدكتور التميمي انبهاره بتجربة الشيخ راشد الغنوشي في البحث عن الحقيقة وكذلك تغير نظرته نحو الديمقراطية التي كان يظن انها لا تتحقق الا في جو علماني وان الدين لا علاقة له بذلك إلى حدود لقائه بالشيخ راشد وحديثهما حول موضوع الاسلام والفرق بين التجربة الاسلامية في التاريخ وتجربة المسيحية الغربية "كأن اقفالا قد فتحت في دماغه" على حد تعبير الدكتور التميمي.

يقول الشيخ راشد الغنوشي "فكرة اخرى لفتت نظر الاستاذ جون كين، العلاقة بين العلمانية والاستبداد، في مسلمات العلوم الاجتماعية لا بدّ أن يسبق التحول الديمقراطي تحول فكري في اتجاه الفصل بين الدين والسياسة. هذا الفصل ضروري من أجل تحرير السياسة من الاستبداد لكن التجربة بينت في شمال افريقيا وفي بلاد كثيرة في الحقيقة و اصبح امرا مسلما به انه لا علاقة ضرورية بين العلمانية والديمقراطية بل يمكن للعلمانية ان تؤسس للاستبداد، وهو ما حدث في التجربة النازية والفاشية والشيوعية" و يضيف الشيخ الغنوشي ان كل هذه التجرب هي علمانية مكثفة وليست علمانية فقط وفي تجربة الثورة الفرنسية يبدو واضحا وجليا انها كانت ثورة دموية فالفكرة العلمانية التي اسست للثورة الفرنسية اسست للمقصلة والمجازر كما ان الفكرة العلمانية اسست ايضا للاستعمار فهو قد حمل على اجنحة وعلى ظهر الفكرة العلمانية فكرة التحديث وهي خلفية للاستعمار مبنية على اساس فكر علماني اختلط بالدين والرأسمالية، مشيرا إلى أن الفكرة الراسمالية حملت على ظهر العلمانية وخاصة الاستعمار الفرنسي الذي كان شديد العلمنة وبالتالي فلم تحمل الفكرة الاستعمارية الى بلادنا مشروعا ديمقراطيا وفكرة الاستعمار هي النقيض للديمقراطية.

الشيخ راشد الغنوشي تحدّث في الحلقة الأولى عن فكرة التحديث أو الاصلاح في تونس التي نشأت في أحضان جامع الزيتونة وهي امتداد للفكر المحلي لذلك كان المصلحون الكبار من أمثال خير الدين التونسي الذي كان وزيرا أولا محاطين بمجموعة من العلماء واستطاعوا ان يستخلصوا من التراث الاسلامي من فكرة المصلحة مثلا عند الشاطبي وفكرة العمران عند ابن خلدون وفكرة العدل عند ابن القيم وابن تيمية فاستطاعوا ان يستخلصوا من التراث الاسلامي عددا من الافكار والقيم التي أسسوا عليها فكرة مقاومة الاستبداد وفكرة الشورى ومقاومة المستبد لان جوهر الفكرة الاصلاحية هو مقاومة الحكم المطلق على اعتبار ان هؤلاء المصلحين رأوا في ان ما اسس للتقدم الغربي انما هي فكرة الحرية وفكرة دولة القانون وضبط تقييد سلطة الحاكم بالقانون، قرأوا ان هذه الافكار لها اسانيدها في الاسلام ولا حاجة من أجل التحديث إلى ان نتجرد من قيمنا وديننا.

من جانب آخر يذهب الشيخ الغنوشي إلى أن المشروع الفرنسي عندما جاء الى تونس جاءها وهي عامرة بالفكرة الاصلاحية وبدل أن يشجع الفكرة الاصلاحية كما كانت عليه عمل على التأخر بها في الحقيقة وعلى اساس مشروع اصلاحي اخر افشل ان يتم الاصلاح في اطار الاسلام وقدم مشروعا اخر.

لذلك عمل على تهميش جامع الزيتونة بينما داخله كان هناك مشروع اصلاحي على اساس استيعاب فكرة الحداثة في اطار اللغة العربية والاداب والاطار الاصلاحي بينما المشروع الفرنسي للاصلاح والتحديث كان على الضد من ذلك رسالته انكم ايها التونسيون او المسلمون لكي تأخذوا بركات التحديث ينبغي ان يكون الثمن الثقافة العربية والحضارة الاسلامية والاسلام ذاته ولذلك أنشأوا الى جوار جامع الزيتونة الذي تعرض لسلسلة من الاصلاحات نظاما اخر للتعليم، مشروعا اصلاحيا اخر قائم على اساس الشك في الدين وعلى أساس النظر للتجربة الغربية والفرنسية بالذات على انها النموذج الوحيد للاصلاح القائم على العلمنة لذلك نشأ جيل ممتلأ عقدا من الحضارة الاسلامية ومن الاسلام ذاته وبورقيبة كان على رأس هذا الجيل وهو ثمرة هذا النظام التعليمي الذي أنشأته فرنسا بديلا عن نظام تعليمي عربي اسلامي منتظر منه ان يستوعب العلوم الحديثة في اطار الثقافة العربية الاسلامية.

يتابع الشيخ راشد الغنوشي "الزيتونة، كما يقول أحد المفكرين التونسيين، ظلت متجهة الى الشرق بينما المجتمع اتجه الى الغرب فبقيادة الاستعمار الفرنسي ثم بقيادة الجيل الذي ربته فرنسا المجتمع التونسي اتجه الى الغرب فأصبح خريجوا جامع الزيتونة وهم كثر في صبيحة الاستقلال في تونس كان عدد الذين يتابعون التعليم الزيتوني حوالي 27 الف بينما الذين كانوا يتابعون النظام التعليمي الفرنسي حوالي 4000 فقط أو 4500، هؤلاء اعتبروا انهم الاصل الذي سيبنون الدولة وسيقوم عليهم البناء الحديث بينما 27 الف هؤلاء هم من جيل الماضي وانا كنت من بينهم، الذين هلّ علينا الاستقلال يبشر بتهميشنا وتهميش هذا النظام كله وبالتالي الذين كانوا يتابعون تعليمهم الزيتوني صبيحة الاستقلال كانوا يشعرون بالغربة، فتونس اغتربت بالاستقلال أكثر مما اغتربت بالاستعمار لان الشعور العام تجاه المستعمر هو النفور بينما اصبح المشروع التغريبي المتطرف يكتسي ثوبا وطنيا نضاليا وجهاديا وايضا عندما يكون الامر مناسبا يمكن ان يلبس حتى الثوب الاسلامي فبورقيبة كان يقدم نفسه على انه مجتهد حتى وان شرب في نهار رمضان فهو مجتهد حتى وإن سخر من الجنة ومن النار ومن الانبياء فهو مجتهد حتى وإن سخر من القرآن واتهمه بالتناقض في خطابات رسمية كل ذلك باسم الاجتهاد".

و يواصل الشيخ الغنوشي بالقول "بعد الاستقلال أصبح خريجوا جامع الزيتونة مهمشين في المجتمع فقد اصبحت لغة الإدارة هي اللغة الفرنسية مما ادى بالزيتونيين إلى العطالة والبطالة الا من اتجه إلى وظيفة التعليم في السلك الابتدائي او ما شابه ذلك في اجهزة الشرطة والامن ولكن نظام الدولة الثقافي والاداري والسياسي كله اصبح ينطق بالفرنسية ويفكر بالعقل الفرنسي فمن هنا كان ذلك الجيل مطلوب منه ان يتم سحقه على اعتبار انه من مخلفات التطور وفق داروين لا يصلح للزمن المعاصر ولا يصلح للمستقبل". انغلقت المنافذ أمام الشيخ راشد الغنوشي في تونس فبدأ في التفكير في رحلة سفر، ولما كانت ظروفه المادية لا تسمح له بذلك اشتغل سنتين معلما في الابتدائية من اجل التزود ببعض المال ولملأ الفراغ في انتظار تجهيز نفسه للهجرة و إختار مصر وجهة له. يقول الشيخ راشد الغنوشي " كانت قبلتي الى المشرق منجذبا الى التجربة الناصرية وكانت في باكورة عهدها تبشر بالوحدة العربية والاسلام وتحرير فلسطين وتوحيد العرب كانت تبعث العزة بحيث كان هناك قطب مقابل ما كان يبشر به بورقيبة من تحديث وتقدم وتمدن على النمط الغربي وعلى حساب الاسلام كان الشعب التونسي عامته مغتربون يشعرون بأن السند المعنوي لهم هو في التجربة الناصرية وما كانوا يميزون هذه التفاصيل كون عبد الناصر عنده مشكل مع الاخوان.

هذا ما كان للناس وعي به وهذه تفاصيل فهناك في تونس قبلتان: قبلة تقودها دولة الاستقلال نحو الغرب والقبلة الثانية كان يجذب اليها عبد الناصر". يقول الشيخ الغنوشي " لم يكن يسمح لنا بالهجرة للمشرق لان بورقيبة كان يرى بأن هؤلاء الخريجين من المشرق يحملون مشروعا مضادا للتحديث، كانت السفارة التونسية تضع عراقيل امامنا حتى قمنا بمظاهرة قرب بيت عبد الناصر في ذلك الوقت وأذكر بأن الشرطة عندما احاطت بنا كان احدهم يسأل ماذا يريد هؤلاء؟ فنقول لهم العربية متدهورة في تونس ونحن نريد ان نسجل في الجامعات العربية حتى نعرب البلاد.

على كل استطعنا بتلك المظاهرة ان يستجاب لطلبنا فسجلنا وظننا ان المسألة انتهت ولكن لاحقتنا المصائب بعد مدة فالدولة لا تزال تلاحقنا حتى الان لان بورقيبة كانت بينه وبين عبد الناصر خصومة بورقيبة كان يقود استراتيجية في المنطقة تتناقض مع استراتيجية عبد الناصر استراتيجية العروبة والوحدة العربية فبورقيبة كان خطر هذه الاستراتيجية على مشروعه في الحاق تونس بالغرب فكان هناك تلاسن بين السياسيين التونسيين والسياسيين الناصريين استفدنا نحن من هذه الاجواء لكن بعد مدة وقعت مصالحة" و يضيف "الموقف المصري بعد المصالحة لم يهز يقيني بالناصرية فأصحاب العقائد ومن يحب أن يلتمس له الاعذار فلا بد أن هنالك من البيروقراط وعبد الناصر أكبر من أن ينزل لهذا المستوى".

- See more at: http://ar.rachedelghannouchi.com/ar/article/8/%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%AC%D8%B9%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%AE-%D8%B1%D8%A7%D8%B4%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%84%D9%82%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%84%D9%89-%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%83%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%AD%D9%8A-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%AA%D9%82%D9%84%D8%A7%D9%84/#sthash.hY5yyAmP.St0fAPiT.dpuf


"مراجعات مع الشيخ راشد الغنوشي" كان عنوانا لسلسلة من الحلقات التي بثتها قناة "الحوار" التلفزيونية اللندنيّة بطلب من الدكتور عزام التميمي الذي كان من بين المهتمين بموضوع الاسلام والديمقراطية في موضوع رسالة الدكتوراه الخاصة به فاقترح عليه استاذه جون كين ان يتخذ فكر وتجربة الشيخ راشد موضوع رسالته مشيرا إلى أنه كان يهتم في دراسته بالاسلام والديمقراطية.
وهو ما صرح به الدكتور التميمي للشيخ راشد الغنوشي في الحلقة الأولى من مراجعاته معه التي تم تسجيلها في لندن سنوات قبل اندلاع الثورة التونسية سنة 2011. ومن بين الأسباب التي جعلت الاستاذ جون كين يقترح ذلك على الدكتور التميمي انبهاره بتجربة الشيخ راشد الغنوشي في البحث عن الحقيقة وكذلك تغير نظرته نحو الديمقراطية التي كان يظن انها لا تتحقق الا في جو علماني وان الدين لا علاقة له بذلك إلى حدود لقائه بالشيخ راشد وحديثهما حول موضوع الاسلام والفرق بين التجربة الاسلامية في التاريخ وتجربة المسيحية الغربية "كأن اقفالا قد فتحت في دماغه" على حد تعبير الدكتور التميمي.
يقول الشيخ راشد الغنوشي "فكرة اخرى لفتت نظر الاستاذ جون كين، العلاقة بين العلمانية والاستبداد، في مسلمات العلوم الاجتماعية لا بدّ أن يسبق التحول الديمقراطي تحول فكري في اتجاه الفصل بين الدين والسياسة. هذا الفصل ضروري من أجل تحرير السياسة من الاستبداد لكن التجربة بينت في شمال افريقيا وفي بلاد كثيرة في الحقيقة و اصبح امرا مسلما به انه لا علاقة ضرورية بين العلمانية والديمقراطية بل يمكن للعلمانية ان تؤسس للاستبداد، وهو ما حدث في التجربة النازية والفاشية والشيوعية" و يضيف الشيخ الغنوشي ان كل هذه التجرب هي علمانية مكثفة وليست علمانية فقط وفي تجربة الثورة الفرنسية يبدو واضحا وجليا انها كانت ثورة دموية فالفكرة العلمانية التي اسست للثورة الفرنسية اسست للمقصلة والمجازر كما ان الفكرة العلمانية اسست ايضا للاستعمار فهو قد حمل على اجنحة وعلى ظهر الفكرة العلمانية فكرة التحديث وهي خلفية للاستعمار مبنية على اساس فكر علماني اختلط بالدين والرأسمالية، مشيرا إلى أن الفكرة الراسمالية حملت على ظهر العلمانية وخاصة الاستعمار الفرنسي الذي كان شديد العلمنة وبالتالي فلم تحمل الفكرة الاستعمارية الى بلادنا مشروعا ديمقراطيا وفكرة الاستعمار هي النقيض للديمقراطية.
الشيخ راشد الغنوشي تحدّث في الحلقة الأولى عن فكرة التحديث أو الاصلاح في تونس التي نشأت في أحضان جامع الزيتونة وهي امتداد للفكر المحلي لذلك كان المصلحون الكبار من أمثال خير الدين التونسي الذي كان وزيرا أولا محاطين بمجموعة من العلماء واستطاعوا ان يستخلصوا من التراث الاسلامي من فكرة المصلحة مثلا عند الشاطبي وفكرة العمران عند ابن خلدون وفكرة العدل عند ابن القيم وابن تيمية فاستطاعوا ان يستخلصوا من التراث الاسلامي عددا من الافكار والقيم التي أسسوا عليها فكرة مقاومة الاستبداد وفكرة الشورى ومقاومة المستبد لان جوهر الفكرة الاصلاحية هو مقاومة الحكم المطلق على اعتبار ان هؤلاء المصلحين رأوا في ان ما اسس للتقدم الغربي انما هي فكرة الحرية وفكرة دولة القانون وضبط تقييد سلطة الحاكم بالقانون، قرأوا ان هذه الافكار لها اسانيدها في الاسلام ولا حاجة من أجل التحديث إلى ان نتجرد من قيمنا وديننا.
من جانب آخر يذهب الشيخ الغنوشي إلى أن المشروع الفرنسي عندما جاء الى تونس جاءها وهي عامرة بالفكرة الاصلاحية وبدل أن يشجع الفكرة الاصلاحية كما كانت عليه عمل على التأخر بها في الحقيقة وعلى اساس مشروع اصلاحي اخر افشل ان يتم الاصلاح في اطار الاسلام وقدم مشروعا اخر.
لذلك عمل على تهميش جامع الزيتونة بينما داخله كان هناك مشروع اصلاحي على اساس استيعاب فكرة الحداثة في اطار اللغة العربية والاداب والاطار الاصلاحي بينما المشروع الفرنسي للاصلاح والتحديث كان على الضد من ذلك رسالته انكم ايها التونسيون او المسلمون لكي تأخذوا بركات التحديث ينبغي ان يكون الثمن الثقافة العربية والحضارة الاسلامية والاسلام ذاته ولذلك أنشأوا الى جوار جامع الزيتونة الذي تعرض لسلسلة من الاصلاحات نظاما اخر للتعليم، مشروعا اصلاحيا اخر قائم على اساس الشك في الدين وعلى أساس النظر للتجربة الغربية والفرنسية بالذات على انها النموذج الوحيد للاصلاح القائم على العلمنة لذلك نشأ جيل ممتلأ عقدا من الحضارة الاسلامية ومن الاسلام ذاته وبورقيبة كان على رأس هذا الجيل وهو ثمرة هذا النظام التعليمي الذي أنشأته فرنسا بديلا عن نظام تعليمي عربي اسلامي منتظر منه ان يستوعب العلوم الحديثة في اطار الثقافة العربية الاسلامية.
يتابع الشيخ راشد الغنوشي "الزيتونة، كما يقول أحد المفكرين التونسيين، ظلت متجهة الى الشرق بينما المجتمع اتجه الى الغرب فبقيادة الاستعمار الفرنسي ثم بقيادة الجيل الذي ربته فرنسا المجتمع التونسي اتجه الى الغرب فأصبح خريجوا جامع الزيتونة وهم كثر في صبيحة الاستقلال في تونس كان عدد الذين يتابعون التعليم الزيتوني حوالي 27 الف بينما الذين كانوا يتابعون النظام التعليمي الفرنسي حوالي 4000 فقط أو 4500، هؤلاء اعتبروا انهم الاصل الذي سيبنون الدولة وسيقوم عليهم البناء الحديث بينما 27 الف هؤلاء هم من جيل الماضي وانا كنت من بينهم، الذين هلّ علينا الاستقلال يبشر بتهميشنا وتهميش هذا النظام كله وبالتالي الذين كانوا يتابعون تعليمهم الزيتوني صبيحة الاستقلال كانوا يشعرون بالغربة، فتونس اغتربت بالاستقلال أكثر مما اغتربت بالاستعمار لان الشعور العام تجاه المستعمر هو النفور بينما اصبح المشروع التغريبي المتطرف يكتسي ثوبا وطنيا نضاليا وجهاديا وايضا عندما يكون الامر مناسبا يمكن ان يلبس حتى الثوب الاسلامي فبورقيبة كان يقدم نفسه على انه مجتهد حتى وان شرب في نهار رمضان فهو مجتهد حتى وإن سخر من الجنة ومن النار ومن الانبياء فهو مجتهد حتى وإن سخر من القرآن واتهمه بالتناقض في خطابات رسمية كل ذلك باسم الاجتهاد".
و يواصل الشيخ الغنوشي بالقول "بعد الاستقلال أصبح خريجوا جامع الزيتونة مهمشين في المجتمع فقد اصبحت لغة الإدارة هي اللغة الفرنسية مما ادى بالزيتونيين إلى العطالة والبطالة الا من اتجه إلى وظيفة التعليم في السلك الابتدائي او ما شابه ذلك في اجهزة الشرطة والامن ولكن نظام الدولة الثقافي والاداري والسياسي كله اصبح ينطق بالفرنسية ويفكر بالعقل الفرنسي فمن هنا كان ذلك الجيل مطلوب منه ان يتم سحقه على اعتبار انه من مخلفات التطور وفق داروين لا يصلح للزمن المعاصر ولا يصلح للمستقبل". انغلقت المنافذ أمام الشيخ راشد الغنوشي في تونس فبدأ في التفكير في رحلة سفر، ولما كانت ظروفه المادية لا تسمح له بذلك اشتغل سنتين معلما في الابتدائية من اجل التزود ببعض المال ولملأ الفراغ في انتظار تجهيز نفسه للهجرة و إختار مصر وجهة له. يقول الشيخ راشد الغنوشي " كانت قبلتي الى المشرق منجذبا الى التجربة الناصرية وكانت في باكورة عهدها تبشر بالوحدة العربية والاسلام وتحرير فلسطين وتوحيد العرب كانت تبعث العزة بحيث كان هناك قطب مقابل ما كان يبشر به بورقيبة من تحديث وتقدم وتمدن على النمط الغربي وعلى حساب الاسلام كان الشعب التونسي عامته مغتربون يشعرون بأن السند المعنوي لهم هو في التجربة الناصرية وما كانوا يميزون هذه التفاصيل كون عبد الناصر عنده مشكل مع الاخوان.
هذا ما كان للناس وعي به وهذه تفاصيل فهناك في تونس قبلتان: قبلة تقودها دولة الاستقلال نحو الغرب والقبلة الثانية كان يجذب اليها عبد الناصر". يقول الشيخ الغنوشي " لم يكن يسمح لنا بالهجرة للمشرق لان بورقيبة كان يرى بأن هؤلاء الخريجين من المشرق يحملون مشروعا مضادا للتحديث، كانت السفارة التونسية تضع عراقيل امامنا حتى قمنا بمظاهرة قرب بيت عبد الناصر في ذلك الوقت وأذكر بأن الشرطة عندما احاطت بنا كان احدهم يسأل ماذا يريد هؤلاء؟ فنقول لهم العربية متدهورة في تونس ونحن نريد ان نسجل في الجامعات العربية حتى نعرب البلاد.
على كل استطعنا بتلك المظاهرة ان يستجاب لطلبنا فسجلنا وظننا ان المسألة انتهت ولكن لاحقتنا المصائب بعد مدة فالدولة لا تزال تلاحقنا حتى الان لان بورقيبة كانت بينه وبين عبد الناصر خصومة بورقيبة كان يقود استراتيجية في المنطقة تتناقض مع استراتيجية عبد الناصر استراتيجية العروبة والوحدة العربية فبورقيبة كان خطر هذه الاستراتيجية على مشروعه في الحاق تونس بالغرب فكان هناك تلاسن بين السياسيين التونسيين والسياسيين الناصريين استفدنا نحن من هذه الاجواء لكن بعد مدة وقعت مصالحة" و يضيف "الموقف المصري بعد المصالحة لم يهز يقيني بالناصرية فأصحاب العقائد ومن يحب أن يلتمس له الاعذار فلا بد أن هنالك من البيروقراط وعبد الناصر أكبر من أن ينزل لهذا المستوى".


من موقع الشيخ راشد الغنوشي


اترك تعليق