احتلال الدين.. مربع الغرب الاستعماري الأخير

By : د. مهنا الحبيل

خلال لقاءات وفرص حوار متفرقة جمعتني مع مسؤولين من عدة دول في منطقة الخليج العربي منذ 2013، كان ضمن مسائلها دور مؤتمرات الحوار مع الغرب، في وقف الإسلام فوبيا، أو التطرف الغربي الرسمي، في موقفه من العالم الإسلامي، ولماذا لا تؤدي هذه الحوارات الرسمية نتائج إيجابية.

وكنتُ أُدرك دور البعد المصلحي البرغماتي للمؤسسة الرسمية الغربية، أو هيئات ومراكز البحوث الغربية الكبرى ذات النفوذ الإعلامي، أو المقربة من صنع القرار في الغرب، كما كنت أدرك موقف المؤسسة الخليجية الرسمية، لكنني كنتُ أتساءل عن أي مساحة إيجابية، يمكن أن تتحقق من هذه الصالونات الضخمة المكلفة، لصالح الحوار الإنساني.

أي أن هذا الحوار غالبا يندرج لهدف استيعاب حملات الغرب الإعلامية على دور الدول في هذا التطرف، لتفريغها في هذه الحوارات، كرسائل للمجتمع الغربي، ليتفهم الصفقات التي تعقد مع دوله ومع ذات مؤسساته الرسمية، وهو المطلب اللوجستي للغرب، ليأخذ حصته الدورية من عقود المنطقة، وكان التساؤل يبرز عن غياب شخصيات حوارية واعتدال غربي، لا تُدعى ولا تُرشح من قبل الطرفين، رغم أنها هي من يتبنى هذه الأفكار في التصالح مع الشرق، ونبذ التطرف بغض النظر عن الجهة التي يصدر منها، وليس لكون من يمارسه من المسلمين في هذه الحادثة أو تلك.

لم يكن ذلك الاعتدال الذي نتمسك بالحوار والتواصل معه كباحثين مستقلين، سواء في شخصيات من المؤسسة الكنسية أو شخصيات مستقلة عن التفويج الغربي المجنون، أو المجتمع المدني أو حركة اليسار الجديد، يُشكل أي حضور يذكر في قوائم هذه الحوارات، التي ربما شارك بعضهم فيها كهامش يَستثمر اسمه لا أكثر، وكانت هذه الحوارات تُعقد بمعزل عن كل حوار آخر لدولة عربية أو خليجية، ولم تكن هناك أي شراكة تذكر بين تكتل أو حتى دولتين.

كباحث كانت المسألة واضحة لدي، لكن حديث أحد المسؤولين لي وصراحته، وضعت القضية في سياقها الأكبر، حيث قال إن ذلك ضمن تحقيق نتيجة إيجابية في التقييمات الموسمية لوزارة الخارجية الأميركية، عن واقع هذه الدول وموقفها من الآخر، وأننا في بعض هذه الحوارات نستمع لمصائب كبرى في رفض الاعتراف بالإسلام كدين إبراهيمي، أو أن مقولة أهل الكتاب لا يُعترف بها، كما هو بين المسحيين واليهود، لأن القرآن ليس كتابا سماويا عندهم، وهذه التصريحات لا تمثل بالضرورة كل مشارك، لكنها من شخصيات لخطابها تأثير في تفويج الفكرة الغربية عن المسلمين، وهي تُساهم في الرأي في حوارات الأديان العديدة.
فهل هذا يعني أن الغرب، لم يكن مكترثا بتحقيق معالجة اعتدال حقيقية في أوساط المسلمين؟ وأن الوسطية الإسلامية، ذات العمق الفكري والسياسي المقاصدي، هي خصم رئيسي له؟ لا لشيء إلا لأنها تحقق معادلة تكافؤ في التفكير ثم التخطيط الإستراتيجي للنهوض بالأمة، يترتب عليه مشاريع ممانعة سياسية تقلص نفوذ هذا الغرب، وبالتالي يخسر سلته الكبرى في الشرق الإسلامي، أو حديقة النفط الخلفية التي ظل يراقبها في الخليج العربي إلى اليوم وإن تغير تموضعه الأخير.

فأين قضية احتلال الدين من ذلك؟ فهذه المعادلات لها ما يُثبتها في تجارب أممية سابقة للمسلمين وغيرهم، ضمن حروب صراعات المصالح قبل وخلال وبعد الحرب الباردة.

إن المفهوم الذي نطرحه هنا هو دور هذا الغرب في قضية احتلال الدين، أي استبدال الإسلام بغلو ديني متطرف، ثم صناعة بديل له كمنظومة شعائر محدودة منقطعة الجذور متفرقة الجزر تائهة المفاهيم تُشجّعها مجتمعات ودول، بعد أن أنهكها أو أخافها الغلو الديني، لتكون احتلالا دينيا جديدا، يضمن لهذا الغرب تحييد أي قوة تنافس مصالحه في الشرق، وبذلك يسترد موقعه الجغرافي في العالم، وحيويته وثروته.

ونحتاج هنا إلى وقفة مهمة، هل هذا يعني تبرئة التيه الذي يعيش فيه المسلمون، وملاعنتهم للغرب ومدنيّيه بدل تحييد مشروعه ومنافسته، وإغراقهم في الطائفية، حتى استُبدلت بها الشريعة الإسلامية، بل تحول جزءٌ من مجتمعاتهم إلى شعوبية هستيرية، من السهل جدا أن تصرفها عن أي حوار جاد، بمجرد أن تطرح مسمى المختلف الطائفي، فينفجر المشهد الاجتماعي.

وتتكتل الألفاظ في مداورة جديدة للملاعنة، لم توقف أي مشاركة للدور الإيراني على سبيل المثال في إسقاط الشرق مؤخرا، بل على العكس كان المجتمع يُغيّب ليفرز منظومة ملاعنة دينية وخاصة في المشرق العربي، تعوّض إحباطه، فينفّسها في المشاعر ضد المدنيين من الطائفة الأخرى، وهو في الحقيقة يُساعد على خلق بيئة توظيف غلو تزحف على رقبته بعد الآخرين.

بل إن الشعوبية الدينية، باتت تُستخدم لتكذيب صريح الدين في سنن الله في كونه وقرآنه، ويُبشر بها دون أن يعي الواعظ أو الجمهور خطورة ما يقولون، فقضية نقد مسؤولية الأقوام عما ارتكبوا من أخطاء، ومن مصائب في تمكين المشاريع المعادية من أرضهم، وتنكبهم عن سنة الله التي شرعها لعباده، والتي تَرَكَها تعمل بين الأمم في سنن الصعود، هي قضية اليوم المهجورة المهمشة.

وأعظم من ذلك أن يُنهى الناس عنها بحجة الإيمان بقضاء الله وقدره، أي أن هذه الثقافة تزجر دعوات التصحيح، لأن النقد وفق هذا المنطق هو دلالة عدم إيمان!

وانتشار هذا المفهوم الخطير وتمكّنه، سواء كان بتوجيه رسمي، يُحاصَر به خطاب العقل الإسلامي الرشيد، أو كان ضمن الإغراق في خطاب وعاظ عززوه بجهل أو علم، هو أحد كوارث تعيشها الأمة بسبب هزيمتها، وهي مقدمات لن يعيَها كل المجتمع، لكنه يحتاج إلى تشكل قاعدة فكر وخطاب رشيد، تنخرط فيها شريحة مهمة من شبابه من الجنسين وجمهور المعرفة فيه، وغياب هذا الخطاب وحده، هو أحد أسباب تمكن مشاريع النقض لكل فكر أو مقاومة راشدة تعيشها الأمة.

من هنا نعود للسؤال الكبير، هل كان الغرب شريكا في صناعة الغلو الديني وتمكينه ليحتل مكان الإسلام في بعض الأمة، رغم الإيمان بمسؤولية عجز الذات وفتنة الحاكم المستبد، نقول نعم، إن مراقبة المشهد الإستراتيجي للشرق، ومآلات حروبه وصراعاته، كانت تشهد بصحة معادلة صناعة الفوضى الخلّاقة، ليس فقط من خلال الحروب التي شنها الغرب على الشرق الإسلامي كاحتلال أفغانستان والعراق، ولكن من خلال تمكين مساحة التوحّش وصناعة الغلو الديني.

إن القضية هنا، ليست كما يعتقد البعض، بأن الغرب يؤسس بالضرورة جماعات الغلو والتوحش، ويختار شخصياتها، ويوجه خططها ميدانيا بالتفصيل، فهذه أوهام تنتشر في المجتمعات المحبطة، وأفكار يعيد توجيهها الاستبداد للتعمية عن دوره في التطرف، أو قصوره في المكافحة الإستراتيجية للشراكة الإقليمية والغربية، التي كان جزءا منها في مواسم سابقة، واستُخدم ضمن سياقاتها.

وإنما المقصود دور الغرب في رعاية توظيف الغلو السلفي الجهادي، وقبله الغلو السلفي المدني غير المسلح، -يجب التفريق هنا بين فكر السلفية العلمية المتعدد التقييم وبين الغلو السلفي- لخلق جزر فوضى وحروب فكرية، وتشجيع قطيعة شعوب الشرق وأممه بناء على صراعات مذهبية، داخل السُنّة فضلا عن غيرهم، إن النموذج السوري سُبق بغيره، لكن حداثته اليوم تُعطي مؤشرا مهما لهذا المعنى.

ماذا لو استوت ثورة سوريا بعهد مدني وانتظمت، كالمجلس الوطني الأفريقي بقيادة مانديلا، أو تيارات اليسار الجديد لأميركا اللاتينية في آخر جولة لكفاحها الأخير، أو تجربة علي عزت بيغوفيتش، أو حتى صمود حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وفقا لظروفها الموضوعية والجغرافية، أو أي مقاومة استطاعت أن تبني مستوى لوحدتها، وهي متمسكة بالهوية الإسلامية العامة لشعبها، محتضنة لطوائفها الأخرى.

ثم ماذا لو انتَخبت هذه الثورة قيادة موحدة على غالب الميدان، مقرة بدستور مؤقت يحقق بالفعل المعادلة الوحيدة التي يتفق عليها الإسلاميون بل السلفيون المتناحرون وغيرهم، والوعاظ والمفكرون، وهي دفع الصائل الإرهابي عن الوطن الذبيح وإعتاق سوريا منه، ثم صناعة القرار الوطني المستقل مع بقاء التنافس السياسي بعد التحرير.

ماذا كان يعني ذلك للغرب ومشروعه الإقليمي الأصلي في فلسطين المحتلة؟
إن القضية واضحة هنا، فميلاد دولة شبه ديمقراطية ذات سيادة وطنية على قرارها، تؤمن بالمشتركات الإنسانية، ولكن تؤمن بهويتها وديمقراطيتها الذاتية في سوريا، بجوار العراق المحتل، وبجوار فلسطين المحتلة، وبجوار لبنان المقسّم، هو كارثة للمشروع الغربي الدائم.


ولم يكن هناك من قدرة بعد توسع الثورة، وسيطرتها على الغالبية الكبرى من أرضها دون تفجيرها من الداخل، فكيف تُفجر الثورة من الداخل؟

هنا قصة الغرب وكيف ضمن تدفق الغلو السلفي إلى أرض سوريا مدعوما بمليارات ضخمة.. ما الذي حققه الغلو حين قال للناس إن إسلام الشعب والثورة، ليس الدين الذي يُنقذكم، فكيف تُقتلون لأجله، فاستبدال الدين واحتلال مكانة الإسلام والبغي باسمه، يمثل التأثير السريع المدمر للثورة، فمن مرر مشروع توظيف السلفية الجهادية، ومن سمح به، من أطراف عربية وإقليمية؟ الشركاء كُثُر لكن صناعة اللعبة الغربية كانت فوقهم.

يحدثني أحد رعاة المصالحة بين الفصائل في المشهد الميداني أنه بعد دخول الغلو السلفي ومشايخه لأرض سوريا بمليارات الدعم، كانت قيادات ميدانية من الجيش الحر، تستفتي ماذا نصنع، لا نملك رغيفا ولا طلقة رصاص إلا عبر الخضوع للمشروع الوظيفي للسلفية الجهادية القادم من الخليج وغيره، فكيف تضخم ذلك المشروع الوظيفي وكيف تنقل بسهولة إلى أرض المعركة، بل وأنشأ من مشروعه غرفة عمليات، تُعزز إقصاء الثورة الأصلية.

ونحن هنا لا نتحدث عن النوايا فليست هذه مهمتنا ولا حتى من قتل في هذا التوظيف في مواجهة إرهاب الأسد، إلى أين مصيره، لكن في النهاية تحققت للغرب اليوم في شقه الروسي وفي شقه الإنغلوساكسوني كامل المعادلة، وبقي عليهم إنجاز المخرج الأخير لتصفية الثورة، وحتى ما يروّج من شركاء الأنظمة من أن مقصدهم، منع التمكن من سوريا غربيا وإيرانيا، بتفويج جماعات توحش فأعطوا لها ولمموليها مساحة، انتهى إلى كارثة تدق كل أبوابهم لا جسد سوريا الذبيح فحسب.

هنا يبدأ اكتمال المشهد الأخير الذي عنيناه بالعنوان، أي أن "الدين" الذي صنع باسم الإسلام، كان احتلالا ضمنيا، يُقصي الإسلام والوحدة الاجتماعية التي يفرضها في فقه سيرته، والدفع التقدمي للنهضة في آفاقه، ليحوّل الدين إلى غلو حربي ومدني، يهيئ الغرب لبسط نفوذه وتثبيت مربعه الأخير في أرض الشرق مهبط الأنبياء أجمعين.


اترك تعليق