العودة: من الانعكاسات السلبية للفقر أنه ينزع قيمة الانتماء

By : محمد وائل

أوضح الدكتور سلمان بن فهد العودة، الأمين العام المساعد لاتحاد العلماء المسلمين، أنَّ القرآن الكريم تضمن الكثير من محفزات الإنفاق والعمل الخيري، ونوّع في العرض وفقا لطبائع البشر المختلفة، محذرا من أن الشح وعدم الإنفاق يولد كثيرا من المشاكل الاجتماعية وعلى رأسها الجريمة وانتشار الرذائل والمخدرات، التي تؤذن بانهيار المجتمعات.

وشدد ـ خلال محاضرته "العمل الخيري والإصلاح الاجتماعي" في ديوانية خالد الفواز بالرياض ـ على خطورة الشح وعدم الإنفاق وتجاهل العمل الخيري، مشيرا إلى أن المباني الفارهة والعمارات الشامخة والسكن الضخم الهائل، في مقابل الصنادق والبيوت الشعبية والإسكان الضعيف الضئيل والفقراء والمعوزين والمحاويج دون تواصل أو بر، يؤذن بانهيارها.

غياب الانتماء

وذكر د. العودة  أن "من الانعكاسات السلبية للفقر أنه ينزع قيمة الانتماء"، لافتا إلى أنه زار قبل فترة بعض الأسر وبعض الأحياء الفقيرة وكتب في مقالات "مواطن بلا هوية" عن ملايين من الناس مولودون في هذا البلد، ولكنهم لم يحصلوا على الجنسية بسبب تغير نظام الجنسية، وأصبح بعضهم ممنوعاً من العمل؛ بكم قانون الكفالة".

وقال: "زرت هؤلاء الناس، ووجدت بعضهم يعيش ظروفا مأساوية يعجز اللسان عن وصفها، مما قد يسبب الإضرار بالمجتمعات؛ لأنه لا يوجد وضع علاج أو تعليم إلا في ظروف معينة وبشروط استثنائية، فضلا عن زيادة المبالغ التي تطلب منهم، مع أنه ليس مستحيلاً أن تتضافر جهود رجال الأعمال مع جهود المؤسسات الخيرية وبعض الدوائر الحكومية لمعالجة هذه المشكلة الجذرية والشاملة والكاملة لمثل هذا الوضع.

حقد على المجتمع

وقال: "أحياناً يكون الحقد على المجتمع؛ لأن الإنسان هنا لا يحدد شخصاً بعينه، وإنما يعتبر أن هذا المجتمع بأفراده وبمؤسساته هو الذي أخذ حقه، ولو لم يكن أخذ المال من جيبه أو من رصيده لأنَّ الطبيعي أن يكون هناك قدر من العدالة والمساواة"، مشيراً إلى أن قيمة العمل الخيري تتمثل في أنه يستل السخيمة والحقد من الناس.، لافتا إلى الآثار المدمرة للفقر، وكان علي -رضي الله عنه- يقول: "لو كان الفقر رجلاً لقتلته"، والنبي -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيح كان يستعيذ بالله من الفقر ومن الجوع ومن غلبة الدين".

وقال " إن الفقر يدفع للاستدانة، والآن وُجد ما يسمى بالتقسيط الذي يُفتح على الإنسان مشكلات كثيرة لأن الإنسان قد يشتري احتياجات كثيرة جدا دون أن يحدد كيف سيقوم بسداد مستحقاتها".

غياب الطبقة الوسطى

وبين الشيخ سلمان، أن الله -عز وجل- ذكر لنا في القرآن الكريم أنَّ من  أعظم أسباب هلاك ودمار المجتمعات هو الظلم، ومن الظلم أن ينقسم المجتمع إلى فصيلين؛ أحدهما من الأثرياء والأغنياء وأصحاب الوجاهة والمليارديرات، والثانية من الفقراء والمعوزين والمحاويج الذين لا يجدون القوت، مع اختفاء ما يسمى بالطبقة الوسطى والتي تعد صمام الأمان إذا كانت هي الطبقة الغالبة في المجتمعات.

واستدل على ذلك بمجتمع الصحابة الذي كان فيه قليل من الأثرياء أمثال عثمان بن عفان، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وعدد من الفقراء وأهل الصفة، في مقابل جمهور الناس أحوالهم متوسطة. وقال: "المجتمع المنقسم إلى الأثرياء جداً، والفقراء جداً، مع شح أو انعدام دائرة الوسط ليست علامة خير".

ونوه د. العودة إلى  أن المؤسسات المالية في مجتمعاتنا الخليجية تحتوي أموالا ضخمة وهائلة جداً وأرصدة، ولكن لو أردنا أن نتساءل عن دور هذه البنوك في العمل الخيري لوجدناه هزيلا للغاية.

الفقر والجريمة

وأشار إلى أن الإنسان الثري يميل  بطبعه للبخل، ولولا ذلك ما تكاثرت النصوص الشرعية في الأمر بالبذل والأمر بالإنفاق إلا لأن الأمر بحاجة إلى أن يُستخرج بالقوة ، حتى النبي -صلى الله عليه وسلم- لما ذكر النذر قال: « إِنَّهُ لاَ يَأْتِى بِخَيْرٍ وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ »، وفي المقابل فإن شحّ الأثرياء يولد مشاكل الفقر والتي من بينها الجريمة؛ لأن الفقير المحتاج سيجد نفسه مضطراً إلى أن يتاجر ببيع مخدرات أو بيع أعراض أو بأي وسيلة من الوسائل لأجل الحصول على ضروريات الحياة.

وأضاف أن الإنسان أيضاً حينما يكون مشغولاً بلقمة العيش لا يجد نفسه مهيئا لأعمال الخير والبر، مكشيرا إلى أن الجمعيات الخيري ـ برغم قلتها ـ فهي نعمة، لأنها حينما تعطي المحتاج أو الفقير لا تشعره بالابتزاز أو التفضل عليه.

سكينة المجتمعات

وأضاف  أن "العمل الخيري يحافظ على سكينة المجتمعات، وعلى وحدتها، وانسجامها، وتقارب أفرادها، ويحميها من الزعازع والزلازل والمحن والفتن"، مشيرا إلى أن دولا ضخمة مثل لندن العام الماضي ظهرت فيها مشكل كثيرة واحتجاجات بسبب ازدياد نسبة الفقراء، وهو الأمر الذي حدث في باريس أيضا قبل عامين  بسبب كثرة الفقراء وغير المجنسين ونحوهم.

وشدد على ضرورة دعم العمل الخيري كمرضاة لله -سبحانه وتعالى- وأن نضع نصب أعيننا هذا الفقير أو هذه الأسرة التي إن استفرد بها الفقر تحولت إلى بؤرة جريمة، وبالتالي فمن المهم أن ندعم العمل الخيري لإرساء دعائم استقرار في المجتمعات الإسلامية وحمايتها من الزلازل والمحن والمشكلات والصدامات.

أعمال إبداعية

واعتبر د. العودة أن كثيرا من الأعمال الإبداعية التي لا يمكن وصفها بأنها عمل خيري، مثل قيام أحد الشباب في المملكة بمحاكاة كثير من المباني العالمية الشهيرة، ومن بينها الحرم المكي، والحرم المدني، وتاج محل في الهند، من أعواد الثقاب، عمل جيد، بالنظر إلى قصة الطاقة الموجودة عند الناس، خاصة وأن الطاقات من الكثافة والتنوع بحيث لا يمكن استيعابها دائماً بأطر وأنماط نحن نضعها.

وقال: "الإنسان إذا اختار لنفسه عملا لم يرتكب خلاله إثماً أو قطيعة أو مخالفة شرعية فهو أمر جيد، لا سيما إذا تضمن مغزى التسويق الإيجابي لبيئتنا الثقافية الإسلامية والعربية".

تحفيز على الإنفاق

وأوضح أن في قوله تعالى: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ} من الآيات القليلة التي ذكر الله تعالى فيها الأرقام، لأن الحق تعالى خاطب بها التجار والأثرياء اللي يعرفون قيمة الرقم وعندهم ولع بالحساب ولا يُخرجون المال إلا وينتظرون مردوده عليهم، مشيرا ـ أيضا ـ إلى أنَّ السنة النبوية وصفت الصدقة بأنها برهان على صحة إيمان العبد وصدق تدينه كما في قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ «وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ».

حب المال

وذكر العودة أن الإنسان جُبل على حب المال كما في ـ قوله تعالى ـ {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا}، وقوله: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ}، مشيرا إلى أنَّ حب المال فطرة لا تخضع للمنطق؛ لأنك قد تجد إنساناً كبير السن ويعاني أمراضاً مزمنة ومصائب كثيرة ويقتر على نفسه وأولاده بشكل كبير، لأن القصة هنا مرتبطة بالحب الفطري عند الإنسان.

تدريب على العطاء

وأشار إلى أن قول النبي -صلى الله عليه وسلم- « اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ »، تدريب للناس على العطاء. مشيراً إلى أن الدين ـ من شأنه ـ أن يعلم الإنسان الرغبة في البذل والعطاء. وقال: "المتدين الذي لا يحس برغبته في إدخال السعادة على الآخرين عليه أن يعيد النظر في صحة تدينه"، مشيرا  إلى أن "الابتسامة ـ على سبيل المثال ـ من أعظم العطاء". وأضاف: "كلنا نحسن قراءة الابتسامة وأثرها الطيب على صاحبها وعلى الآخرين، لكن ليس الجميع يتقن صناعتها".

الصدقة تقي مصارع السوء

وأشار د. العودة كذلك إلى ما ورد في السنة من أن "الصدقة تقي مصارع السوء"، موضحاً أنَّ الصدقة من أعظم ما يمنح الإنسان السعادة، كما أن أعمال الخير تجر بعضها بعضاً، وكما كان بعض السلف يقول: "إذا رأيت عند إنسان حسنة فاعلم أن لها أخوات، وإذا رأيت عنده سيئة فاعلم أن لها أخوات"، مشيرا إلى أن العطاء يوطِّن الأعمال الصالحة، كما أنَّ العمل الخيري والإنفاق ينعكس بشكل كبير على صاحبه، وغالباً ما يصحب الإنفاق انشراح الصدر وسعة البال.

وقال "الغالب فى الإنفاق أنه يختم لصاحبه بخاتمة حسنة، والخاتمة الحسنة هذا سر عند الله -سبحانه وتعالى- وليس ما يراه الناس، وجدير بمن كان عنده خوف يحمله على الإنفاق أو عنده حزن على ذنب يحمله على التعويض أن يكون من أهل هذه البشارة عند النزع{وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}، مشيرا إلى أن "الصدقة يدفع بها الله ـ تعالى ـ  كثيرا من البلاء حتى لو كانت من فاجر أو كافر".

التحفيز على العمل

ولفت فضيلته إلى أهمية التحفيز على المشاركة في العمل الخيري لا سيما الشباب، خاصة وأن المجتمعات الإسلامية تعاني معوقات كبيرة جداً أمام العمل، وهذا أخطر ما يمكن أن يواجه الإنسان بطبعه، حتى الشاب الذي لا يملك مالاً، هو يريد أن يعمل، وأنت حينما تأتي بشخص في جمعية خيرية فإنك توجد له فرصة لاستنفاذ طاقته في عمل مفيد.

وأشار إلى أن "من ثمار العمل الخيري أنه أفاد المعطي والآخذ والوسيط، ليس فقط فائدة أخلاقية كما يبدو، وإنما فائدة شخصية، لأن الناشط في العمل الخيري، يحصل على التدريب، يحصل على فن التواصل مع الناس، يحصل على خبرات وتجارب ومهارات في المعرفة، في التقديم، في التواصل، في استخدام الأجهزة، في الأمانة في الثقة، وهذا شيء أساسي ومهم جداً للشباب على وجه الخصوص".

وأكد أن "مهمتنا هي أن نوفر المناخات والمجالات والفرص لتنفيس هذه الطاقة وإلا سنجدها استنفذت في المخدرات -مثلاً- أو ذهبت إلى الجرائم والضياع".

أنواع  من الإدمان

ونوه د. العودة إلى أن العطاء والبذل يستخدم ـ أحيانا ـ كنوع من العلاج، خاصة وأنه يكاد لا يخلو إنسان إلا وعنده نوع من الإدمان.

وقال "كتبت بحثاً عن الإدمان، وأشرت فيه إلى أنه يندر أن تجد أحداً من الناس إلا ويعانى نوعا من الإدمان، وليس ضرورياً أن يكون إدمان مخدرات، فقد يكون الشخص مدخناً، أو مدمنا لاستخدام الأجهزة الحديثة والانكباب على تويتر وفيس بوك، أو مدمنا للغيبة والنميمة، وقد تعاني المرأة من إدمان التسوق أو إدمان الكلام، مشيرا إلى أن ستر الله تعالى فيه رحمة للشخص أولاً: بالستر بين العباد، وثانياً: لتحفيز الإنسان على التعويض.

وقال: "قد يبتلي العبد بهذا الذنب ويكون رحمة له لأنه يحفزه على أعمال صالحة؛ إما على بر والدين أو الإحسان أو صلة الرحم.، مضيفاً: "أعرف أناسا ابتلوا ببعض الذنوب فتجدهم في حالة رقة وانكسار وخوف يحملهم على التصدُّق وأعمال الخير"، لافتاً إلى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- اعتبر البذل مطهرة للمال والقلب والزكاة سميت زكاة لهذا الاعتبار.

وذكر أن أن أحد الأصدقاء كان في السجن وأحضر له أهله ذات مرة قطعة شوكولاتة، فلما أحب أن يأكلها تذكَّر{وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ورغب فيما عند الله فأعطاها لصديقه، وصديقه أعطاها لآخر ودارت على مجموعة غرف حتى رجعت إلى صاحبها لأن  كل واحد يريد أن يؤثر بها. 


اترك تعليق