مناشدة لأهل العلم والفضل في ليبيا

By : الشيخ ونيس المبروك

للفتوى السِّياسيَّة خصوصيَّة لا تنطبق على غيرها من الأحكام، كونها فعلٌ معقَّدٌ غايةَ التَّعقيد، يدور في فلك المصالح والمفاسد، التي يحتاج تقديرها إلى ميزان دقيق ، ومواكبة لكل مستجد، وتفهّم عميق لتبدلات موازين القوى، كما يجب على كل من يتصدر للفتوى السياسية -فردا أو مؤسسة -بخاصة فيما يتعلَّق بدماء النَّاس وأموالهم وشأنهم العام- أَنْ يتورَّع في القطع بأحكامها، ويبذل قصارى جهده في جمع المادَّة والمعلومات، ومعرفة المتغيرات التي تحدث كل يوم، وتقدير للمآلات، وحساب متأني لما يسمى اليوم بـ”موازين القوى” وتدابير الصِّراع بشقَّيه؛ القصير والطَّويل، والمحيط السِّياسيِّ والاجتماعيِّ المحليِّ القريب، والمناخ الإقليميِّ والدَّوليِّ البعيد، ولا يتسرَّع في البتِّ في الفتوى مادام لم يستوف الاستقراء وقول الخبراء، ولا يصحُّ أَنْ يؤسس توجيه الفتوى على كلام ونقل الناس أو على مجرَّد “الانطباعات”، ولو جاءت عن ثقة، كما يحسن بالخائض في هذا الباب الخطير أن يتذكر ويتدبر الفروق بين الحكم الشَّرعيِّ والوضعيِّ، وبين السَّبب الشَّرعيِّ والسَّبب القدريِّ، وبين فقه التَّنزيل وفقه التَّنجيز، والواقع والتَّوقُّع، والذَّريعة والمآل، وغير ذلك ممَّا يحتاجه من يتسوَّر هذا الصَّرح الكبير، ويتصدَّر لهذا المقام الخطير.

 

أتمنى أن يتوقف خطابنا الديني عن منطق التحريش بحجة المعارضة، والتأجيج بحجة الخيانة، والتخوين بحجة التحاور مع الخصم السياسي، والتوظيف السياسي بحجة شمولية الأحكام.. لأنه بذلك إنما يدفع بالناس إلى مزيد من الأحقاد، ويزيد من ظاهرة استرخاص سفك الدماء لأدنى سبب وعلة، ويضفي على هذا الهرج مسحة الدين والقداسة، ويترك دوره الجليل في الإصلاح بين الناس وتحذيرهم من شرور الحرب وآثارها المدمرة.

 

لقد طالبت من قبل ومازلت أتمنى أن ينعقد في ليبيا أو خارجها مؤتمرا حُرا جادا، تقيمه أي مؤسسة من مؤسسات الدولة، أو هيئة من مكونات المجتمع، يضم جموع من الفقهاء والعلماء والدعاة الليبيين من شتى التوجهات، وحبذا لو شارك فيه نخبة من كبار علماء الأمة ممن لديهم باع وتجربة وخبرة، لإعادة النظر في خطابنا الديني ومنهجية الإفتاء في هذه المرحلة الخطيرة من عمر الوطن .


اترك تعليق