الفقيه المفكّر.. د. جمال الدين عطية

By : د. نادية مصطفى

(إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء) -الحديث صحيح البخاري، وغيره.

 

وهكذا يُنتزع قدرٌ عظيمٌ من العلم والفقه، والعقل والفكر، والتربية والعناية والتعليم... الخادم للأمة وللعقل المسلم المعاصر... بفقد عَلَمٍ وقمةٍ بقامة أستاذنا الدكتور جمال الدين عطية، الذي وافته المنية في ليلة الخميس الماضي 15 من ربيع الآخر لسنة 1438هـ، الموافق الثاني عشر من يناير 2017م، عن عمر يناهز التسعة والثمانين عامًا.

 

ونحن ببالغ الأسى ننعي إلى الأمة هذا العالم الفقيه المفكّر.. الرائد المعلِّم، الأستاذ الدكتور جمال الدين عطية (رحمه الله تعالى) (1928- 2017م).. من الجنود القادة، والآباء القدوة، والمجاهدين في مختلف الميادين؛ عملاً وعلمًا، فردًا وجمعًا، إدارة وتنفيذًا للمهام الجسام.

 

فقد شارك مبكرًا في تأسيس الحركة الإسلامية في مصر، وتحمل جرّاء ذلك ابتلاءات عديدة، ثم قاد مسارًا لتجديد طاقات المسلم المعاصر المعرفية والفكرية مع مرحلة الصحوة؛ مؤسسًا صرحًا جليلاً باسم مجلة (المسلم المعاصر) لم يزل يرعاه ويزكيه حتى آخر أيامه رحمه الله.

 

وإذا لم يكن لأستاذنا غير هذا العمل الجليل لرجونا أن يكون كافيًا له عند الله تعالى أن يرفع به درجاته ويُعظم له به أجرًا.. لكن الأستاذ الجليل قاد وارتاد ساحات إسلامية وعربية ومصرية أخرى، من العمل الأكاديمي بحثًا وتأليفًا وإدارة، والعمل القانوني، والمصرفي، والفقهي، والفكري،... وكان في ذلك الأستاذ المقدَّم، والفقيه المعلّم، والقائد ذا الفكر والإبداع.

 

ولا يكاد يُحصى الجهد المؤسسي والجمعي الذي أسهم فيه أستاذنا عبر الأمة والقارات... فقد تولى الأمانة العامة لأكبر موسوعة فقهية معاصرة: الموسوعة الفقهية بوزارة الأوقاف الكويتية، وأسَّس ورأس تحرير مجلة المسلم المعاصر -منذ نشأتها في منتصف السبعينيات وحتى لحظة وفاته رحمه الله-، وعمل رئيسًا تنفيذيًا للمصرف الإسلامي الدولي في لوكسمبرج (بيت التمويل الإسلامي العالمي حاليًا)، ومستشارًا قانونيًا وشرعيًا للمعاملات المالية والمصرفية لعدد من المؤسسات، والمستشار الأكاديمي الأكثر فاعلية للمعهد العالمي للفكر الإسلامي (واشنطن) ومدير مكتبه بالقاهرة، فضلاً عن عضويته في عدد كبير من الجمعيات والمراكز العلمية والمهنية عبر العالم.

 

وإلى جوار هذا الحراك والكفاح العملي الكبير، ترك أستاذنا ثروة علمية غالية؛ في ميادين الفكر الإسلامي، والكتابة الشرعية التجديدية في الفقه، وأصول الفقه، وفقه الأقليات، وفقه المقاصد، وإسلامية المعرفة، والقواعد الفقهية، والمصارف الإسلامية،... إلى غيرها من المجالات والقضايا، التي جمعت بين عمق التأصيل، ودقة الاجتهاد والتدليل، والحرص على تطبيق الرؤى في قضايا عملية تشغل الأمة.

 

ولا يسع مثل هذه الأسطر القليلة أن توفي هذا الأستاذ الجليل قدره، ولا يبقى إلا أن نبتهل إلى الله تعالى بخالص الدعاء أن يتلقاه أحسن التلقي، ويتقبله في زمرة الصالحين، وينزل عليه من رضوانه وغفرانه وعفوه ورحماته سبحانه وتعالى، وأن يلهمنا وأهله والأمة الصبر على فراقه، ويقيّد لجهده وجهاده من يقدره حق قدره، وينتفع وينفع به... فلقد ترك رحمه الله تعالى علمًا ينتفع به، ثقّل الله تعالى به موازينه، وجمّل دواونيه، وجعل الجنة مستقره ومثواه... والحمد لله على كل حال.. وإنا لله وإنا إليه راجعون.



اترك تعليق