ماذا خسرنا من الإطاحة العنيفة بجماعة الإخوان؟!

By :

بعد ثلاثة أعوام ونصف من الانقلاب في مصر، تبدو مصر في حالة يرثى لها على المستوى الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، بشكل لا تخطئه عين وتلمسه كل نفس تعيش داخل مصر أو تعيش مع حالها من الخارج دون الحاجة للعودة إلى الأرقام والمؤشرات التي بتتبعها ستخبرك ببيان ماذا جرى في مصر تباعا وتراكما على مدى هذه الأعوام.

لكن ونحن على أعتاب عام جديد وعلى وشك الذكرى الخامسة من ثورة يناير/كانون الثاني وجدت أنه من الجدير أن أسجل فكرة ربما تحاشها كثيرون سابقا، وإن كنت قد أشرت إليها في مقال سابق منذ عام، ألا وهي ماذا خسرنا من إطاحة الإخوان "بالقوة"؟، نعم لا أقول فقط الإطاحة بمحمد مرسي، بوصفه أول رئيس مدني منتخب بل بجماعة الإخوان نفسها "بالقوة والعنف".

فالجماعة وإن بقيت على مستوى الهياكل نظريا وتشهد طورا جديدا من التشكل منذ أن دبت الخلافات داخلها بقوة في أواخر عام 2014 ثم تصاعدت بعد ذلك، إلا أن جماعة الإخوان قد طالها أذى لم يسبق له مثيل من قبل حتى في فترة حكم عبد الناصر، وأطيح بها بالقوة ونُكل بها وبأفرادها وبأموالهم كتبعات رئيسية للانقلاب الذي جرى، وهو أمر كان متوقع لأي متابع للشأن السياسي في مصر ورفض أن يدفن رأسه في الرمال، فلم يكن يمكن للانقلاب أن ينجح ويستمر للنهاية دون هذا التنكيل دون هذا البطش بالإخوان، ودون محاصرتها بالقوة هي قبل أي قوة أخرى، لأنه الجماعة أبدت أنها لن تقبل أن يجري هذا الانقلاب بهذا الشكل على الرئيس القادم منها بشكل ديمقراطي وشرعي، ومن ثم أعلنت أنها لن تقبل به وستقاومه.

وبغض النظر عن الرأي في آليات المقاومة، إلا أنه لم يكن لأي رئيس قادم أن يثبت وجوده دون قمع هذا الرفض، وفي حالة الإخوان فأنت تتحدث عن جسد ضخم ومتشعب اجتماعيا وسياسيا وله امتدادات وجذور عميقة في كل مصر، كيان كهذا ليس من الممكن أن تثبت حكمك إلا بإرضاخه بالقوة لاسيما حينما تكون متسولٍ على ما هو ليس حقك ويرى أفراده وشبابه أن لهم حقهم في إكمال تجربتهم ناهيك عن مؤيديهم وناهيك عمن انتخبوهم.

كانت هذه النقطة الجوهرية التي غفل أو تغافل عنها الكثيرين من النخب السياسية في مصر ولا سيما من ينتمي منها للتيارات الثورية والمدنية، ربما لخصومتهم مع الإخوان أو نشوة أو سكرة المشهد العددي الذي تم تخليق ما لا يقل عن نصف حكمه، وظن البعض أن ما يجري "موجة ثورية" في حين أنه كان انقلاب على التجربة الديمقراطية بأكملها كما اتضح لاحقا لمن كان غافلا منهم أو متغافلا.

كما غاب عن الإخوان درس عبد الناصر في التعامل مع طبقة العسكريين فلدغوا من نفس الجحر مرة أخرى، كذلك فعلت النخب المدنية والثورية التي لدغت من الجحر نفسه على الرغم من هتافهم "يسقط حكم العسكر" ورفعوا شعار "عسكر كاذبون" قبل نحو عام أو عام ونصف فقط من الانقلاب.

إلا أن درس النخب المدنية الذي غاب عنهم كان قاسيا ليس لقرب المسافة الزمنية، ولكن لأن تنكيل العسكريين وتأميم الحياة السياسة ورفع كلفة القمع إلى مستوياته العليا، هو الحل الوحيد لسلب الحق من جماعة بضخامة الإخوان ولديها الإصرار على الاحتفاظ بهذا الحق، ظنوا حينها أن زمن مبارك وأن إخوان مبارك وعصر السادات هم الموجودون الآن، وأن مؤامرات مظاهرات ما قبل الثورة ستكون هي بنفسها، وراهنوا على أن الإخوان ستذهب إلى صفقة، ونسوا أهم الدروس التي نظروا لها وهي أن التغيرات في قلب المجتمع قد حدثت وأن رصاصة التغيير قد انطلقت وأن عالم الأفكار السابقة لكل التيارات قد تأثر بما جرى هذا فضلا عن أن حرية الرفض والقبول للقرارات لم تعد خاضعة لمؤامرات عصور التكلس السياسي وثبات المعادلات "الاستقرار السياسي"، ومن ثم لم يقرأ أحد حجم الجماعة ولم يلحظ أحد أن حجم حرية الحركة التي حظي بها شبابها لم يكن من السهل التنازل عنه، ناهيك عما هو معروف عن حجم القلق الذي يحدث حينما يصر كيان كالإخوان على المواجهة.

كان "حجم" الجماعة و"ضخامتها" هو الأمر الذي أوجب على هذا النظام التنكيل بالمجال العام وغلقه ومحاصرة المظاهرات الضخمة في بدايتها وإطلاق الرصاص عليها، فمن هذا الذي سيستطيع أن يحكم في ظل معارضة مفتوحة ومظاهرات بالآلاف كل يوم في الشوارع، ومن ثم كانت هذه الإجراءات لابد أن تمتد لتشمل الجميع والكل، فضلا عن أنها قادمة من طبقة العسكريين في صورتهم المباشرة ممثلة في وزير الدفاع.

أما الأمر التالي الذي خسرنا بسبب هذه الإطاحة العنيفة والانقلاب فهو "كفر" غالبية شباب التيارات الإسلامية بالديمقراطية، أو بمصداقية تداول السلطة، فالثورة أتاحت عملية تداول للسلطة في مؤسسات كثيرة في مصر، بشكل يسمح بالمنافسة الحرة، وخسر الإخوان في كثير منها أو خسروا مناصب كانت حكرا لهم في عصر مبارك لعدم مشاركة غيرهم، كبعض فروع النقابات واتحادات طلابية وكانت شعبيتهم المتراجعة تظهر بوضوح في أماكن كثيرة، دون انقلاب، كان هناك مناخ ديمقراطي وحرية للكل رغم كل القلاقل وكل حالة الاحتقان التي كانت سائدة، لكن الانقلاب أو الفرح به ثم تبعات ذلك كله من غض الطرف عن التنكيل في أيامه الأولى قبل رابعة، كان مؤشرا على أنه لا تجربة ستكمل أو لن يكون هناك انتظار لنهاية المدة لأي رئيس قادم من خارج المؤسسة العسكرية لاسيما لو كان من الإسلاميين، ومن ثم كانت هذه الرسالة واضحة وعمقها مباركة ما جرى من تأييد له ثم التنكيل اللازم لقمع جماعة بحجم الإخوان دون مبرر أو سند منطقي لما نالها ونال أفرادها.

كانت هناك فرصة سانحة لدمج هذا الكيان كله وإخضاعه بالآليات التي يفوز بها، منح الحرية لغيرهم كان سيقويهم كما جرى في النقابات والاتحادات الطلابية وكان التوازن سيحدث بين الإسلاميين وغيرهم ولم يكن للإخوان أن يسيطروا على الشعب، فهو أكثر منهم عددا وأعمق منهم امتدادا، لذا فقد خسرنا مصداقية أهم آلية يمكن الاحتكام إليها وهي آلية الصندوق، وأرسلت رسالة مفادها أنه لا جدوى من العمل السياسي طالما أن القوة والسلاح هما الحكم في النهاية، وماتت السياسة رويدا رويدا.

لم يكن مكسب نشأة أجيال جديدة من شباب الإسلاميين وسط هذا المناخ التنافسي القائم على حرية التداول للمناصب والمواجهة العلنية فكريا وثقافيا قبل أي استحقاق انتخابي، لم يكن مكسب يسير، وكثيرا من الأساطير كانت ستتفكك في المجتمع كله بما فيها بعض أساطير الإسلاميين من بين أفراد المجتمع.

جماعة الإخوان ليسوا ملائكة ولهم أخطائهم وخطاياهم السياسية والاجتماعية، كأي تجمع بشري، وكتبت عن أخطائهم القاتلة في حق نفسهم وغيرهم قبل ذلك، ولا تهدف هذه السطور لوضعهم في منزلة أعلى من غيرهم، فلست بصدد إصدار أحكام قيمية على أحد هنا، لكن خلاصة الفكرة بوضوح، أن الانقلاب لم يكن ينجح ويترسخ إلا بقمع كالذي جرى نظرا لضخامة الجماعة وبعض من طبيعة تكوينها، وبنجاحها كان مؤشرا رئيسيا على تدمير مفهوم ومبدأ آلية تداول السلطة بشكل سلمي عبر آلية مفهومة ومحددة وواضحة، ورسالة لجيل من شباب الإسلاميين بأنه لا مكان لهم، ومن ثم انسحب كل ذلك وامتدت آثارها على الجميع. ومن ثم خسرنا نحن أيضا وليس جماعة الإخوان فقط.


اترك تعليق