المخططات الاستيطانية في محيط الأقصى

By : د. تيسير التميمي

كيف لا يكون المسجد الأقصى في خطر وقد استهدفته مخططات متنوعة ممنهجة ومتتابعة، كيف لا يكون في خطر وقد حيكت له المؤامرات الخبيثة التي تهدد هويته وبنيانه، كيف لا يكون في خطر وقد أحاطت به البؤر الاستيطانية والكنس الصهيونية والمشاريع التي تهدد المباني والعمائر التاريخية والأثرية في محيطه والرامية إلى تغيير المشهد الحضاري في مدينة القدس العربية وبالأخص البلدة القديمة؟

 

تعتبر البلدة القديمة قلب مدينة القدس المباركة، وتضم مقدسات إسلامية ومسيحية أبزرها المسجد الأقصى المبارك وكنيسة القيامة وحائط البراق, وعدداً من المنازل والحارات والأزقة والأسواق المقدسية، وكان يسكنها عشرات الألوف من المقدسيين الفلسطينيين.

 

غيّر الاحتلال الإسرائيلي كثيراً من معالم البلدة القديمة بما في ذلك أسماء شوارعها, وشمل التغيير بنيتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بالتوازي مع الحفريات وشبكات الأنفاق التي أقيمت أسفلها، فبعد أن أدرجت منظمة اليونسكو عام 1981 القدس القديمة وأسوارها على قائمة التراث العالمي، عادت وأدرجتها عام 1982 على قائمة التراث المهدد نظراً للتهديدات الجدية التي تتعرض لها، وعقدت اليونسكو عدة اجتماعات، وصدرت مجموعة قرارات أممية تندد بتهويد القدس وتطالب سلطات الاحتلال بعدم تغيير معالمها، لكن حكومة إسرائيل لا تأبه لذلك كما هو معلوم، فتواصل التهويد وبلغ أشده بعد عام 2000، فمنذ وقوع مدينة القدس تحت الاحتلال الأول عام 1948 ووقوعها تحت الاحتلال الثاني عام 1967 تنفذ سلطات الاحتلال الإسرائيلية فيها مشاريع التهويد وطمس الهوية العربية والإسلامية:

 

* فهي تتخذ القرارات التعسفية وتمارس الضغوط القوية على سكان القدس العرب الفلسطينيين لتهجيرهم من البلدة القديمة بإصدار الأنظمة والقوانين والتشريعات التعسفية في التعليم والصحة والبناء وغيرها من مجالات الحياة، وتقوم بسحب هوياتهم لأسباب غير قانونية لإسقاط جنسيتهم وتضييع حقهم في مدينتهم، وتعمل على ممارسة التضييق الاقتصادي عليهم من خلال محاربتهم في أقواتهم وفرض الضرائب الباهظة عليهم، وبمنعهم البناء، مما ادى إلى الركود التجاري وارتفاع البطالة والازدحام في السكن، لذا فهي تعمل على ببناء وحدات سكنية خارج البلدة القديمة وترغب المقدسيين بشرائها والسكن فيها.

 

* وتصادر سلطات الاحتلال بيوت المقدسيين في القدس وإسكان المغتصبين الصهاينة فيها، وبالسيطرة على أراضيهم وعقاراتهم وأحيائهم وممتلكاتهم مثل الخالدية والسرايا والتكية والشاويش وباب الساهرة وباب الخليل لإقامة البؤر الاستيطانية عليها، في خطوات ومشاريع تهدف إلى تقليل عدد السكان الفلسطينيين إلى أدنى نسبة وزيادة عدد اليهود فيها إلى أعلى ما يمكن، بل إن نتانياهو صرح بأن خطة حكومته للسنوات المقبلة تكمن في تحويل الفلسطينيين في القدس إلى أقلية صغيرة وسط محيط ديمغرافي يهودي كبير، ومشروع النجوم أو ما يعرف بقرار القدس 2020 الذي خطط له السفاح شارون أكبر دليل على ذلك، ويقوم المشروع على تخفيض عدد السكان العرب بحيث يصبح بنسبة 20% من سكان القدس حتى نهاية عام 2020 وزيادة السكان اليهود إلى ما يقرب من مليون يهودي.

 

وهذا ما كان، فقد أسست البؤر الاستيطانية داخل البلدة القديمة وتقيمها على فترات زمنية طويلة ومتفاوتة ثم تخلق بينها التواصل الجغرافي على حساب أراضي وممتلكات أهلها، وتعتبر عقارات ومنازل ومحال حي الدباغة التجارية من أكبر المواقع التي استولت عليها سلطات الاحتلال الإسرائيلية لهذا الغرض، وهكذا فقد ازداد عدد المغتصبين في الأحياء الفلسطينية في القدس المحتلة بنسبة 70% منذ عام 2009؛ حيث كان عدد البؤر الاستيطانية 102 بؤرة سكنها حوالي 2000 مغتصب، فأضيف إليها 40 بؤرة جديدة يسكنها 778 مغتصباً، 31 بؤرة منها في منطقة 'الحوض المقدس المجاور للبلدة القديمة، وأربعة في البلدة القديمة، وخمسة في أحياء مقدسية أخرى. ولهذا الغرض أخلت سلطات الاحتلال 68 عائلة فلسطينية من الشيخ جراح وسلوان والحي الإسلامي في البلدة القديمة. وهناك 300 عائلة فلسطينية أخرى مهددة بالإخلاء أو بهدم منازلها القائمة في الحوض المقدس. 

 

ولا تكتفي سلطات الاحتلال بذلك بل تقوم أيضاً بتخطيط وتنفيذ مشاريع سياحية ودعائية وتجميلية، مثل مخطط تهويد منطقة الباب الجديد شمالي سور البلدة القديمة بهدف تغيير معالمها الإسلامية والعربية وتحويلها إلى منطقة سياحية، وهو جزء من مخطط إسرائيلي شامل يتم استكمال تنفيذه حتى العام 2019 بقيمة 90 مليون دولار لتهويد البلدة القديمة وتكثيف التهويد والاستيطان في محيط المسجد الأقصى المبارك، ولإحكام السيطرة على الأماكن والمعالم الدينية الإسلامية والمسيحية المقدسة وتضييق الخناق حولها وحصارها، والمخطط هو سلسلة ترميمات وصيانة جذرية تغيّر الوجه الإسلامي العربي التاريخي للبلدة القديمة، ويتضمن المشروع تبديل البلاط التاريخي للمكان، وتأهيل شبكات المياه والكهرباء والطرق، وترميم المباني المحيطة به، وصيانة واجهات المحال التجارية والمقاهي، وتركيب أعمدة إنارة مصممة فنياً لإضاءة الأبنية ومسالك الطريق بما يتناسب مع مزاعم إضفاء اللون السياحي على المنطقة، ويشمل أيضاً إجراء تغييرات إدارية في المنطقة، وتحويل اللوحات الإعلانية وواجهات المحلات التجارية والمعمارية فيها إلى منطقة سياحية، وإقحام المعالم والرموز اليهودية فيها، وتعليق ما يسمى "المازوزة التوراتية" على باب الجديد للتبرك فيها حسب مزاعم بعض الحاخامات اليهود، وهي عبارة عن قطعة من الخشب أو الحديد تتضمن بعض الإشارات ويوضع فيها كلمات العشر التوراتية، حتى يصبح هذا الباب يهودياً، أسوّة بما حدث عند أبواب: الخليل والمغاربة والنبي داوود، الواقعة في السور التاريخي للقدس، ويعرف هذا الباب أصلاً باسم باب عبد الحميد الثاني، وقد بني عام 1886 بأمر من السلطان عبد الحميد، وذلك حتى يسهل على أهل البلدة القديمة والأحياء الجديدة التي أنشئت خارج السور الاتصال مع بعضها بشكل مباشر دون الالتفاف إلى باب الخليل أو باب العامود.

 

* ومن أخطر مشاريع التهويد الاستيطانية السرطانية التي تنفذها سلطات الاحتلال الإسرائيلية بناء الكنس اليهودية في البلدة القديمة ومحيط المسجد الأقصى المبارك، وتقام هذه الكنس على شكل دائرة تحيط بالمسجد بهدف خنقه واغتياله وذبح حضارة مدينة القدس المباركة ومصادرة هويتها العربية والإسلامية، فقد أقيم فيها أكثر من مائة كنيس يهودي.

 

ولعل من أكبر هذه الكُنُس الكنيس الذي خطط لبنائه عند المدرسة التنكزية الواقعة على السور الغربي قرب حائط البراق؛ بل هو أكبر كنيس في العالم، ومنها الكنس التي أقيمت في الأنفاق أسفل المسجد الأقصى المبارك، ومنها أيضاً كنيس الخراب، ومنها كذلك كنيس هحوربا المقام على جزء من المسجد العمري الكبير مسجد عبد الله بن عمر في حارة الشرف المصادرة إلى الجنوب الغربي من المسجد الأقصى المبارك، ومنها كنيس اوهل يتسحاق المقام على أرض وقف حمام العين في حي الواد غربي المسجد الأقصى المبارك.

 

وأقول مجدداً:

إن هذه المخططات الخطيرة تفتقر إلى جهد فلسطيني وعربي وإسلامي ودولي لوقفها ووقف أخطارها عن القدس والمسجد الأقصى المبارك، وإننا على يقين تام لا يساوره شك بأن كل محاولات تهويد وطمس هوية هذا المسجد ستفشل كما فشلت كل محاولات الاحتلالات السابقة ما دام في الأمة عرق ينبض، فمدينة القدس المحتلة ستظل عربية إسلامية مهما طال احتلالها، والمسجد الأقصى المبارك سيظل مسجداً إسلامياً خالصاً مهما طال وقوعه في الأسر، حدد المولى عز وجل هويته من فوق سبع سماوات في قرآن يتلى إلى يوم الدين، قال تعالى {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (الإسراء 1).


اترك تعليق