الدفعة الثالثة من مهجّري حلب تصل الريف الغربي والخيارات المتاحة للمعارضة السورية بعد الخروج من حلب

By :


وصلت، فجر اليوم الجمعة، القافلتان الثالثة والرابعة، من مهجري أحياء حلب الشرقية المحاصرة إلى ريف حلب الغربي، ليصل عددهم إلى نحو أربعة آلاف مدني، بعد وصول القافلتين الأولى والثانية، ظهر أمس الخميس.

وقال الناشط عبدو خضر الذي ما زال موجوداً في الأحياء الشرقية المحاصرة لـ"العربي الجديد"، إن"القافلتين الثالثة والرابعة، ضمّتا أكثر من ألفي شخص، ليصل مجموع الخارجين من حلب حتى الآن إلى أكثر من أربعة آلاف شخص، جميعهم من المدنيين".

وأضاف خضر الذي كان يستعد للرحيل مع عائلته، أن "أربعين حافلة أقلّت المرحلين في القافلتين الثالثة والرابعة"، و"هناك ازدحام شديد لدى المدنيين الراغبين بالخروج"، مقدراً "العدد بنحو خمسين ألف شخص، يتجمعون في إحدى الساحات بحي السكري، وينتظرون قدوم الحافلات في العراء، ووسط البرد الشديد". 

 وأوضح أنه "لا يوجد تسجيل للأسماء لمن يرغب بالخروج، ويكفي أن يصعد الراغبون بالخروج إلى الحافلات".

وكانت مصادر قد ذكرت أن العملية تتم بإشراف ضباط روس يصعدون إلى الحافلات، دون القيام بأية عمليات تفتيش، مكتفين بإحصاء عدد الموجودين في كل حافلة، وبحضور مندوب من منظمة الهلال الأحمر السوري.

وتوقعت المصادر أن يتم إجلاء جميع المدنيين والمقاتلين من أحياء حلب الشرقية، والذين يقدر عددهم بنحو 70 ألف نسمة، مع حلول مساء اليوم الجمعة أو صباح غد السبت، حيث من المتوقع أن تتواصل عملية الإجلاء دون توقف.

بدورها، ذكرت وزارة الدفاع الروسية، اليوم الجمعة أنّه تم إجلاء أكثر من 6 آلاف شخص من شرق حلب خلال 24 ساعة الماضية منهم 3 آلاف مسلح، بحسب ما نقلت "رويترز".

وكانت قد وصلت مساء الخميس، الدفعة الأولى من المهجرين إلى مدينة الأتارب في ريف المحافظة الغربي، جميعهم من المدنيين، وبينهم 150 جريحاً، وذلك ضمن الاتفاق التركي الروسي بشأن حلب، الذي حاولت المليشيات الإيرانية إعاقة تنفيذه من خلال إطلاق النار على قوافل المهجرين، بغية فرض شروط جديدة تتعلق بإخراج بأهالي بلدتي كفريا الفوعا، المواليتين للنظام في ريف إدلب. 

كما وصلت أعداد من الجرحى إلى معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا، بعد نقلهم عبر سيارات إسعاف وحافلات بإشراف الهلال والصليب الأحمر، ونقل بعض الجرحى ممن يعانون من إصابات خطرة مباشرة إلى داخل الأراضي التركية.

وترافقت عمليات الإخلاء مع قصف جوي من جانب طائرات النظام والطائرات الروسية لمناطق في الريف الشمالي لحلب، حيث استهدفت الغارات مدينتي حريتان وعندان، إضافة الى منطقة آسيا.

كما قصف الطيران الحربي مدينة خان شيخون وقرية الشيخ مصطفى بريف إدلب الجنوبي، وقرية الكفير في ريف إدلب الغربي.

الى ذلك، لا تنكر المعارضة السورية أنّها تعرّضت لـ"انتكاسة" بخروجها من حلب، ثاني المدن السورية، ولكنها تؤكد في الوقت ذاته أن الثورة "ليست جغرافيّة"، وأن الصراع مع النظام وحليفيه روسيا وإيران لم ينته، فيما يدعو محللون عسكريون المعارضة الانتقال إلى مستويات جديدة، قوامُها حرب العصابات، واستهدافُ المصالح الروسية والإيرانية في البلاد. مع العلم أن المعارضة خسرت أهم معاقلها في شمال سورية، إثر اضطرارها للانسحاب من أحيائها بحلب، في تكرار لسيناريو الخروج النهائي من مدينة حمص في منتصف عام 2014.

ما فتح الباب واسعاً لتساؤلات تتعلق بالخيارات المتاحة للمعارضة التي تواجه حلفاً ثلاثياً (روسيا، وإيران، ونظام بشار الأسد)، في الوقت الذي لا تجد فيه دعماً جاداً من دول "أصدقاء سورية" يمكّنها من الصمود.

في هذا الإطار، رأى المحلل العسكري الاستراتيجي الأردني مأمون أبو نوار، أن الخيارات أمام المعارضة السورية "لا تزال واسعة، ولم ينقطع الأمل بالخروج من مدينة حلب"، مضيفاً في حديث مع "العربي الجديد"، بأن "طبيعة الصراع في سورية متحركة، ومن ثم فإن الخيار الأمثل في هذه المرحلة الحرجة هو اللجوء إلى معارك الكر والفر، وحرب العصابات، فهي الكفيلة باستنزاف قوات النظام، والمليشيات الإيرانية وإنهاكها".

ودعا أبو نوار المعارضة السورية المسلحة إلى استهداف المواقع الروسية في سورية. واعتبر بأن "وجود قوات المعارضة السورية في محافظة إدلب يتيح لها الاستعداد لهجوم آخر على مدينة حلب، خصوصاً أن خطوط الإمداد مفتوحة من جهة تركيا، ومن المستحيل محاصرتها كما حدث في حلب، ومناطق أخرى".

وأشار أبو نوار إلى أن "المعارضة تملك قاعدة انطلاق لا تقل أهمية عن إدلب، وهي ريف حلب الشمالي الذي انتزعت السيطرة عليه من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)"، لافتاً إلى أن "عودة داعش إلى مدينة تدمر أخيراً، تؤكد أن بإمكان المعارضة العودة إلى حلب مرة أخرى في حال اتباعها استراتيجيات قتال جديدة، وحصولها على أسلحة نوعية تمكّنها من مواجهة قوات النظام، والمليشيات الطائفية التي تعتقد أنها حققت نصراً، ولكنها كانت عاجزة عن التقدم على الأرض لولا الطيران الروسي".

ونوّه أبو نوار إلى أن "المعارضة فعلت ما بوسعها في حلب"، مشيراً إلى أنها "واجهت قدرات عسكرية فوق طاقتها، وأن وجود عشرات آلاف المدنيين أجبرها على الانسحاب، حماية لهم من القصف الجوي والمدفعي الذي كان يستهدفهم مباشرة للضغط عليها للانسحاب". وأردف "لا تزال المعارضة تسيطر بشكل كامل على ريف حلب الغربي، ومن ثم هي لا تبعد سوى كيلومترات عن المدينة، وكانت قد شنّت منه في أواخر شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي هجوماً واسع النطاق، في إطار ملحمة حلب الكبرى، على مدينة حلب، وحققت نتائج مهمة قبل أن تضطر للتراجع تحت قصف جوي غير مسبوق".

وتابع أبو نوّار "كما تتمركز قوات للمعارضة في منطقة خان طومان، جنوب غربي حلب على بعد نحو عشرة كيلومترات، والتي سيطرت عليها في مايو/أيار الماضي إثر معارك طاحنة، تكبّدت فيها مليشيات إيرانية خسائر فادحة، واضطرت للتراجع إلى قواعدها في بلدة الحاضر. في المقابل، يعتمد النظام على طريق بري واحد للوصول إلى حلب، وهو طريق بلدة خناصر الواصل من مدينة سلمية شرقي حماة، والذي حاولت المعارضة مرات عدة قطعه، وآخرها في فبراير/شباط الماضي، ولكنها تراجعت تحت ضغط ناري من الطيران الروسي".

بدوره، اعتبر المحلل العسكري العقيد مصطفى بكور، أن "هناك إمكانية لقطع هذا الطريق الاستراتيجي، والمصيري للنظام إذا أرادت قوى المعارضة ذلك"، مضيفاً: "لكن من الصعوبة بمكان التمركز على الطريق".

ورأى في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أنه "بالإمكان إنقاذ الثورة السورية، ومنع تدهور الأوضاع أكثر من ذلك"، موضحاً في حديث مع "العربي الجديد"، أن "على قادة الصف الثاني توحيد الفصائل كلها ضمن جيش وطني واحد". وأشار إلى أنه "بات من الملح إفساح المجال للضباط المنشقين عن جيش النظام، والموجودين داخل سورية لأخذ دور قيادي في القرارات المصيرية التي تخصّ الثورة".

وأعرب بكور عن اعتقاده بأن "سيطرة النظام، والمليشيات الطائفية على مدينة حلب لم تكن لأسباب عسكرية فحسب"، مشيراً إلى "تفاهمات دولية، وإقليمية أفضت إلى هذا المصير". وأضاف "وهذه التفاهمات ربما تمنع عودة الثوار إلى حلب ثانية".واعتبر بكور أن "حرب العصابات ضد قوات النظام، والمليشيات الطائفية مجدية في الوقت الراهن"، مضيفاً "بشرط تنظيمها، وعدم تعدد القيادات كي لا يسهل على النظام اختراق صفوف المعارضة من خلال الملثمين الذين سيعملون على استهداف المدنيين مع ما يقود ذلك إلى نتائج سلبية".

ودعا إلى شنّ عمليات خاطفة ضد المصالح الروسية والإيرانية، والنظام داخل المناطق الموالية، منوّهاً إلى أن "هذا العمل أكثر جدوى في استنزاف النظام، وحلفائه". ولا يستبعد بكور أن تتقدم قوات النظام، وقوات روسية، ومليشيات إيران الطائفية للسيطرة على المناطق المحاصرة في ريف حمص الشمالي، وريف حماة الشمالي التي لا تزال تحت سيطرة المعارضة، ومن ثم إطباق الحصار على محافظة إدلب لتتحوّل إلى "قندهار سورية" ويتم "تدميرها نهائياً بذريعة تجمّع الإرهابيين فيها"، وفق بكور.

ومنذ التدخل الروسي المباشر في سورية في 30 سبتمبر/أيلول 2015 بدأت المعارضة التراجع، حيث أغلب مواقعها في ريف اللاذقية، كما اضطرت إلى الموافقة على "مصالحات" أفضت إلى خروجها من أهم معاقلها في ريف دمشق، خصوصاً داريا، ومعضمية الشام، والهامة وقدسيا، وتل منين، وخان الشيح. ولم يبق لها في محيط دمشق إلا حي جوبر، والغوطة الشرقية، التي تقلّصت فيها مساحة سيطرة المعارضة خلال العام الحالي. ومن المتوقع أن ينقل النظام وحلفاؤه الجهد العسكري إليها إثر السيطرة على حلب، لإجبار المعارضة على الخروج إلى محافظة إدلب.

 كما لا تزال المعارضة تسيطر على جزء كبير من محافظة درعا جنوب البلاد، ولكنها دخلت بهدنة "غير معلنة" مع النظام، على الرغم من فداحة ما جرى في حلب.

العربي الجديد


اترك تعليق