ارتفاع ضحايا مجزرة القائم في العراق والجبوري يتهم الحكومة ومليشيات النظام السوري تحرق المدينة التاريخية في حلب

By :

قال مجلس محافظة الأنبار غربي العراق إن عدد ضحايا القصف الجوي على مدينة القائم غرب المحافظة ارتفع إلى أكثر من مئة قتيل من المدنيين وعشرات الجرحى، في وقت حمل رئيس مجلس النواب العراقي سليم الجبوري الحكومة المسؤولية عن المجزرة.

وندد الجبوري في بيان له بالغارة الجوية "التي طالت المدنيين العزل في مدينة القائم واستهدفت مراكز تسوق للمواطنين وتسببت في استشهاد وجرح العشرات منهم"، وعدّها "جريمة يجب محاسبة مرتكبيها". وحمل الجبوري "الحكومة المسؤولية عن حدوث مثل هذه الأخطاء"، مطالبا إياها بفتح تحقيق عاجل للوقوف على حقيقة الحادثة.

وارتفع عدد الضحايا المدنيين في مدينة القائم (500 كيلومتر غرب بغداد) إلى أكثر من مئة، حسب مجلس محافظة الأنبار، عدد كبير منهم من النساء والأطفال. في حين قالت وكالة أعماق التابعة لـتنظيم الدولة الإسلامية إن أكثر من 120 مدنيا قتلوا في القصف. وتخضع المدينة لسيطرة تنظيم الدولة منذ أكثر من عامين.

وأشار متحدث باسم مجلس محافظة الأنبار إلى أن "الغارة استهدفت سوقا في ساعة الذروة، وكان هناك متقاعدون يصطفون لقبض رواتبهم، وأشخاص يقبضون رواتب ومدفوعات الضمان الاجتماعي"، وأضاف أن عائلات بأكملها قتلت.

ورغم أن مصادر عسكرية عراقية قالت إن القصف "وقع بطريق الخطأ"، فإن الحكومة العراقية عادت لتقول إن طائرات حربية مجهولة قصفت عصر أمس الأربعاء سوق قضاء القائم -أقصى غرب الأنبار- القريب من الحدود مع سوريا، مما أسفر عن مقتل وإصابة العشرات بينهم نساء وأطفال، حالات بعض منهم حرجة، وتم نقل الضحايا إلى مستشفى المدينة.

من جهته أبلغ النائب عن محافظة الأنبار محمد الكربولي الصحفيين مساء أمس أنه "تم تشكيل لجنة تحقيق من قبل لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي لمعرفة هوية الطائرات التي قصفت المدينة".

بدوره، قال القيادي القبلي في مدينة الحديثة القريبة معاذ الجغيفي إن الغارة شنت من قبل التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة.

لكن المتحدث باسم التحالف الكولونيل جون دوريان قال لفرانس برس "لم نشن غارة على تلك المنطقة في ذلك الوقت". ولم يصدر أي تعليق فوري من قيادة العمليات المشتركة العراقية المشرفة على المعارك ضد تنظيم الدولة.


إلى ذلك سيطرت مليشيات النظام على عدد كبير من أحياء حلب الشرقية الوسطى، الثلاثاء والأربعاء، وأهمها الشعار وكرم الجبل وكرم القاطرجي وما تبقى من حيي كرم الميسر وكرم الطحان وقاضي عسكر وأجزاء واسعة من حي باب الحديد وأقيول وقرلق والمشاطية والألمجي والهزازة وقسطل حرامي وقسطل مشط والبياضة والفرافرة والجديدة وباب النصر وساحة الحطب، وغيرها من المواقع والأحياء المنتشرة في محيط القلعة من الشمال والشمال الشرقي. وباتت المليشيات على تماس مباشر مع مواقع المعارضة في حيي المرجة وباب النيرب، بعدما قضمت أجزاء منهما أيضاً.

ومعظم الأحياء التي سيطرت عليها المليشيات في المدينة التاريخية الواقعة بين ثكنة هنانو وقلعة حلب وميسلون شمالاً، كانت قد انسحبت منها المعارضة خوفاً من أن يتم حصارها، بعد التقدم الكبير الذي أحرزته المليشيات في المحور الرئيسي المتجه نحو القلعة انطلاقاً من دوار قاضي عسكري. ما عنى أن سيناريو التقسيم وعزل الأحياء الوسطى الذي اتبعته المليشيات قد نجح، وحقق أهدافه في إسقاط عدد كبير من الأحياء المُحررة.

المليشيات زجت بأكثر من 10 آلاف عنصر من "حزب الله" و"حركة النجباء" والأفغان و"القوات الخاصة" الروسية ولوائي "الباقر" و"القدس"، توزعوا على أكثر من 15 محوراً، وهاجموا مواقع المعارضة بشكل متزامن، واستخدموا الدبابات والمدرعات بشكل كبير ما مهّد لتقدم كتائب المليشيات الراجلة التي مشطت الأحياء والمناطق التي انسحبت منها المعارضة تباعاً نحو مواقعها في أحياء باب النيرب والمرجة والصالحين وجنوبي القلعة في الكلاسة.

لم تكن خسائر المليشيات كبيرة خلال الساعات ال24 الماضية لأنها لم تشتبك أصلاً مع المعارضة وجهاً لوجه، سوى في بعض الجيوب المقاومة التي آثرت البقاء لتواجه جحافل المليشيات، ومنهم من أسر، ومنهم من قتل بعدما طوقتهم المليشيات وحاصرتهم لساعات مستهدفة مواقعهم بقذائف الدبابات والرشاشات الثقيلة، والقنابل الفردية. وهناك عدد كبير من مقاتلي المعارضة مازالوا يبدون مقاومة عنيفة في حي باب الحديد والأطراف الشرقية من قلعة حلب.

على العكس، كانت خسائر المعارضة المسلحة كبيرة، بعدما فقدت العشرات من مقاتليها بسبب الاستهداف المباشر لمواقعهم وتحصيناتهم بقذائف المدفعية والصواريخ، والغارات الجوية التي نفذتها المقاتلات الحربية والمروحية. المليشيات لم تبقِ حجراً على حجر في المدينة القديمة الأثرية، لاتباعها سياسة التدمير الكامل للمنطقة المستهدفة، وبالتحديد المحور الواقع شمال شرقي القلعة التاريخية.

المعارضة بدت عاجزة أمام التوغل البري للمليشيات، مع فارق النيران المستخدمة، والعدد الكبير من عناصر المليشيات الذين انتشروا على كامل المحاور. الأمر الذي شتت جهد المعارضة، وأثار الفوضى في صفوفها، وانعدم التنسيق، وانقطع الاتصال بين كتائبها. فكان وقع الخسارة صادماً، ولقي عدد من مقاتلي المعارضة مصرعه ولم يتمكن أحد من انتشال جثثهم.

خسارة المعارضة للمدينة التاريخية حدث كبير، إذ كان من المفترض أن تقاوم المعارضة أكثر، نسبة للموقع الجغرافي المتميز والحارات العمرانية المتينة، وشوارعها الضيقة التي تعتبر مسرحاً لمعارك واشتباكات طويلة الأمد من "حرب الشوارع"، وتمنح الطرف المدافع عنها فرصة الاحتماء من ضربات العدو، وشنّ هجمات ونصب كمائن توقع في صفوفه خسائر كبيرة. لكن الذي حدث هو انهيار تام في صفوف المعارضة التي اعتبرت الهزيمة واقعاً لا مهرب منه، وانعكس ذلك بالطبع على أداء معظم مقاتليها.

ولم تقتصر الخسارات المروعة على المعارضة المسلحة، بل طالت المدنيين الذين لم يتمكنوا من الفرار من بيوتهم بسبب القصف المتواصل، وفضلوا الموت في منازلهم على أن تغدر بهم قذائف المدفعية والصواريخ والبراميل المتفجرة في الطرقات. وقتل 50 شخصاً على الأقل، بينهم أطفال ونساء، أثناء نزوحهم عن منازلهم في حلب القديمة، من باب الحديد والألمجي والبياضة وأقيول وقرلق، وغيرها من الأحياء التي تغص بالمدنيين، بسبب نزوح أعداد كبيرة إليها من القسم الشمالي في هنانو ومحيطها نهاية تشرين الثاني/نوفمبر.

وقتلت مليشيات "الدفاع الوطني" و"كتائب البعث" عدداً كبيراً من المدنيين في أحياء المدينة القديمة، بينهم كبار سن ونساء، من أقرباء مقاتلي المعارضة، كما أحرقت منازل وخانات قديمة في المنطقة تعود ملكيتها لمعارضين. واعتقلت مليشيات الشبيحة المدنيين الباقين واقتادتهم إلى أماكن مجهولة. ومهمة مليشيات الشبيحة الرئيسية هي تمشيط الأحياء التي سيطرت عليها مليشيات النظام واعتقال من بقي في بيته. ويزيد عدد عناصر تلك المليشيات على ألفي عنصر معظمهم من حلب.

ويعود التركيز الكبير للمليشيات على جبهات الأحياء المحاصرة بهذا الحجم من العتاد والعنصر البشري، لارتياحها نسبياً، في الجبهات خارج المدينة، التي شهدت هدوءاً شبه كامل خلال الفترة الماضية، من الضواحي الشمالية الغربية في الملاح وكفر حمرة وصولاً إلى ريف حلب الجنوبي في العيس وما حولها، وخان طومان، مروراً بالجبهات غربي المدينة التي كسرت هذا الجمود الثلاثاء عندما بادرت المعارضة فيها بمهاجمة المليشيات في جمعية الزهراء، واستأنفت الهجوم بتفجير سيارتين مفخختين مسيرتين عن بعد. لكن ذلك التحرك كان أشبه بمحاولة يائسة لم تغير في الخريطة شيئاً، ولم تخفف عن مقاتلي المدينة المحاصرين. وبدا ذلك وكأنه اجراء معنوي يوقف النقد الموجه ضد الفصائل في الشارع المعارض في الشمال عامة، مثله في ذلك مثل الرشقات المتواصلة لصواريخ غراد التي استهدفت بها المعارضة بلدات كفريا والفوعة ونبل والزهراء الشيعية، في ريفي حلب وادلب، على مدى الأيام الماضية. قصف لم يثنِ المليشيات عن هدفها في اكمال السيطرة على الأحياء الشرقية المحاصرة.

المعارضة التي لم تعد تسيطر إلا على 40 في المئة من الأحياء الشرقية، وباتت في أصعب حالاتها، وهي مهددة بإبادة جماعية على يد المليشيات الطائفية الموالية للنظام وايران. والتهديد يطال أيضاً أكثر من 120 ألف مدني ما زالوا محاصرين في أحياء بستان القصر وصلاح الدين والكلاسة والفردوس والمشهد والسكري والأنصاري والزبدية والأحياء القديمة جنوبي القلعة والمعادي وباب النيرب والجلوم وباب المقام، وغيرها من الأحياء التي تتعرض بشكل متواصل للقصف العنيف بشتى أنواعه. أحياء باتت هي الهدف المقبل للمليشيات.

وتقدمت المعارضة المسلحة (مجلس قيادة حلب)، الأربعاء، بمبادرة تتضمن هدنة ووقف إطلاق النار، ركزت على بنود منها: هدنة إنسانية فورية لمدة خمسة أيام، وإخلاء الحالات الطبية المستعجلة من المدينة التي يقدر عددها بـ500 حالة، وإخلاء الراغبين من المدنيين بالخروج من الأحياء المحاصرة في حلب إلى ريف حلب الشمالي لا ريف إدلب كونه لم يعد منطقة آمنة بسبب القصف الجوي المستمر لروسيا والنظام، وفق ما أشار المقترح. ومن ثم البدء في مفاوضات بين الأطراف المعنية حول مستقبل حلب، بعد أن يتم انجاز البنود الأولى من المبادرة وإنهاء الملف الانساني.

مقترح "مجلس قيادة حلب" تم إرساله إلى الجانب الروسي في أنقرة عن طريق اللجنة التفاوضية الممثلة لكبرى الفصائل؛ "الجبهة الشامية" و"أحرار الشام" و"فيلق الشام" و"جيش المجاهدين". وكانت اللجنة تفاوض الجانب الروسي خلال الأسبوع الماضي برعاية تركية بشأن حلب. ولم تحقق الاجتماعات أي نتيجة. مصادر خاصة قالت لـ"المدن" إن روسيا لم ترد حتى الآن على المقترح.

الساعات القادمة ثقيلة جداً على المعارضة، فهي من موقع ضعفها لا يمكن أن تملي شروطها على النظام وحلفائه، ومن المؤكد إذا وافق النظام وروسيا عليها فسيتم تعديل الشروط والبنود المقترحة، في ظل استمرار العمليات العسكرية للمليشيات ومحاولتها التقدم وقضم المزيد من الأحياء، وحصار المعارضة في مواقع وأحياء قليلة.

وفي الوقت ذاته، لا تعاني كامل المعارضة المسلحة من انهيار معنوياتها، وتؤكد شريحة واسعة منها أنها ماضية في القتال حتى أخر رمق، لكنها بحاجة لإجلاء الجرحى والمصابين، وتأمين آلاف المدنيين المهددين بالقتل والاعتقال والاغتصاب، على يد المليشيات. ومعظم من بقي من المدنيين في المناطق المحررة هم من المعارضين، ومن المستحيل أن يفكروا بالفرار إلى مناطق النظام لأنهم مطلوبون من الأجهزة الأمنية.

الجزيرة نت - المدن الالكترونية - وكالات


اترك تعليق