أسباب الانحراف الفكري وعلاجه الشامل في الإسلام - دراسة شرعية تحليلية -

By : د. علي القره داغي

 أ.د. علي القره داغي، الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ونائب رئيس المجلس الأوروبي للافتاء والبحوث.

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين .….وبعد

فإن أُسّ البلايا ، وأُمّ الشرور والرزايا تكمن في الانحراف الفكري فهو الينبوع المفجر لكل المفاسد من الضلالة والإرهاب على مرّ التأريخ ، ومنه تنطلق الأفكار الهدامة والعقائد الباطلة ، والتصورات الفاسدة التي تحرك الناس نحو التدمير والتخريب .

ولذلك أولى الله تعالى في كتابه الكريم العناية القصوى بالفكر والتصور الذي يعبر عن عقيدة الإنسان فركزت الآيات القرآنية ، ثم التربية النبويةعلى تصحيح التصورات والأفكار حول القضايا الكبرى ، وهي الخالق ، والمبدأ ، والمنتهى ، والمهمة والرسالة والأهداف ، ثم تنظيم العلاقة بين الإنسان وربه ، وبينه وبين سائر المخلوقات .

فإذا صلح الفكر والتصور فقد صلح التوجه ، وتحرك العمل نحو الهدف المنشود ، وإذا فسد الفكر والتصور فسدت العقيدة ، وأصبح القلب مريضاً ، والروح شريرة ، والنفس أمارة بالسوء.

لذلك كان طلب المجلس الأوروبي للافتاء والبحوث بتخصيص محور حول (ظاهرة الغلو والتطرف في تاريخ المسلمين) كان وجيهاً وفي مكانه ، فكل المصائب والنكبات والانتكاسات والهزائم جاءت من الانحراف الفكري ، كما أن الفكر السليم هو الذي يحرك الأمة نحو أهدافها المنشودة ويحقق الحضارة والتقدم.

لذلك سيكون بحثي حول هذا الموضوع المهم تحت عنوان ( أسباب الانحراف الفكري وعلاجه الشمل في الإسلام ) موضحاً أسبابه ، وعلاجه من خلال التأصيل الشرعي ، والتكييف الفقهي ، والتحليل العلمي .

وأسأل الله أن يكتب لنا التوفيق فيما أصبو إليه ، مستغيثاً به تعالى أن يحقق لنا من الأهداف والغايات المرجوة من هذا البحث والمؤتمر ، ومتضرعاً إليه أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم ، إنه مولاي فنعم المولى ونعم النصير .

كتبه الفقير إلى الله

علي بن محيى الدين القره داغي

الدوحة 01 رجب 1437هـ

التعريف بالعنوان :

يتكون العنوان من ثلاث كلمات نعرف بها ، ثم نعرف بالمصطلح المركب منها :

(1) الأسباب جمع سبب ، وهو لغة : الحبل ، وكل شيء يتوصل به إلى غيره ، وفي التنزيل (وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً فَأَتْبَعَ سَبَباً)[1] ، وبمعنى الطريق المادي والمعنوي باعتباره وسيلة للوصول ، وأسباب السماء مراقيها ونواحيها ففي القرآن الكريم ( لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ …)[2] وأسباب الحكم في القضاء ما تسوقه المحكمة من أدلة واقعية وحجج قانونية لحكمها[3].

وفي الاصطلاح الأصولي : هو ما يكون طريقاً إلى الحكم من غير تأثير ، أو أنه وصف ظاهر منضبط معرف للحكم ، وهناك تفاصيل حوله لاتسمح طبيعة البحث بالخوض فيها[4] .

والمراد بالأسباب هنا : كل ما له دور في صناعة الانحراف الفكري سواء كان سبباً مباشراً أم غير مباشر ، وسواء كان تنطبق عليه شروط السبب في علم أصول الفقه أم لا .

(2) الانحراف مصدر انحَرَفَ بمعنى مال عن الاعتدال ، وأصله من حَرَفَ عنه حرفاً أي مال وعدل عنه ، ويقال : حَرَفَ الشيء عن وجهه أي صرفه ، وحرّف الكلام أي غيّره لفظاً وصياغة أو معنى ، أو هما معاً ومنه قوله تعالى في وصف اليهود : (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ ..)[5].

(3) الفكر لغة من فَكَرَ في الأمر فكراً أي أعمل العقل فيه ورتب بعض ما يعلم ليصل به إلى معرفة مجهول ، وفكّر في الأمر مبالغة فكر ، وفكَّر في المشكلة تفكيراً أي أعمل عقله فيها ليتوصل إلى حلّها ، فهو مفكر ، وافتكر : تذكر ، وتفكر في الأمر : أعمل عقله فيه ، والفكَر — بفتح الكاف– بمعنى الحاجة فيقال : ليس لي في هذا الأمر فكر ، أي حاجة[6] .

والفكر في الاصطلاح لا يخرج معناه عن المعاني السابقة ، فهو إعمال العقل للوصول إلى معرفة مجهول ، أو حل مشكلة ، أو التوفيق بين المفاهيم الفلسفية والمفاهيم الدينية[7] .

إذن فإن عملية التفكير ، والفكر نشاط عقلي ، وفهم وتصورات تختلف من شخص إلى آخر ، ومن جماعة إلى أخرى.

والأفكار لها أنواع كثيرة ، منها الفكر المادي ، والفكر الديني ، والفكر العلماني ، والفكر الاصلاحي … الخ ، ولا تسمح طبيعة البحث بالخوض فيها[8] .

المراد بالعنوان :

وبتعريف الكلمات الثلاث اتضح لنا المراد بعنوان البحث ، حيث إن البحث يسعى لبيان كل ما يؤدي إلى ميل العقل عن الحق ، ولا سيما في مجال الارهاب والغلو والتطرف.

أنواع الانحراف الفكري:

تبين لنا أن الانحراف الفكري يشمل جميع أنواع ميل العقل عن الحق والعدل والمنهج الوسطي الإسلامي إفراطاً وتفريطاً ، وبالتالي فهو يشمل ما يأتي :

أولاً- الانحراف العقدي ، حيث يقع هذا النوع في أولى درجات الانحراف وهو أمّ الانحرافات الأخرى ، ولهذا الانحراف العقدي مراتب ودرجات حسب التسلسل الآتي :

(1) مرتبة الكفر بمعناه الشامل ، وتشمل :

أ– الإلحاد ، وعدم الايمان بالله تعالى .

ب– الارتداد عن الإسلام والخروج منه خروجاً كاملاً .

ج– الشرك بالله تعالى وعبادة غيره من الأوثان كما هو الحال في الوثينيين وعبدة الأصنام ، ونحوهم من المشركين.

والتحقيق أن هذه الأنواع الثلاثة بمثابة درجة واحدة ، أو أنها متقاربة جداً من حيث الخطورة .

د– الانحراف المتعلق بعقيدة بعض أهل الكتاب من اليهود والنصارى مما ذكره القرآن الكريم من التثليث وتعظيم البشر ، والصفات غير اللائقة لربّ العالمين ، كل ذلك انحراف خطير يجعل من يؤمن به خارجاً عن الصراط المستقيم صراط الأنبياء والمرسلين.

(2) مرتبة الانحراف الذي يخرج صاحبه عن المنهج الوسط المعتدل ، ولكن لا يخرجه عن الملة والإسلام ، وهذا الانحراف يشمل — كما قال أبو يوسف بن أسياط– : أصول البدعة في العقيدة ، وهي : الخوارج : والروافض ، والقدرية ، والمرجئة[9] .

ويدخل في عالمنا المعاصر الجماعات المتطرفة المنتسبة إلى الإسلام مثل القاعدة ، وداعش ، ونحوهم من التكفيريين ، وكذلك الجماعات المتطرفة الشيعية ، والعلمانيون الذين يصلون ويصومون ولكنهم لديهم غبش كثير حول الحكم بما أنزل الله.

ثانياً- الانحراف الخلقي والسلوكي ، فمن رحمة الله تعالى بعباده أنه لم يجعل ترك العبادات وفعل المنكرات كفراً ما دام الإيمان بالله تعالى وبما أنزله قائماً فقال تعالى : (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً)[10].

تحديد مجالات البحث :

ونحن في هذا البحث نركز على الانحراف الفكري المرتبط بالانحراف عن المنهج الوسط ، والغلو الخاص بالجماعات المتطرفة التي عاثت في الأرض فساداً ، وملأت الأرض دماءً فذبحت وقتلت من المسلمين الكثير والكثير ، ولا يتورعون في التفجيرات التي تؤدي بقتل آلاف من النساء والأطفال والأبرياء الذي اشتهروا في عصرنا الحاضر بالارهابيين .

وذلك لأن مصطلح (الانحراف الفكري) واسع جداً ، ولا يمكن أن يقوم بحث واحد ببيان جميع أنواعه مع الأحكام ، ولذلك خصصناه بما هو الأهم المعاصر .

أسباب الانحراف الفكري :

فقد اختلفت وجهات نظر الباحثين والسياسيين في أسباب الانحراف الفكري ، فمنهم من يرجعها إلى أسباب اقتصادية من الفقر والبطالة ، ولكنها تضعف وجاهة هذا السبب بأن الانحراف الفكري ليس بين الفقراء والعاطلين فقط ولا في الدول الفقيرة فحسب ، وإنما يشمل الأغنياء والدول الغنية أيضاً ، فكان أول تطرف فكري مصحوب بالعنف المفرط ظهر بشكل سافر في العقود الأخيرة كان في جماعة جهيمان الذين احتلوا الكعبة المشرفة وأراقوا فيها الدماء في الأول من شهر المحرم الحرام عام 1400هـ فاعتدوا على حرمة المكان والزمان وفي دولة ترفع شعار التوحيد وتطبيق الشريعة ، ولم يكن دافعهم القضية الاقتصادية وإنما كان السبب الفهم الخاطئ ، وكذلك جماعة التكفير والهجرة التي نشأت داخل السجون المصرية ، ولم تظهر بسبب الفقر وحده ، بل بسبب الظلم والتعذيب والفكر الخاطئ أيضاً.

وتأريخياً فإن الخوارج ظهرت جذورها في عصر الرسالة ، ولا يعود سببها إلى الفقر ، أو الاقتصاد ، وكذلك الفرق الضالة ، نعم يمكن القول بأن رؤوس الضلالة يستغلون الفقر لتجنيد الشباب وتوسيع دائرة ضلالتهم .

ومنهم من أرجع ذلك إلى أسباب تروبوية أو نفسية أو اجتماعية أو فكرية ، أو نحو ذلك .

ولكن التحقيق هو النظرة الشمولية إلى الأسباب ، بأن كل هذه الأسباب وغيرها كان لها دور في إيجاد التطرف الفكري وتوسيع دائرته[11] ويمكننا أن نقسم هذه الأسباب إلى قسمين : أسباب داخلية داخل الجماعات المتطرفة أنفسها ، وأسباب خارجية .

فأما الأسباب الداخلية فهي :

السبب الأول : التربية الدينية الخاطئة السائدة في المجتمع : في البيت والمدرسة والجامعة والجامع ( أي البيئة الصانعة والحاضنة) :

درستُ الجماعات المتطرفة في عصرنا الحاضر مثل القاعدة ، وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وقبلهما الخوارج ، ثم جماعة جهيمان (الجماعة السلفية المحتسبة بالمملكة العربية السعودية) في بداية القرن الخامس عشر الهجري الحالي ، وجماعة التكفير والهجرة في ستينيات القرن العشرين الميلادي ، وأواخر القرن الرابع عشر الهجري ، فوجدت أن أصولهم الجامعة هي التكفير لعامة المسلمين ، فاستحلال دمائهم وأموالهم ، ثم التفجير والتدمير ، وأن السبب الأساسي الأول هو التربية الدينية المبنية على أسس خاطئة من الإفراط والتفريط ، والبيئة الحاضنة التي لها دور في نشأة الإنسان سلباً وإيجاباً فقد أشار القرآن الكريم إلى دور المكان (البيئة) في نشأة الإنسان ، فقد ذكر سيدنا يوسف عليه السلام مكان إخوانه الذين أساؤوا إليه ، ثم كذبوا بأنه شرّ مكاناً عندما فقالوا: ( إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً وَاللّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ)[12] ، بل إن الله تعالى وصف أهل الضلالة في سورة الفرقان بهذا الوصف فقال تعالى : (الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ) [13] كما بيّن أنهم سيعلمون من هو شرّ مكاناً فقال تعالى : (قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً)[14] ، ووصف الله تعالى في سورة المائدة الملعونين والمغضوب عليهم وعبدة الطواغيت بقوله :( قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَـئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ)[15] ، فهذه الآيات الأربع في مناسبات مختلفة تدل بوضوح على الدور المؤثر ، للمكان ، والبيئة الحاضنة في الضلالة والانحرافات الخطيرة ، أو في الالتزام بالمنهج القويم والصراط المستقيم.

والمراد بالمكان ليس الأرض من الناحية الجغرافية ، وإنما المقصود هو من يسكنها من الناس المصلحين ، والصالحين والأبرار ، أو الطالحين والمسيئيين والمفسدين الأشرار ، وكذلك الأصدقاء ، والبيئة الاجتماعية ، والأسرة والمجتمع ، والمحيط الذي يدور فيه الفرد ، أو الجماعة.

فهذه البيئة — بصورة عامة — بهذا المعنى هي الحاضنة والمربية للأفكار والتصورات والسلوكيات إلاّ ما شاء الله تعالى ، وبالمقابل فإن تغيير البيئة والمكان سلباً أو إيجاباً ، خيراً أو شراً ، هداية أو ضلالة ، إفراطاً وتفريطاً أو وسطاً … هو المطلوب شرعاً وعقلاً مهما كلفنا الوقت والعمل فقال تعالى : (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ)[16] وقال تعالى :( ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)[17].

ومن المعلوم من الناحية الدينية والعلمية والنفسية أن تغيير البيئة الحاضنة للكفر والضلال ، والفساد والشرور والجرائم ، إلى البيئة الحاضنة والمربية للخير والهداية والمنهج الوسط يحتاج إلى جهد كبير ، ومنهج سليم ، ورؤية واضحة ، وأهداف سامية وبرامج ومشاريع عملية وأدوات ووسائل منتقاة ، ورجال صادقين مخلصين مضحين ، وزمن قد يستغرق عقوداً إلاّ في حالات خاصة تكون الأمة مستعدة ويرسل لها رسولاً فيقوم بتغييرها من خلال التربية والتزكية وتوجيه العقل نحو الحكمة ، ويقودها بسرعة إلى العزة والنصر والتمكين.

ومن الناحية العملية أن الانحراف يتحقق عندما يضعف الإيمان الحقيقي والعقيدة الصحيحة ، ويغيب المنهج الصحيح ، وحينئذ يتمكن الشك فيما سبق ، وتدفع العواطف والمؤثرات الخارجية نحو التطرف والانحراف.

والشباب ثلاثة أنواع :

(1) نوع قد تمكنت لديه العقيدة الصحيحة والمنهج الوسطي المعتدل ، فهذا النوع يصعب على الانحراف التأثير عليهم إلاّ نادراً وبمشيئة الله .

(2) نوع آخر غضٌّ قلبه طريٌّ فكره ، لم يبذل أي جهد لتثبيت العقيدة الصحيحة والمنهج الوسط المعتدل ، فهذا النوع إن سبق إليه قادة الفكر الانحرافي سيؤثرون فيه إلاّ ما شاء الله من خلال الظروف الخاصة وتفكيك قيم الوسطية.

وللحق أقول : إن هذا النوع كثر وهو دليل أيضاً على تقصير الدعاة والمؤسسات التعليمية والتربوية ، والمساجد والإعلام.

(3) نوع ثالث لديه الخلط والشك ، واصطياد هذا النوع من قبل دعاة الضلالة أيضاً سهل ، وهذا النوع أيضاً يتحمل المجتمع ووسائله مسؤوليته من خلال عدم القيام بالواجب المطلوب نحوهم.

السبب الثاني : القهر السياسي وتعذيب الدعاة ، والاستبداد والدكتاتورية التي منعت حرية الآراء والأفكار ، وقمعت المعارضين بالقوة والسلاح ، وأنواع التعذيب وألوان الأذى ، والسجون التي خرجت عن دائرة كرامة الإنسان وحقوقه ولذلك نرى أن أول فكر متطرف ظهر في سجون عبدالناصر عندما قبض على الشباب المسلم بالآلاف وعذبوا بصنوف العذاب ، وأوذوا بانواع الأذى ، واستمعوا إلى كلمات السب والشتيمة ، والقذف والكفر من زبانية السجون ، حيث ظهرت جماعة التكفيرة والهجرة بقيادة مصطفى شكري التي قامت على تكفير المجتمع إلا من يؤمن بالمبادئ التي حددتها ، وبوجوب الهجرة من دار الكفر ( أي التي لا تحكم الدولة فيها بالشريعة) إلى دار الإسلام ، فالاستبداد دائماً يولد العنف لدى الآخرين ، ويجعلهم لا يفكرون في وضح النهار ، وإنما في جنح الليل وفي الظلام الدامس وفي الأماكن السرية فتنمو الأفكار المتطرفة في هذه الأجواء الكابتة.

فقد منعت الدعوة الإسلامية أن تقوم بعملها جهراً ، فاضطرت للعمل السري ، بل رأى الشباب المسلم حينما سجن كيف يعذب الدعاة بألوان من الإيذاء والعذاب ما تقشعر من ذكره الأبدان ، وما يشيب من هوله الولدان ، فقد شويت الأجسام الغضة بالكرابح شياً ، وكويت بالنيران وأعقاب السيكاير كياً ، وعلق الرجال من أرجلهم كما تعلق الذبائح يتناوبهم الجلادون واحداً بعد الآخر ، كلما تعب أحدهم أخذ منه الجلاد الآخر ، حتى يصير الجسد كومة من الدم والقيح والصديد ، وكم من أناس سقطوا شهداء تحت العذاب لم يرقّ لهم ولم يعبأ لهم القساة الجبارون الذين لم يخشوا خالقاً ولم يرحموا مخلوقاً ، ولم يفكروا في محاسبتهم .

لقد استخدم في حق الشباب والدعاة المسجونين كل ما عرفته النازية والفاشية والشيوعية وزادوا على ذلك بأساليب ابتدعوها في إيذاء الأبدان ، وتعذيب النفوس وسل الأمخاخ ، وإهدار الآدمية[18] في الوقت الذي كان أهل الباطل يمرحون ، وأهل الفسق والفجور والمجون يكرمون.

في داخل هذا الأتون لتعذيب البشر ولد التطرف عملاقاً ، وظهر التكفير جهاراً ونهاراً ، حيث ظهرت جماعة التكفير والهجرة داخل السجون ، ورد عليهم الأستاذ الهضيـبي في كتابه ( دعاة لا قضاة ) حيث بدأ هؤلاء المعذبون بسؤال بسيط لأنفسهم : لماذا هؤلاء يعذبوننا هذا العذاب الأليم ؟ لِمَ كل هذا التعذيب ؟ وأي جريمة اقترفناها غير أننا قلنا ربنا الله ومنهجنا الإسلام ودستورنا القرآن فوصلوا إلى الحكم بأن هؤلاء الوحوش الكاسرة التي نهشت لحومهم كافرة وأن هؤلاء الحكام من ورائهم الذين لا يحكمون بما أنزل الله بل يعذبون من يطالب بذلك …. كفار فسقة فجرة …….. هكذا تأصل التكفير والتطرف ، وهنا تمكن الانحراف الفكري ، وترسخت مقولاته.

وقد سجل الشيخ يوسف القرضاوي الذي سجن في هذه السجون هول هذه السجون في قصيدته النونية ، ننقل منها ما يلي :

ثارَ القريضُ بخاطري فدعوني *** أفضي لكمْ بفجائعي وشجوني

فالشعرُ دمعي حينَ يعصرني الأسى *** والشعرُ عودي يومَ عزفِ لحوني

كم قال صحبي: أين غرُّ قصائدٍ *** تشجي القلوبَ بلحنها المحزونِ؟

وتخلّد الذكرى الأليمةَ للورَى *** تُتلى على الأجيالِ بعدَ قرونِ

صَوَّرتُ فيها ما استطعتُ بريشتي *** وتركتُ للأيامِ ما يعييني

ما هِمْتُ فيها بالخيالِ فإنَّ لي *** بغرائبِ الأحداثِ ما يُغنيني

أحداثِ عهدِ عصابةٍ حكموا بني *** مصرٍ بلا خُلق ولا قانونِ

أنستْ مظالِمُهُمْ مظالمَ مَن خلَوْا *** حتّى ترحمَنا على نيرونِ

يا سائلي عن قصتي اسمعْ إنها *** قَصصٌ مِن الأهوالِ ذاتُ شجونِ

أَمْسِكْ بِقَلْبِكَ أنْ يطيرَ مُفَزَّعًا *** وتولَّ عن دُنياكَ حتى حينِ

فالهولُ عاتٍ والحقائقُ مُرةٌ *** تسمو على التصويرِ والتبيينِ

والخطبُ ليس بخطبِ مصرٍ وحدَها *** بلْ خَطْبُ هذا المشرقِ المسكينِ

في كلِّ شبرٍ للعذابِ مناظرٌ *** يَندى لها –واللهِ- كلُّ جَبينِ

فترى العساكرَ والكلابَ مُعَدَّةً *** للنهشِ طوعَ القائدِ المفتونِ

هذي تَعَضُّ بِنابِها وزميلُها *** يَعْدُو عليكَ بِسَوْطِه المسنونِ

ومضتْ عليَّ دقائقٌ وكأنَّها *** مما لقيتُ بِهِنَّ بِضْعُ سِنينِ

بالرِّجل بالكرباج باليد بالعصا *** وبكل أسلوب خسيس دُونِ

لا يرحمون الشيخ وهو محطم *** والظهر منه تراه كالعرجونِ

لا يشفقون على المريض وطالما *** زادوا أذاه بقسوة وجنونِ

كم عالم ذي هيبة وعمامةٍ *** وطئوا عمامته بكل مجونِ

قل للعواذل: إن رميتم مصرنا **** بتخلف التصنيع والتعدين

مصر الحديثة قد علت وتقدمت **** في صنعة التعذيب والتقرينِ!

السبب الثالث: الجهل المركب وعدم الفقه في الدين وسنن الله تعالى :

أي أن الشخص في حقيقته جاهل ، ولكنه يجهل أيضاً أنه جاهل ، أو بعبارة أخرى أنه يظن أنه قد بلغ مرتبة الاجتهاد ، فيجتهد ، ولكنه في الحقيقة هو لم يبلغ تلك الدرجة ، وقد نبه على ذلك الإمام الشافعي حيث جعل أول أسباب الابتداع والاختلاف المذموم المؤدي إلى تفرق الأمة شيعاً وجعل بأسها بينها شديداً : أن يعتقد الإنسان في نفسه ـ أو يعتقد فيه ـ أنه من أهل العلم والاجتهاد في الدين ، وهو لم يبلغ …. فتراه آخذاً ببعض جزئيات الشريعة في هدم كلياتها ، حتى يعبر منها ما ظهر له بادي رأيه من غير إحاطة بمعانيها ، ولا رسوخ في فهم مقاصدها ، وهذا هو المبتدع ، وعليه نبه الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يقبض الله العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا )[19].

ويدخل في هذا الباب ما يأتي:

1– الأخذ بشكل النص وظاهره دون مقاصده وعلله ومآلاته ومناطه وبالتالي عدم التفقه في النصوص الشرعية ، مع أن رعاية المآلات والنتائج معتبرة في هذه الشريعة باتفاق الراسخين في العلم ويدل عليه الحديث الصحيح المتفق عليه بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقتل رأس المنافقين مع أنه قال :(لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ)[20] وعلل الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله : (لا يتحدث الناس : أن محمداً يقتل أصحابه) [21].

2– ضعف المعرفة بالتأريخ وعدم الفقه بسنن النصر والهزيمة ، والجهل بسنن الكون والحياة والأمة ، وسنة التدرج وسنة الأجل المسمى ( أي الوقت المناسب ) .

3– اتباع المتشابهات وترك المحكمات والتباس المفاهيم ، والاشتغال بالمعارك الجانبية عن القضايا الكبرى ، قال عمر رضي الله عنه : ( سيأتي أناس يأخذونكم بشبهات القرآن ، فخذوهم بالسنن ، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله)[22] .

4– المبالغة في التوسع في دائرة البراء ، والتضييق في دائرة الولاء .

5– تبني فكرة التكفير أو التضليل للمخالفين من الفرق الإسلامية الذين لهم تأويل سائغ — حتى ولو لم يكن الراجح في نظر الآخرين — مثل الأشاعرة ، والماتردية الذين يمثلون جماهير الأمة خلال عشرة قرون ، وكذلك الحكم بالكفر أو التبديع للجماعات المعاصرة مثل : جماعة الدعوة والتلبيغ ، والإخوان ، والسروريين ونحوهم ، أو الكفر لمن لم يحكم بما أنزل الله على العموم والاطلاق.

6– الاعتماد على بعض الآيات أو الأحاديث ، وترك ما سواها، مع أن منهج السلف الصالح هو جمع الأدلة كلها ثم استخراج الحكم منها ، فقد ورد بسند صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع جماعة من الصحابة تماروا في آية من القرآن الكريم ، حتى ارتفعت أصواتهم ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضباً قد احمرّ وجهه ، يرميهم بالتراب ، ويقول : (مهلاً يا قوم ! أبهذا أهلكت الأمم من قبلكم ، باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتب بعضها ببعض ، إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضاً ، بل يصدق بعضه بعضاً ، فما عرفتم منه فاعملوا به ، وما جهلتم منه فردّوه إلى عالمه) [23].

ولذلك كان علماء السلف يوصون ، بهذا العالم الرباني الربيع بن خثيم يقول تلميذه : ( يا عبدالله ! ما علمك الله في كتابه من علم فاحمد الله ، وما استأثر عليك به من علم فكِلْهُ إلى عالمه ، ولا تتكلف ، فإن الله عزّوجل يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم : (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ)[24].

7– الاسراف في إطلاق التحريم في الفتاوى ، والتشدد في الأحكام ، والتساهل في تجريح الآخرين ، وتفسيقهم بل وتكفيرهم .

فقد حدثني أحد الأساتذة في جامعة الكويت فقال : لقد ناقشني أحد الطلبة في الجامعة فقال : إن الشيخ ( أحد الدعاة الكبار المعروفين ) يكفر بسبعة عشر خطأ ، ويفسق بستين خطأ ، فقلت له : هل يمكن سردها ؟ ، قال : فبدأ بسردها واحداً تلو الآخر ، فقلت: هل كان منهج السلف هكذا؟! لو حفظت بدل هذا آيات ، أو أحاديث ، أوما كان أحسن لك ؟! .

السبب الرابع : ترأس الجهال الضلال :

وهذا ما أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح يرويه الإمام البخاري ومسلم ويرهما بسندهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يُبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً ، فسئلوا فأفتوا بغير علم ، فضلوا وأضلوا)[25] ، وهؤلاء الرؤوس الجهال في الفقه العميق وعلم أصول الفقه والمقاصد لهم قدرة على تضليل هؤلاء الشباب باستعمال إثارة العواطف الجياشة لدى الشباب من خلال خلال تضخيم دور هؤلاء الرؤوس وأهميتهم وإسقاط بقية العلماء في أعين الشباب وتشويه الصراعات والتوتر الدائم والإعجاب بهؤلاء الرؤوس الضالة للوصول إلى التقليد الأعمى وتعطيل العقل.

السبب الخامس : الفقر والبطالة ، والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية ، حيث إن لهذه الأمور دوراً ، يشتغلها أصحاب الفكر المنحرف لزرع الكراهية ، ولكسب الشباب المحتاج .

وأما الأسباب الخارجية للانحراف الفكري ( أي خارج جماعة المتطرفين ) فتعود إلى ما يأتي :

1 ـ غربة الإسلام في ديار الإسلام ، حيث يرى المسلم في دار الإسلام أن الفساد يستشرى والباطل يتبجح ، والعلمانيين يبوحون بكل ما يريدون ، والخمر تشرب ، والفواحش ترتكب جهاراً ، والأفلام الداعرة تنشر ، والمسرحيات والتمثيلات تتال من الإسلام ناهيك عن استعراضها للفساد والمتبرجات …..

ويرى المسلم أن معظم الدول بنص دستورها علىالإسلام ، في حين لا يطبق شرع الله في معظم مجالات الحياة ن بل تقنن قوانين تبيح ما حرمه الله من الخمور والزنا ونحوها ، ومن جانب آخر يرى أن معظم الحكام لا يولون عنايتهم الخالصة بقضايا الأمة ن بل خائضون في ملذاتهم ولهوهم في حين أن الشعوب المسلمة في محن ومصائب ومشاكل وفي فقر ….؛ كما يرى الظلم الاجتماعي على أشده ، وأن استغلال المناصب للإثراء بدون سبب مشروع ، فاللصوص الكبار يتمتعون بالحرية والتكريم واللصوص الصغار قد يتعرضون للعقاب .

فالشاب المسلم الملتزم حينما يرى هذا التناقض الغريب إذا لم يكن لديه الفقه المكين يتجه نحو التشدد وتكفير المجتمع .

2 ـ الهجوم العلني على الإسلام ، وإعلان الحرب ضده دون عناية من معظم الحكام بهذه الهجمات الخطيرة .

3 ـ مصادرة حرية الدعوة وعدم افساح المجال للدعوة والدعاة حيث إن الحديد لا يفله إلاّ الحديد ، فلو كان هناك مجال للدعوات الإسلامية المعتدلة كان بوسعها إقناع الشباب بالمنهج الوسطي المعتدل .

4 ـ الكيان الصهيوني واحتلال قبلة المسلمين الأولى ، من أهم أسباب الانحراف الفكري ، فالتطرف والعنف والإرهاب وجود العدو الصهيوني على الأراضي الفلسطينية العربية المسلمة ، وما تعبث فيها من تقتيل وتشريد دون رعاية لهذه الأمة ، ولا احترام لأي قرار للأمم المتحدة ، ومع ذلك يقف معهم العالم الغربي وبالأخص أمريكا ، وأن معظم الدول العربية والإسلامية تقف بين متفرج ، ومتعاون ومتآمر وبين عاجز .

يعود الصراع الحاد داخل العالم الإسلامي إلى الاتيان باليهود وزرعهم في فلسطين ، ثم احتلالهم لها باسم الدين ، حيث تعتقد اليهود أن فلسطين كلها أرض الميعاد هي أرضهم المقدسة وأن هجرتهم إليها تعبير عن إرادة الله ، معتمدين على التلمود الذي يعتبر فلسطين نقطة الارتكاز للسيطرة على العالم ، لأنها هي قطب العالم الذي يجب أن تقوم فيه الدولة العبرية ، واستطاعت الصهيونية العالمية من خلال مؤتمراتها وبالأخص مؤتمر بازل في عام 1897م أن تستغل العاطفة الدينية الكامنة لدى اليهود وتسخيرها لخدمة مطامعها السياسية الاستعمارية حتى أصبحت أرض الميعاد من أهم أسس الصهيونية ومقوماتها ، وتمسكت بالوعود التوراتية لأرض الميعاد وحدودها والتوسع فيها ، حيث يقول بن غوربون في الكتاب السنوي لعام 1951 : ( الآن فقط وبعد سبعين سنة من كفاح الرواد استطعنا أن نصل إلى أول استقلالنا في جزء من وطننا العزيز ) لم يكتف بذلك بل دعا إلى التوسع معتمداً على نصّ من التوراة يخبرهم بأن (كل مكان تدوسه بطون أقدامكم يكون لكم)[26] ، وقال ليفي أشكول رئيس وزراء إسرائيل الأسبق ( لا يزال هناك عشرون ألف كيلو متر من فلسطين القديمة لم نضع أيدينا عليها حتى الآن)[27]، وقد فسر إيريك رولو المحرر السياسي لصحيفة اللوموند الفرنسية في عدد صادر قبيل عدوان حزيران 1967 ( قول أشكول بأنه يقصد أن جزءاً من العراق وسوريا ، وكافة الضفة الغربية وشرق الأردن هي أجزاء فلسطين القديمة التي يحلم أشكول أن يضع يده عليها )[28].

علاقة الكيان الصهيوني بالانحراف الفكري :

والمقصود بذلك أن احتلال الأراضي الفلسطينية من قبل الصهاينة أدى إلى انفجار الوضع في فلسطين التي كانت آهلة بسكانها الفلسطينيين فنشب الصراع الدموي بين الطرفين ، واستعملت اليهود كل الوسائل القاسية والإرهابية لطرد الفلسطينيين وبناء المستعمرات ، وإحلال اليهود مكانهم ، ونشأت من ذلك عصابات صهيوينة عاثت في الأرض فساداً ونشرت الرعب بين الآمنين .

إن المشروع الصهيوني يقوم على إبقاء القوة لدولة إسرائيل وإضعاف المشروع الإسلامي الذي يعد الوحد القادر على مقاومته ، حيث أثبتت التجاري أن المشاريع العلمانية والقومية والشيوعية لم تستطع أن تواجه المشروع الصهيوني ، بل انهزمت ، وسقطت قواها منذ حرب 6 حزيران ، وأن الحظر الداهم على مرّ التأريخ يأتي من الاسلام والمسلمين لذلك يقوم المشروع الصهيوني على التفكيك للحكومات بتقسيم المقسم ، وتجزأة المجزأ ، وبالتفريق والتمزيق للشعوب المسلمة ، والاضطرابات والفوضى الهدامة ، ولذلك يبذل المشروع الصهيوني كل إمكانياته المتاحة لتحقيق تلك الأهداف.

وإنه مما لا ريب فيه أنه لا توجد وسيلة لتمزيق الأمة أخطر من الانحراف الفكري ، ولذلك يبذل الصهاينة ومن معهم كل جهدهم لتحقيق هذا الهدف الخطير ، من خلال وسائل الإعلام المتنوعة ، ومن خلال مناهج التربية والتعليم في المدارس والمعاهد والروضات والجامعات ونحوها ، ومن خلال الاختراقات الخطيرة للفكر ولبعض الجماعات .

إن مما لا يخفى على أحد أن هذه الأفكار التي مزقت الأمة لم تنبع داخل العالم العربي والإسلامي ، وإنما جاءت من الخارج ، يقول برنارد لويس وهو أحد قادة الاستشراف والفكر التغريبي : (إن العالم العربي والإسلامي لم يكن يعلم عن القومية كأيدلوجية إلى منتصف القرن التاسع عشر ولكن الغرب هو الذي أصدرها إلى العالم الإسلامي ، وساندها النصارى في العالم العربي واليهود في تركيا فنشأ الصراع بين القومية الطورانية ، والقومية العربية وساندت الأخيرة بريطانيا وفرنسا بدعمها للثورة العربية الكبرى ، فأدى إلى سقوط الدولة العثمانية)[29] إن وجود الكيان الصهويني في قلب العالم العربي والإسلامي هو بمثابة جرثمومة تعمل ليلاً ونهاراً للقضاء على كل ما يجمع الأمة ، ويحقق لها الخير والحضارة والتقدم.

5. التآمر على ثورات الشعوب التي انتفضت وثارت ضد الدكتاتورية والاستبداد وحكم العسكر في تونس ، ومصر ، وليبيا ، واليمن ، وسوريا حيث رأينا أن جماعة القاعدة قد ضعفت ولم يسمع لها صوت يقبل بين جماهير الأمة والشباب أيام انتصار الثورة في تونس ، ومصر ، وليبيا ، واليمن ، إذ رأوا في البداية أن الثورات السلمية تستطيع تغيير الحكام المستبدين ، وبالتالي فلا حاجة ولا مبرر لاستعمال القوة ، لذلك لم نسمع للقاعدة أي دور في سوريا وغيرها .

ولكن عندما أفشلت ثورات الربيع العربي بالصورة التي رأيناها من القتل والحرق للآلاف ، والسجن لعشرات الآلاف مع التعذيب ، والاعتداء على الأعراض أصاب الشباب إحباط كبير من السلمية فبدؤا — مع الأسف الشديد — يقتنعون بمقولات القاعدة وداعش بأن السلاح والقتل هو الحل ، فقويت القاعة في سوريا ، وظهرت داعش فيها وفي مصر والعراق والتفت حول رايتهم عشرات الآلاف ، فداعش في سوريا صنعها نظام بشار الأسد مباشرة وتسبباً ، وفي العراق صنعها نوري المالكي ، بل ترك لها أربع فرق عسكرية كاملة العتاد والعدة لتحتل بذلك داعش ثلث العراق ، بما فيها أكبر محافظة عراقية بعد بغداد وهي محافظة نينوى ، وغنمت داعش ألاف الدبابات والمدرعات والأسلحة متطورة ، وحتى الطائرات .

آثار الانحراف الفكري :

إن آثار الانحراف الفكري كثيرة جداً ، ونذكر هنا أهم آثارها الخطيرة :

1– الغلو والتطرف في الأفكار والأقوال ، والتشدد والتعسير في الأحكام والفتاوى .

2– إرهاب الآمنين وترويعهم ، بل قتلهم وحرقهم ، بل كثرة القتل والهرج والمرج.

3– إحداث الفتن بين الأمة الإسلامية وإضعافهم بها ، وبالتالي طمع الأعداء وتمدد مشاريعهم للقضاء عليهم — كما نشاهد — .

4– صناعة الفوضى الهدامة لأمتنا ، والخلاقة لأعدائنا — كما نرى — .

العلاج :

إن العلاج الناجع للانحراف الفكري — كأي مرض — يكمن في علاج أسبابه علاجاً شاملاً من خلال ما يأتي :

أولاً- علاج التربية الدينية الخاطئة بالتربية الدينية الصحيحة ، والبيئة الحاضة للانحراف الفكري بالبيئة الحاضنة للفكر الصحيح المتنور ، والمنهج الوسط المعتدل في العقيدة والعبادة ، والقيم والسلوك ، والتربية على قيم الرحمة والرأفة والرقة والحلم والأناة والصبر ، ونحو ذلك مما أفاض فيه الإسلام وامتاز به بشكل فريد ، ونوجزه فيما يأتي:

1ـ إصلاح الجانب العقدي والفكري :

أصابت الأمة الإسلامية في قرونها الأخيرة أمراض تتعلق بعقيدتها وفكرها حيث ظهرت الخرافات والشركيات والاستعانة بالجن والشياطين ، وطلب الواسطة بين العبد وربه بمختلف الوسائل ، كما ضعف الولاء لله تعالى ولرسوله وللمؤمنين ، وقوي نحو الأعداء والمستعمرين والمحتلين ، وفقامت حركات جهادية في معظم العالم الإسلامي ضد المحتلين فأخرجوهم عسكرياً ، ولكن بقيت قوانينهم وهيمنتهم في معظم البلاد .

وفي علاج الخرافات والشركيات ظهرت حركات استم بعضها برد الفعل الشديد فوسعت دائرة التكفير ودائرة البراء لتشمل كثيراً من الفرق والطوائف والجماعات التي تختلف في موضوع الصفات على أساس التأويل.

فإذا أردنا العلاج الفكري والعقدي فعلينا أن نحدد الثوابت القواطع في مجال العقيدة التي هي مما عرف في الدينب الضرورة ، ونجعل ما عداها من الاجتهادات وإن كان مرجوحة ، وبالتالي فلا يجوز الحكم بكفر قائلها ، وأن نُرسخ في الأذهان أن النصوص المتعلقة بالعقيدة ليست جميعها من الأصول القطعيات ، بل هي مثل بقية النصوص فيها الظنيات القابلة للتأويل والاستنباط المتعدد.

2– التركيز في تربيتان الدينية على أن الإسلام دين الرحمة للناس كافة ، بل للعالم أجمعين ، فإذا كان الإرهاب بمعنى تخويف الآخرين قد ورد في القرآن الكريم مرة واحدة ، فإن لفظ ( الرحمة ) ومشتقاتها قد تكررت في القرآن الكريم مئات المرات حيث أولى الإسلام عناية منقطعة النظير بالرحمة والعدالة والمعاني الإنسانية حتى لا نرى مثلها في أي نظام ، أو دين آخر ، ويكفي أن نرى القرآن الكريم يكرر لفظة ( رحم) ومشتقاتها أكثر من (340) مرة إضافة إلى تكرار (الرحمن الرحيم) في بسم الله الرحمن الرحيم في بداية السور مائة وثلاث عشرة مرة ، تحدث فيها عن عظمة الرحمة ، وكونها صفة لربّ العالمين ، بل إنها الكلمة الوحيدة التي اشتقت منها صفتان لله تعالى يذكرهما المسل


اترك تعليق