اكتمال عزل الموصل يهدّد مصير المدنيين وينذر بتدمير المدينة والنظام السوري يقصف حلب بالكلور... ومطالبات بإلقاء معونات من الجوّ

By :

يمكن القول إنه بالإعلان عن إنجاز عزل الموصل عن جوارها، تكون حكومة بغداد ومليشيات "الحشد الشعبي" الحليفة لإيران، قد تمكنت من فرض خطتها على معركة الموصل، على حساب خطة التحالف الدولي التي كانت تقوم على ترك مسرب مفتوح للخروج من الموصل والدخول إليها، كطريقة لإبقاء المجال مفتوحاً أمام هرب مقاتلي تنظيم "داعش" والمدنيين ولتفادي التدمير الكلي للمدينة العراقية. ويهدد عزل الموصل، الذي اكتمل منذ أمس الأربعاء، حيوات مئات آلاف المدنيين وينذر بتدمير ما نجا حتى الآن من إرهاب تنظيم "داعش" ومن قصف وغارات التحالف الدولي والقوات العراقية وحلفائها. فقد أغلق آخر مخرج قد يفر عبره عناصر تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، عبر وصول "الحشد" إلى الطريق الذي يربط بين تلعفر وسنجار، الواقعتين على الطريق الواصل بين سورية والموصل، فيما نجحت القوات العراقية المشتركة، مدعومة بقوات التحالف الدولي، في تحقيق تقدم جديد على الأرض في المدينة، إلا أنها فشلت في وقف الانتهاكات بحق المدنيين، إذ سجل، أمس الأربعاء، مقتل وإصابة نحو 70 مدنياً بقصف طائرات التحالف الدولي ومدفعية الجيش العراقي، فضلاً عن الهجمات الانتحارية لـ"داعش" وقذائف الهاون التي يطلقها عناصر التنظيم.
وقال العميد الركن في قيادة القوات البرية العراقية، ضياء الغرباوي، لـ"العربي الجديد"، إن "بغداد أمرت بإرسال وحدات برية من الجيش إلى مشارف مدينة تلعفر لإسناد مهمة اقتحام المدينة مع الحشد"، موضحاً أن "الوحدات العسكرية لن تكون بديلاً عن الحشد في مهمة اقتحام المدينة وطرد داعش منها، بل داعمة لها"، لافتاً إلى أن "الحشد يتواجد على مشارف المدينة، وقد ينفذ عملية الاقتحام قريباً جداً".

وأنهت مليشيات "الحشد الشعبي" قطع خطوط الإمداد عن "داعش" غرب مدينة الموصل، منهية بذلك عملية محاصرة المدينة، التي يتواجد فيها مئات آلاف المدنيين. وكانت الولايات المتحدة وضعت خطة تتضمن ترك طريق لفرار مقاتلي "داعش" من المدينة، بهدف التقليل من سقوط قتلى مدنيين أو تدميرها، فيما تمسكت إيران و"الحشد" بمحاصرة المدينة، ومنع انتقال عناصر التنظيم إلى الرقة السورية. وأوضح مسؤولون عراقيون أن مليشيات "الحشد الشعبي" وصلت إلى الطريق الذي يربط بين تلعفر، الخاضعة لسيطرة "داعش"، وسنجار غرب الموصل، حيث التقت مع القوات الكردية، وفصلت المنطقتين عن بعضهما. وقال القيادي في "الحشد"، أبو مهدي المهندس، في فيديو نشر على صفحة المليشيات على "تويتر"، "تم قطع طريق تلعفر سنجار"، في إشارة إلى البلدتين الواقعتين على الطريق الواصل بين الموصل وسورية. وقال مسؤول أمني كردي، لوكالة "فرانس برس"، إن مليشيات "الحشد" التقت مع قوات أخرى، بينها مقاتلون من حزب العمال الكردستاني، في ثلاث بلدات في المنطقة.

وأكدت مصادر عراقية مقتل وإصابة نحو 60 من "الحشد" بهجمات انتحارية استهدفت أفراد المليشيات عند قرية عين الحصان، جنوب غرب تلعفر، فيما فر عشرات الآلاف من المدنيين العراقيين من تلعفر. وقال مسؤولون إقليميون إن الرحيل الجماعي من تلعفر يثير قلق منظمات الإغاثة الإنسانية، إذ إن بعض المدنيين الفارين يتوجهون إلى مناطق أبعد واقعة تحت سيطرة "داعش" ما يجعل من الصعب وصول المساعدات لهم. وقال نور الدين قبلان، نائب رئيس مجلس محافظة نينوى عن تلعفر والمتمركز الآن في أربيل، إن نحو ثلاثة آلاف أسرة فرت من تلعفر، وتوجه نصفها تقريباً صوب الجنوب الغربي في اتجاه سورية، والنصف الآخر تحرك شمالاً إلى أراض واقعة تحت سيطرة الأكراد. وأضاف: "طلبنا من السلطات الكردية أن تفتح معبراً آمناً للمدنيين".

إلى ذلك، أنهت القوات العراقية، أمس، يومها السادس والثلاثين، بواقع خمسة أسابيع منذ بدء المعارك، وثاني أسبوع قتال داخل الأحياء الشرقية للموصل. وقالت مصادر عسكرية عراقية إن المعارك تركزت، أمس، في أحياء الشيماء والمفتي والانتصار والشقق الخضراء وشهرزاد والقادسية الثانية، شرقي الموصل. وتمكنت القوات العراقية، ممثلة بجهاز مكافحة الإرهاب، من السيطرة على أجزاء جديدة من أحياء المفتي والشيماء وشهرزاد بعد استقدامها وحدات من اللواء المدرع الثاني وكتيبة دبابات دخلت إلى وسط الأحياء السكنية، واستخدمت القذائف والرشاشات الثقيلة في مسعى لتحقيق تقدم واضح. وقال ضابط عراقي في الفرقة التاسعة في الجيش، لـ"العربي الجديد"، تعليقاً على استخدام الدبابات داخل أزقة وشوارع الأحياء الشرقية للموصل، رغم إعلان الحكومة مسبقاً أنها لن تستخدمها حفاظاً على المدنيين، إن "الأولوية هي لأرواح الجنود ومن ثم المدنيين، وهذه الحرب يجب أن تكون فيها خسائر"، ملقياً باللوم على تنظيم "داعش" في احتجازهم لمدة عامين ونصف العام. وأشار المقدم في جهاز مكافحة الإرهاب، فراس حسين، لـ"العربي الجديد"، إلى أن "مقاتلي داعش شنوا تسع عمليات انتحارية، ويهاجمون بشراسة، واستخدام الدبابات والدروع محاولة لوقف هجماتهم، فضلاً عن أنها تشكل غطاء للجنود بين الأزقة"، مؤكداً أن مجمل ما تم السيطرة عليه داخل الموصل يبلغ أكثر من ثلاثة كيلومترات.

خلال ذلك، لم تحقق عمليات قوات الجيش والشرطة الاتحادية تقدماً ملحوظاً عبر المحور الجنوبي، وهي تسعى للوصول إلى السور الخارجي لمطار الموصل الدولي، فيما تم استبدال القوات الموجودة في المحور الشمالي، والمتمثلة بقوات الفرقة التاسعة، بقوات أخرى تابعة لجهاز مكافحة الإرهاب، بعد استدعاء 500 عنصر في "الفرقة الذهبية" من معسكرات التدريب التابعة للجيش الأميركي في الأردن، وفقاً لمصادر رفيعة المستوى تحدثت لـ"العربي الجديد". وأكدت المصادر أنه "تم استبدال القوات لعدم تحقيقها أي تقدم منذ وصولها إلى مناطق الاشتباك القريبة من الموصل"، وهو ما أكده العضو في الحكومة المحلية في نينوى، حسام العبار، مشيراً إلى أن "الفرقة الذهبية مدربة على حرب الشوارع عكس القوات الحالية". وقال عقيد في جهاز مكافحة الإرهاب في المنطقة، إن عدداً من الرجال خرجوا إلى الشارع بسبب الجوع الذي أصاب أطفالهم، الذين قضوا أسبوعاً بلا طعام بسبب المعارك في الأحياء الشرقية للموصل، مؤكداً أن "بعضهم قتل بنيران القناصة أو الاشتباكات، ونحن نأسف لذلك". وقالت مصادر محلية في الموصل إن يوم الأربعاء كان أكثر الأيام دموية بالنسبة للسكان منذ بدء العمليات، حيث قتل 33 شخصاً وأصيب أكثر من 40 آخرين بالقصف المتبادل وقصف الطيران الحربي. وقال طبيب في مستشفى الموصل، لـ"العربي الجديد"، إن "عائلات بأكملها قتلت"، فيما أشار مواطن من سكان حي شهرزاد إلى مقتل نحو 10 رجال برصاص القنص، بعد خروجهم من منازلهم للبحث عن طعام للأطفال المحاصرين داخل منازلهم للأسبوع الثاني على التوالي. وأعلنت وزارة الهجرة العراقية ارتفاع عدد الفارين من الموصل إلى 71 ألف شخص، مطالبة بحشد الجهود الدولية لمساعدتهم.

إلى ذلك أصيب أكثر من عشرة مدنيين، بينهم أطفال، بحالات اختناق، ليل الأربعاء - الخميس، جرّاء إلقاء طائرة مروحية تابعة للنظام السوري براميل تحوي غازاً سامّاً، على حيَّين في حلب الشرقية المحاصرة، فيما جدّدت فاعليات مدنية مطالبتها بفتح ممرٍ إنساني منزوع السلاح، أو إسقاط المعونات من الجوّ.
وقال مصدر في الدفاع المدني، لـ"العربي الجديد"، إنّ "اثني عشر مدنياً بينهم أربعة أطفال، أُصيبوا بحالات اختناق، لدى استنشاقهم غاز الكلور السام، الذي ألقته مروحية تابعة للنظام على حيي الأرض الحمراء والجزماتي، شرقي حلب".

وأوضح أنّ فرق الإسعاف والدفاع المدني، ساهمت في نقل المصابين إلى النقاط الطبية، حيث أجرى لهم المسعفون جلسات تنفس اصطناعي، مشيراً إلى أن حالاتهم مستقرّة.

في غضون ذلك، طالبت فاعليات مدنية في الأحياء الشرقية المحاصرة، بـ"فتح ممرّ إنساني منزوع السلاح، إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة شرقي حلب، بإشراف من الأمم المتحدة حصراً".

وقال بيان صادر عن الفاعليات، إنّ "فصائل المعارضة المسلحة وافقت على فتح ممر إنساني لإدخال المعونات"، موضحاً أنّ "النظام وروسيا يعترضان على الطلب".

وأشار البيان إلى أنّه، "إذا لم يتمكّن المجتمع الدولي من فتح ممر إلى شرق حلب، فنطالب العالم والتحالف الدولي بإسقاط المعونات جواً".

وبلغ عدد قتلى غارات النظام وروسيا، أمس الأربعاء، على أحياء مدينة حلب المحاصرة وريفها، ستة عشر قتيلاً، فضلاً عن عشرات الجرحى.

العربي الجديد


اترك تعليق