نظام الأسد يتمسك بإبادة حلب... والمعارضة ترفض تجزئة الحلول.. موت مؤجّل.. شرق حلب بلا مستشفيات

By :


أغلق نظام بشار الأسد مجدداً، الباب أمام محاولات أممية لإيجاد حل يوقف عملية الإبادة في حلب، مؤكداً رفضه للاقتراح الذي قدمه المبعوث الأممي إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، أمس الأحد، خلال زيارته العاصمة السورية دمشق، والقاضي بإقامة إدارة ذاتية في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة في شرق حلب، والتي تتعرض أحياؤها لحملة عسكرية غير مسبوقة من قبل قوات النظام، ومليشيات طائفية ويشارك بها الطيران الروسي. وقد ركزت حملة القصف المكثف التي تشنها روسيا وقوات النظام السوري على تدمير ما تبقى من بنى تحتية في مدينة حلب وريفها، بالتزامن مع محاولات تقدم إلى عمق الأحياء المحاصرة، لا سيما جبهة حي الشيخ نجار، التي أحرزت فيها قوات النظام بعض التقدم، بينما أكد مقاتلو المعارضة تكبيدها خسائر كبيرة.

وأعلن وزير خارجية النظام السوري وليد المعلم، أمس الأحد، رفضه مقترحاً أممياً، يدعو إلى إقامة إدارة ذاتية في الأحياء التي تسيطر المعارضة السورية عليها في شرق حلب، مؤكداً أن النظام ماضٍ في الحسم العسكري، فيما واصلت المعارضة السورية، تكثيف الجهود، لحث المجتمع الدولي على تحركٍ جدي لـ"وقف حرب الإبادة التي يقوم بها النظام ضد المدنيين في سورية".
وجاءت تصريحات المعلم بالتزامن مع الزياة التي قام بها دي ميستورا إلى دمشق أمس. لم تنته الزيارة بمؤتمر صحافي مشترك مع المعلم كما كان متوقعاً، ما يشير إلى فشل مساع أممية في تحقيق هدنة إنسانية حقيقية في حلب، من شأنها إيقاف الإبادة الجماعية التي تقوم بها قوات الأسد وحلفاؤها، والتي أدت خلال أيام إلى مقتل وإصابة مئات المدنيين. وأعلن دي ميستورا أنه اقترح رحيل "المتشددين" عن حلب، لكن على الحكومة السماح باستمرار الإدارة المحلية في شرق حلب. وأعرب عن اعتقاده أن مثل هذه الإجراءات قد تكون مؤقتة، وأن حلب ينبغي أن تعامل كحالة خاصة.

وقال المعلم، خلال مؤتمر صحافي منفرد، إن الموفد الأممي طرح مقترح "إدارة ذاتية" في الأحياء الشرقية من حلب، مؤكداً رفض نظام الأسد لهذا المقترح، زاعماً أن ذلك يُعد "نيلاً من سيادتنا الوطنية، ومكافأة للإرهاب". وأضاف "قلنا له، نحن متفقون على خروج الإرهابيين من شرق حلب... لكن لا يعقل أن يبقى 275 ألف نسمة من مواطنينا رهائن لخمسة آلاف، ستة آلاف، سبعة آلاف مسلح"، معتبراً أنه "لا يوجد حكومة في العالم تسمح بذلك".
وقال المعلم إن نظامه لم يلمس "من دي ميستورا رغبة باستئناف الحوار السوري - السوري"، مضيفاً "ربما ينتظر إدارة جديدة في الولايات المتحدة، أو قيادة جديدة للأمم المتحدة". وكشف أنه عرض على دي ميستورا ما سماه "مشروعاً آخر" بالنسبة لمقاتلي المعارضة في شرق حلب، يتضمن بقاء من يرغب منهم بشرط تسوية وضعه "ومن يود الخروج إلى إدلب، أو تركيا فالطريق ممهد له"، وفق تعبيره، مشيراً إلى أن النظام اتخذ خيار الحسم العسكري في حلب، مغلقاً بذلك الباب، أمام محاولات مستقبلية من أجل إيجاد "حلول إنسانية" في الأحياء المحاصرة منذ عدة أشهر وتواجه وضعاً إنسانياً كارثياً، وسط تحذيرات من وقوع مأساة كبرى تودي بحياة نحو 300 ألف مدني.

وبات من الواضح أن نظام الأسد يعوّل على الإدارة الأميركية في تغيير معادلة الصراع لصالحه، وهو ما انفك يحاول "مغازلة" الرئيس الأميركي الجديد، دونالد ترامب، مقدماً نفسه شريكاً بما يعتبره "محاربة الإرهاب". ورغم أن المعلم أشار إلى أنه "من السابق لأوانه التنبؤ بما ستكون عليه السياسة الخارجية الأميركية تجاه الأزمة في سورية"، إلا أنه قال في مؤتمره الصحافي، إن "السياسة الأميركية السابقة تجاه سورية كانت خاطئة"، معطياً الإدارة الأميركية الجديدة ما سماه "مفتاح تصحيحها"، وهو "الحوار الروسي الأميركي والتفاهم على أسلوب القضاء على الإرهاب"، في إشارة واضحة إلى أن نظامه لم يعد يمسك بزمام الأمور في سورية، وأن أمره بات بالكامل تحت قرار موسكو.

ولم تجد المعارضة السورية في تصريحات المعلم ما يستحق التوقف عنده، إذ أشارت مصادر في "الائتلاف الوطني السوري" إلى أن هذه التصريحات تؤكد مرة أخرى أن النظام ماض في سياسة قتل السوريين، وتدمير مدنهم في محاولة لتحقيق حسم عسكري، مستفيداً من ظروف إقليمية ودولية، ودعم لا محدود من الجانبين الروسي، والإيراني. وكانت المعارضة السورية المسلحة، رفضت كل الدعوات للانسحاب من مدينة حلب، معتبرة الاستجابة لها بمثابة "استسلام"، مؤكدة تمسكها بالبقاء في حلب رافضة تسليمها لمليشيات إيرانية. وقال المتحدث باسم الهيئة العليا للمفاوضات، رياض نعسان آغا، لـ"العربي الجديد"، إنه "لا جديد في تصريحات المعلم، فهو يعكس رؤية النظام في متابعة الحسم العسكري، وهو يرى ثورة الشعب إرهاباً، ويتفاءل بأن يقف ترامب مع الوحشية في إبادة الشعب السوري". وأضاف "ما تحدث به دي ميستورا حول النصر الوهمي هو الواقع، وأما موضوع الإدارة الذاتية لشرق حلب فهو ليس الحل النهائي الذي نسعى إليه. لا بد من تنفيذ القرارات الدولية وعدم تجزئة الحلول، ونقدر حسن النية عند دي ميستورا ورغبته في إيقاف تدمير حلب وإنقاذها، وإنهاء هذه الوحشية".

وأمام سعي النظام لعرقلة أي جهود سياسية دولية لإرساء خطة سلام في سورية، فإن المعارضة السورية تواصل بذل جهودٍ حثيثة لدفع المجتمع الدولي إلى تحرك جدي من أجل وقف التصعيد العسكري والقصف الجوي والمدفعي ضد حلب خصوصاً، وسائر المناطق السورية. وعلى هذا الصعيد، أوضح المنسق العام للهيئة العليا للمفاوضات السورية، رياض حجاب، أنه بحث، أمس الأحد، مع وزير الخارجية الفرنسي، جان مارك أيرولت، سبل وقف حرب الإبادة التي يقوم بها النظام ضد المدنيين في سورية. وأشار، في تصريح خاص لـ"العربي الجديد"، على هامش "مؤتمر السياسات العالمية التاسع" الذي يُعقد في الدوحة، إلى أنّه "اتفق مع الوزير الفرنسي على ضرورة التحرك دبلوماسياً، وعلى مختلف الأصعدة، لوقف المجازر والانتهاكات التي تُرتكب من قبل النظام والمليشيات المتحالفة معه في مدينة حلب"، مذكّراً بمشروع القرار الفرنسي، الذي سبق أن أجهضته روسيا في مجلس الأمن.

وكان حجاب حذّر من تكرار سيناريو أوكرانيا في سورية، وقال إن "واشنطن أدركت أن المشهد في سورية مختلف، وأنه يتوقع من إدارة الرئيس الأميركي المنتخب، دونالد ترامب، التعامل بشكلٍ مختلف مع الملف السوري". ورأى أن النتائج المتوقعة من عملية "درع الفرات" التي تقودها تركيا في سورية، ستساهم في تغيير الوقائع على الأرض، مطالباً الأمم المتحدة، في عهد أمينها العام الجديد، بلعب دور أكثر فاعلية، للخروج من حالة الفشل وتجاوز الفيتو الروسي. وفي إطار الحراك السياسي للمعارضة السورية خلال الأيام القليلة الماضية، التقى رئيس الائتلاف الوطني السوري، أنس العبدة وأعضاء من الهيئة العليا للمفاوضات، وهيئة التنسيق الوطنية، مع مسؤولة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي فيدريكا موغريني، الجمعة الماضي، لدعوة الاتحاد إلى "أخذ المبادرة في دعم الشعب السوري وثورته"، مشيراً إلى أن الاتحاد الأوروبي "كان له دور مهم في طرح المبادرات"، وفق بيان المكتب الإعلامي في الائتلاف.

وعلى الأرض، ركزت حملة القصف المكثف التي تشنها روسيا وقوات النظام السوري على تدمير ما تبقى من بنى تحتية في مدينة حلب وريفها، بالتزامن مع محاولات تقدم إلى عمق الأحياء المحاصرة، خاصة جبهة حي الشيخ نجار، التي أحرزت فيها قوات النظام بعض التقدم، بينما أكد مقاتلو المعارضة تكبيدها خسائر كبيرة. وطاولت الحملة، في يومها السادس، مراكز الدفاع المدني، بعد أن أخرجت جميع مستشفيات المدينة عن الخدمة، ما حرم مئات المصابين جراء القصف، من تلقي العلاج، بينما عاودت قوات النظام استخدام الكلور السام في حي الصاخور ما تسبب في سقوط قتلى.

وقالت مصادر محلية في حلب، إن حملة القصف المتواصلة منذ ستة أيام على شرقي المدينة، حصدت حتى السبت، أرواح 289 مدنياً، بينما أصيب نحو ألف، إضافة إلى عشرات المفقودين. وألقت مروحية تابعة للنظام براميل متفجرة على حي الصاخور شرقي المدينة، ما تسبب في مقتل ستة مدنيين من عائلة واحدة، وإصابة نحو 25 بحالات اختناق. كما تعرض الحي لقصف مدفعي وصاروخي أوقع المزيد من الإصابات، في حين شن الطيران الحربي والمروحي غارات جوية على أحياء أرض الحمرا والحيدرية وبعيدين ومساكن هنانو والشعار وقاضي عسكر. وتزامن القصف مع اشتباكات عنيفة بين فصائل المعارضة وقوات النظام، على جبهة العويجة شمالي المدينة، خلال محاولة قوات النظام التقدم إلى الحي.

وكانت قوات النظام أحرزت مساء أول من أمس تقدماً على حساب فصائل المعارضة في محور الشيخ نجار، بحسب مصادر محلية، إذ أشارت إلى أن تلك القوات سيطرت بشكل كامل على تلة الزهور، التي تقع بين منطقة الشيخ نجار وأحياء حلب الشرقية، وسط تواصل الاشتباكات في المنطقة. وتطل هذه التلة على منطقتي أرض الحمرا ومساكن هنانو في حلب الشرقية. كما تتواصل الاشتباكات على ثلاثة محاور أخرى من جهة الراشدين غرب المدينة، والشيخ سعيد من الجهة الجنوبية، وبستان الباشا المجاور لمنطقتي الأشرفية والشيخ مقصود. وقالت فصائل المعارضة، إن مقاتليها تصدوا لمحاولات التقدم المستمرة من جانب قوات النظام على هذه المحاور، وألحقوا بالقوات المهاجمة خسائر كبيرة، مشيرة إلى أن المعارك تأخذ شكل الكر والفر، ولا يوجد فيها تقدم ثابت لأي طرف.

من جهتها، قالت مواقع موالية للنظام إن قوات النظام والحلفاء استقدموا "تعزيزات عسكرية كبيرة جداً وآليات محملة بصواريخ إلى مدينة حلب للمشاركة في العمليات الجارية حالياً على محاور أحياء حلب الشرقية".
وفي ريف المحافظة، أدت الغارات والقصف الصاروخي إلى مقتل مدني وإصابة ثلاثة في بلدة حيان. كما استهدف الطيران الروسي مدينة حريتان بالصواريخ الفراغية. واستهدف الطيران الحربي مدينة الأتارب بثلاثة صواريخ فراغية، أدت إلى إصابة ثلاثة مدنيين. واستهدف الطيران الروسي مركز أورم الكبرى التابع للدفاع المدني بغارتين جويتين، ما أدى لخروجه عن الخدمة. وأصيب عنصران من الدفاع المدني، جراء استهداف مركز الحاضر في الريف الجنوبي. كما استهدف الطيران الروسي بالصواريخ الفراغية قرى سويان، سحور، قنيطرات والشيخ علي في ريف حلب الجنوبي.

في المقابل، أعلنت وكالة أنباء النظام "سانا"، أن خمسة تلاميذ قتلوا وأصيب آخرون، جراء سقوط قذيفة أمام مدرسة سارية حسون في حي الفرقان، الخاضع لسيطرة النظام السوري غربي حلب، متهمة فصائل المعارضة بالمسؤولية عن هذا القصف، الأمر الذي نفته تلك الفصائل. حملة القصف الوحشي وإن تركزت هذه الأيام على حلب، فإنها طاولت أيضاً محافظة إدلب، حيث استهدفت غارات جوية روسية معمل البطاريات قرب محطة كهرباء مدينة إدلب، ما أدى إلى تدمير المبنى بالكامل، وسقوط قتيل واحد على الأقل وعدة جرحى. وقصف طيران النظام السوري بالصواريخ الفراغية الأحياء السكنية في بنش والتمانعة وخان شيخون بريف إدلب الجنوبي، ما تسبب بسقوط قتلى وجرحى. بموازاة ذلك، ذكرت صحيفة "إزفيستيا" الروسية، إن حزب الله دفع بوحدات عسكرية إضافية مع عتادها الثقيل والخفيف إلى سورية، تمركزت في ضواحي حلب الغربية. وأشارت إلى أن عدد قوات الحزب الجديدة الوافدة إلى سورية، يصل إلى خمسة آلاف مقاتل، مدعمة بعربات مصفحة، وعربات دفع رباعي بالإضافة إلى وحدات مدفعية وأسلحة ثقيلة وخفيفة.

موت مؤجّل.. شرق حلب بلا مستشفيات
وضع مأساوي تعيشه المنطقة الشرقية في مدينة حلب، في ظل حصار تام تفرضه قوات النظام السوري منذ نحو 90 يوماً. ويزداد الوضع سوءاً مع استمرار القصف الجوي الروسي على المنطقة بصواريخ فراغية وارتجاجية وقنابل عنقودية وأخرى تحوي مواد سامة.

وعلى مدى خمسة أيام من القصف الجوي والصاروخي المتواصل، سقط 290 قتيلاً على الأقل، بالإضافة إلى 950 جريحاً من المدنيين، بينهم أطفال ونساء، عدا عن تدمير أربعة مستشفيات ومركز للدفاع المدني. هذه المستشفيات توقّفت عن العمل بصورة تامة، رغم أن القصف مستمر، ما يعني سقوط المزيد من الجرحى يومياً، الذين يحتاجون إلى إسعافات أوليّة. ومع توقّف المستشفيات الميدانية عن العمل، واستمرار القصف والحصار، يواجه مئات الجرحى مصيراً مجهولاً، علماً أن العديد منهم جراحهم خطيرة، عدا عن حالات بتر الأطراف وتهشّم العظام وغيرها.

ويصعب الحديث عن الكوارث المتلاحقة بحق السكان في حلب. في هذا السياق، يقول متحدّث باسم الدفاع المدني السوري، إبراهيم أبو الليث، إنه "لا يمكن وصف الوضع في حلب. فإن تعرّض أحد لجروح بليغة، قد يموت على الفور". يضيف أن "الطيران الروسي استهدف كل المستشفيات في حلب الشرقية"، لافتاً إلى "أنّنا نسعف الجرحى والمصابين إلى أماكن لا تعدّ آمنة". يتابع: "نبقي الجرحى في أقبية المباني، وهي غير مهيأة طبيّاً بالشكل اللازم".
ويلفت مسؤول في فرق الإنقاذ المحلية، التي تعمل على إنقاذ ما يُمكن إنقاذه في ظل إمكانيات محدودة جداً، إلى إجراء عملية لجريح في أحد المباني المتّخذة كنقطة طبية، من دون وجود سرير ومن دون تخديره. يضيف: "وُضِع المصاب على الأرض وأحشاؤه ظاهرة، وإلى جانبه عشرات المصابين الذين ينتظرون دورهم".

وبحسب مصادر طبيّة، تعاني المنطقة المحاصرة من "نقص شديد في مواد الإسعافات الأولية وأدوات الجراحة، وتتم عمليات الإسعاف الأولية في ظل إمكانيّات محدودة. أما بالنسبة للمصابين بجراح بليغة، فيحاول الكادر الطبي جاهداً مساعدتهم. بعدها ينتظرون أقدارهم".

إلى ذلك، يروي أحد السكان المحليّين، أبو محمد الحلبي، لـ "العربي الجديد"، بعض ما رآه خلال الأيام القليلة الماضية، لافتاً إلى أن بعض النقاط الطبية في المنطقة تحوّلت إلى "أماكن أشبه بمسالخ بيع اللحوم، نتيجة كثرة المصابين والدماء". يضيف أن الجميع هنا يعملون على مساعدة الدفاع المدني في انتشال الضحايا وإسعاف المصابين. وكثيراً ما يسمع صوت أنين من تحت الأنقاض، في وقت ينتظر أحد أقارب المصاب فوق الركام. وفي النقاط الطبيّة، يصير الأنين صراخاً. ويوضح أنّ "القصف الهمجي لم يهدأ خلال الأيام الماضية. وكلّما غفت العيون بضع دقائق، استيقظت على صوت انفجار. بعدها، "نهرع لتفقد مكان القصف".

نقطة طبيّة

يعتمد الدفاع المدني والمسعفون، في الوقت الحالي، على ما يُسمى النقطة الطبية، وهي عبارة عن منزل مهجور لم يتعرض للدمار بفعل القصف، وقد وُضع فيه سرير واحد أو وسادة على الأرض، بالإضافة إلى معدات لإجراء الإسعافات الأولية. وتقول مصادر طبية إنه يتوفر لدى المسعفين بعض القطن الطبي العادي وخيطان تقطيب الجروح الطفيفة ومواد التعقيم والقليل غيرها. ويعمد عناصر الدفاع المدني والمدنيون إلى تبديل النقطة الطبية بين الحين والآخر، خشية استهدافها.

وتشير المصادر الطبية إلى أنّ عناصر الدفاع المدني والمراكز الطبية يعانون في إسعاف الجرحى، حيث تستهدف مدفعية النظام السوري الطرقات في المنطقة الشرقية بشكل كثيف، تزامناً مع كل غارة جوية، ما يؤدي إلى إصابة سيارات الإسعاف بشكل مباشر، وتدمير عدد منها، وإصابة عناصر فرق الإسعاف.

ويقول سكان محليّون إن الكوادر الطبية أصبحت قليلة جداً، وهي في خطر نتيجة الاستهداف الدائم للفرق الطبية، التي باتت تعتمد على إخفاء النقطة الطبية تفادياً لأن يرسل المخبرون في المنطقة إحداثيات للنظام، فيقصفها. في هذا السياق، يوضح أحد المسعفين في حلب، ويُدعى سعيد حلاق، لـ "العربي الجديد"، أن "التعامل مع الإصابات والجرحى صعب"، لافتاً إلى أن غالبية الإصابات تعالج في نقاط طبية غير مهيأة بعد دمار المستشفيات. وعادة ما تعجز الطواقم الطبية عن إسعاف الحالات الحرجة. ويلفت إلى اعتماد مبدأ الترجيح في تقديم العلاج، أي أنّ الأشخاص الذين يمكن علاجهم ينقلون مباشرة إلى النقطة الطبية. أما أولئك الذين تكون إصاباتهم بليغة جداً، فلا يقدم أي علاج لهم، وينزفون حتى الموت، إذ لا إمكانيات لدى الكوادر الطبية للتعامل مع عشرات الإصابات.

ويقول مصدر طبي في حلب، لـ "العربي الجديد"، إن "إجراء العمليّات الجراحية أمر صعب جداً في ظلّ هذه الظروف الصعبة. ولا تكمن المشكلة فقط في انعدام الكهرباء التي تؤمّن من خلال مولّدات كهربائية بدائية، وقلّة الأجهزة اللازمة لإتمام العمليات الجراحية، بل في كثرة المصابين الذين يحتاجون إلى إجراء عمليات. كذلك، فإن الكادر الطبي في المنطقة لا يستطيع إجراء كل العمليات في الوقت المناسب بسبب ازدحام النقاط الطبية، ما يعرّض المصاب للموت.
ويقول مسعفون إن الكادر الطبي في حلب لم يعرف النوم خلال الأيام الخمسة الأخيرة، وما زال صامداً يؤدي عمله الإنساني. لكن الوضع يزداد سوءاً مع تواصل القصف والحصار.


ويؤكد الدفاع المدني السوري ومديرية الصحة في حلب والمجلس المحلي للمدينة ومنظمة الصحة العالمية، توقّف كل المستشفيات في المنطقة المحاصرة عن العمل، بسبب استهدافها بشكل مباشر ومتعمّد من الطيران الروسي. أما المستشفيات المتبقية، فهي عبارة عن مبان عادية أو نقاط طبية تشبه المستشفيات، ولا تتوفر فيها المستلزمات والأجهزة الطبية والمواد الإسعافية اللازمة. من بين هذه المستشفيات، مستشفى للأطفال ومستشفى للجراحة، علماً أن مستشفى الأطفال الذي قُصف يعد الوحيد في المنطقة المحاصرة. وتمكّن الطاقم الطبي من نقل الأطفال من أسرتهم إلى مكان آخر.

وترى مديريّة صحة حلب، أن استهداف المستشفيات هو "تدمير متعمد للبنى التحتية الأساسية للحياة، ما جعل الأهالي من دون أي مرفق صحي يُقدم لهم العلاج". ويهدّد تدمير المستشفيات في حلب حياة ربع مليون مدني، يعيشون في أحياء حلب المحاصرة في وضع مأساوي. ويزداد الوضع سوءاً مع استمرار القصف والحصار الخانق المفروض على المدينة منذ مطلع سبتمبر/أيلول الماضي.

اختناق

ولا يستخدم النظام الأسلحة والذخائر التقليدية فقط في حربه الوحشية على السكان في حلب، فقد قُصفت المدينة مراراً بأسلحة محرمة دولياً. وخلال اليومين الماضيين، سقطت على المدينة براميل متفجّرة تحوي غازات سامة، ما أدى إلى إصابة نحو 50 شخصاً ومقتل رجل وزوجته وأطفالهما الأربعة. ويراقب المدنيّون والمسعفون طائرات النظام المروحية، وهي ترمي البراميل المتفجرة فوق المباني، ما يؤدي إلى دمار كبير، ويهرعون لتفقد مكان القصف، وقد تعرّض المدنيون لحالات اختناق، ما يُرجح احتواء تلك البراميل على مواد سامة. ويعمد المسعفون إلى رشّ المياه على هؤلاء أو استخدام آلة تنفس اصطناعية، بهدف إنقاذهم.

إلى ذلك، يقول رضوان الحلبي، وهو من سكان شرق حلب، إنّ أكثر المتضرّرين من القصف الجوي في حلب حالياً هم الأطفال، الذين يقتلون ويصابون ويجوعون ويفقدون أهلهم. ويشير إلى أن الأطفال يصابون بحالة هستيرية عند سماع صوت انفجار. ويلفت إلى أن المصيبة تتضاعف حين "أعجز عن فعل شيء لهم غير السعي إلى تهدئتهم ومساعدتهم كي يخلدوا إلى النوم، في ظل أصوات القصف المرعبة". يضيف أن كل ما نملكه من مؤن وحصص غذائية التي وزعتها الجمعيات في حلب سابقاً قد شارفت على الانتهاء، ونقتات حالياً من خلال ما بقي لدينا، ولا نفكر كثيراً في الغد. يتابع أن "الموت أقرب إلينا من سلة غذاء قد تصل وقد لا نراها".

وكانت مديريّة التعليم التابعة للمعارضة السورية في المدينة، قد علقت الدراسة في المدارس بسبب القصف الروسي العنيف، الذي أدى إلى سقوط عشرات الأطفال بين قتلى وجرحى.

العربي الجديد


اترك تعليق