كيف تحاول إيران «الهيمنة» على مناطق النزاع في الشرق الأوسط؟

By : هند عبد الحميد

عام 1982 اشتعلت الحرب في الجنوب اللبناني، حرب قامت على إثرها إيران بإرسال قواتها الخاصة إلى سوريا للمساعدة في صد الهجمات الإسرائيلية، لكن محاولات إيران باءت بالفشل مع تراجع رؤساء الدول العربية عن إمدادها بالأسلحة والذخيرة اللازمة، وأدرك آية الله الخميني عندها أن قواته لن تستطيع التصدي للجيش الإسرائيلي، فأمرها بالانسحاب من الصراع الدائر، ولم يكن هذا التراجع سوى نقطة تحوُّل في السياسة الخارجية الإيرانية، بدأت معها مرحلة جديدة من التوغل الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، فقد أصدر الخميني أوامره بالبدء في عمليات تجنيد ميليشيات «شيعية» خاصة من داخل لبنان، وتعمل لحساب إيران خارجها، وتدعم حلمه الخاص بـ«إسلام بلا حدود». تلك الميليشات الخاصة تم تدريبها لتصبح وحدات صغيرة لجيش إيراني متفرق في كافة أنحاء الشرق الأوسط يخدم فقط مصالح إيران.

الحرس الثوري.. بداية لا بد منها!

تولى آية الله الخميني الحكم في إيران بعد ثورة أطاح فيها بالشاه محـمد رضا بهلوي عام 1979، ولتثبيت دعائم السلطة الإيرانية الجديدة -خاصة مع التزام الجيش الإيراني بالحياد إبان الثورة الإسلامية- أصدر الخميني أوامره بإنشاء الحرس الثوري الإيراني «الباسداران»، تلك القوات الصغيرة التي تخضع فقط لأوامر الخميني -والمرشد الأعلى للثورة الإسلامية من بعده- ، والتي أصبحت فيما بعد القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية الأكثر هيمنةً في إيران، والتي تمتدُّ أذرعها في كافة أنحاء المنطقة العربية، حيث تُدعم بها المصالح الإيرانية خاصة فيما يتعلق بالحرب مع إسرائيل أو التصدي لهيمنة الولايات المتحدة وأوروبا في المنطقة.

وينقسم الحرس الثوري الإيراني لعددٍ من القوات، تبقى أهمها داخل إيران «قوات التعبئة الشعبية» أو «الباسيج» والتي تهتم أكثر بتطبيق القوانين والنظم الداخلية، بينما القوة الأهم بالنسبة لنا الآن هي «فيلق القدس» والتي تُشكل أحد المراكز الرئيسة لعمليات إيران الخارجية، وتبقى مصدرًا أساسيًا من مصادر تحكمها في مناطق تعج بالنزاعات مثل أفغانستان واليمن والعراق وسوريا.


كيف بدأ الأمر؟

عندما تراجعت القوات الإيرانية إبان الحرب في لبنان، ومع سعي إيران لتجنيد الجماعات الخاصة بها لتحل محل قواتها النظامية، أصبحت تلك الجماعات هي النموذج الأكثر قدرة على إحداث فارق في الصراع، وظهرت بعد ذلك تنظيماتٍ مثل «جيش محـمد» في أفغانستان، و«الجهاد الإسلامي الفلسطيني» في غزة، و«فيلق بدر» وغيره من الميليشيات في العراق. كل هذه التنظيمات، والتي يتم تجنيد أفرادها بمجهودات «فيلق القدس» تدعمها إيران للقيام بعملياتها العسكرية والاستخباراتية بالخارج.

لنأخذ فكرة سريعة عن بعض هذه التنظيمات

«جيش محمـد» في أفغانستان

هي جماعة مقرَّها باكستان، أسسها «مسعود أزهر» في أوائل عام 2000 عقب خروجه من سجنه بالهند، ومنذ بدايتها أعلنت الحركة أن أهدافها الرئيسة هي إعادة توحيد إقليم كشمير مع باكستان، وطرد القوات الأجنبية من أفغانستان، حيث أعلنت الحركة حربًا مفتوحةً على الولايات المتحدة. حظرت السلطات الباكستانية الجماعة عام 2002، لكنّ هذا لم يمنعها من القيام بعملياتها في مناطق مختلفة داخل أفغانستان وباكستان وخارجهما. أحد عمليات الجماعة كان التفجير الانتحاري الذي استهدف مبنى المجلس التشريعي بولاية كشمير الهندية في أكتوبر 2001 والذي خلّف وراءه أكثر من ثلاثين قتيلًا. انحصرت عمليات الجماعة بعد ذلك في عدة هجمات ضد الجيش الهندي، بينما تُعد أبرز العمليات التي زُعم فيها تورط الجماعة هي اختطاف الصحفي الأمريكي دانيال بيرل واغتياله في يناير 2002، ومحاولة اغتيال الرئيس الباكستاني برويز مُشرّف ديسمبر 2003. عدة عمليات متفرقة على سنوات متباعدة نُسبت لجماعة جيش محمـد بعد هذا، بينما أعلنت التقارير عن توقف أنشطة الجماعة فيما يلي سبتمبر 2013 حيث تصاعد نجم جماعات أخرى نَشطَت عملياتها في باكستان.

هي حركة تشكلت عام 1981، تتخذ من تدمير إسرائيل وإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة هدفًا لها، وتقوم في سبيل ذلك بالعديد من العمليات المسلحة ضد إسرائيل، وتشمل إطلاق الصواريخ على الأراضي المُحتلة، والهجمات المسلحة ضد المدنيين، والتفجيرات «الانتحارية»، وتُعتبر إيران هي الممول الرئيس لتلك الجماعة التي زادت قوتها مع الضغوط الواقعة على حركة حماس داخل فلسطين وخارجها. وتُصنف الجماعة على أنها «جماعة إرهابية» من قِبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وإسرائيل وغيرهم من الدول. لا ينفي هذا بزوغ فجر الجهاد الإسلامي في فلسطين من جديد مع الحرب على غزة عام 2014، حيث لعب دورًا فاعلًا في إتمام المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، ومع زيادة الخلاف بين حركتي فتح وحماس، يبدو تنظيم الجهاد الإسلامي وكأنه القوة الأقرب للصعود وملء الفراغ الذي تنتجه الخلافات الحادثة، ويعينه في هذا نجاحه في تقديم نفسه للمجتمع الفلسطيني باعتباره تنظيمًا سياسيًّا-اجتماعيًّا يستثمر في عمليات الإغاثة وإنشاء مراكز الأبحاث والرعاية الاجتماعية ومساعدة المتضررين من الحروب الطويلة في غزة…إلخ.

«فيلق بدر» في العراق

تمثل العراق معقلًا لتمركز الميليشيات الشيعية المسلحة المدعومة من إيران، وتختلف تلك الميليشيات حسب قوتها وتأثيرها في الصراعات الدائرة هناك، ويُعد «فيلق بدر» هو «أقدم وكيل لإيران في العراق»، بينما يُعد الجناح العسكري للجماعة «ربما أقوى جماعة مسلحة شيعية تقاتل في العراق» كما تصف وكالة رويترز.

مجموعة من المتطوعين الشيعة المنضمين إلى القوات العراقية للحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية «داعش».

نشأت هذه الجماعة بدايةً في إيران وتحت مسمى «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق»، وتحت رايتها كذلك أُنشئ «فيلق بدر» أو «الجناح العسكري للجماعة» عام 1982، ويتكون التنظيم من مجموعة من الشيعة استوطنوا إيران بعد نفيهم من العراق من قِبل السلطات، وبعد احتلال العراق، تمكنوا من العودة إليها، وتم تغيير اسم الجماعة حينها إلى «المجلس الأعلى الإسلامي العراقي».

عام 2012 حدث انشقاق داخل صفوف الجماعة، ونتج عنه تكوين «منظمة بدر» والتي ضمت تحت رايتها ميليشيات من أشد أنصار إيران داخل العراق. وتلعب المنظمة بتكوينها الحزبي الحالي دورًا رئيسًا في الحرب على السُنَّة داخل العراق ومحاولة فرض السيطرة الشيعية عن طريق شغل أعضائها لمناصب رفيعة المستوى في الحكومة العراقية، ويمكنك التعرف على النفوذ الحالي لمنظمة بدر داخل العراق من هنا.

وكما قلنا فإن العراق تمثل أحد معاقل الهيمنة الشيعية للجماعات المدعومة من قِبل إيران في المنطقة العربية، ومن هذه الجماعات:

سوريا وإيران.. حربٌ داخل حرب!

بدأ «الجهاد الشيعي» في سوريا ردًّا على الهجمات المتكررة للمقاتلين السُنَّة على المقامات الشيعية المقدسة، وفقًا للرواية الرسميَّة الإيرانيَّة. وتمثل الشكبة الجهادية التي تدعمها إيران في سوريا مجموعة من المقاتلين الذين يتم استقطابهم من مناطق النزاع أو عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي، حيث تُروج إيران لنفسها على أنها «حامية الشيعة» والمدافع الأكبر عن حقهم، ويتشعب هؤلاء المقاتلون تحت عدة ألوية شيعية، تتكون أغلبها من جماعات عراقية تلعب دورها الخاص داخل سوريا، ومنها مجموعة «عصائب أهل الحق» و«كتائب حزب الله» و«كتائب سيد الشهداء»، وتخضع هذه الجماعات مباشرةً للحرس الثوري الإيراني «فيلق القدس» حيث يُشرف الفيلق على إعدادها وتدريب أعضائها وتوزيع مهاهم، ويتلقى عنهم التقارير المباشرة الخاصة بالمنطقة.


تلعب الجماعات السابقة دورها من داخل سوريا، بينما تمتد خارج سوريا مجموعة من الفصائل التي تشكل هي الأخرى عنصرًا هامًا في الصراع، ومنها «لواء أبو الفضل العباس» والذي عادة ما تُدرب قواته من قِبل «حزب الله» اللبناني، ويُشكل هو الآخر حلقة جديدة ترتبط بها الفصائل المنتشرة في كافة أنحاء سوريا وتخدم المصالح الشيعية هناك، وتدعم هذه الفصائل بشكل أو بآخر النظام السوري القائم، وتُنفّذ عملياتها بأوامر من إيران مباشرة حيث تُستخدم قوتها بشكل فعَّال في دحر بعض النزاعات أو إشعال أخرى، بينما يبقى الهدف الرئيس من كل هذا هو إفساح المجال للسيطرة الإيرانية على المنطقة بأكملها.

هل هذه هي النهاية؟

الحقيقة أن الأمر قد امتد لأبعد من هذا، فإيران لا تدخر جهدًا في جمع الشيعة من كل مكان، ومؤخرًا ظهر تأثير هذا الجهد جليًا في الدور الذي يلعبه المسلحون الأفغان والباكستانيين لصالح إيران في سوريا، حيث تمثل كلا الدولتين أرضًا خصبة للنفوذ الشيعي، فأفغانستان مثلًا تضم حوالي 4.6 مليون شيعي وهو ما يمثل 15% من السكان، بينما باكستان تحوي 38 مليون شيعي – تعتبر ثاني أكبر تجمع للشيعة بعد إيران-، وييسّر هذا الأمر لـ«فيلق القدس» كي ينتشر باستخباراته ويبدأ في تجنيد المقاتلين وتدريبهم وإرسالهم إلى مناطق النزاع المختلفة.

أفغانستان باعتبارها بداية

خرج منها لواء «الفاطميون»، وعدَّة تشكيلات مسلَّحة أخرى تعمل داخل سوريا في الفترة الحالية وتتركز في مناطق مثل حلب، ودمشق، وحماة. وتتلقى عناصر هذه القوات تدريبها داخل إيران على يد قوات الحرس الثوري، ثم يُنقلون جوًا إلى سوريا لاكتساب الخبرة من القتال ضد المتمردين الذين يُشكِّلون خطرًا على المناطق المقدسة الشيعية. ثم بعدها يُوزعون على مناطق النزاعات للقيام بالعمليات المختلفة وفقًا للتعليمات الصادرة من قادتهم أو من قادة الحرس الثوري الإيراني.

أما بالنسبة لباكستان

فالأمر لا يختلف كثيرًا، حيث بدأ منها لواء «الزينبيون» في التشكُّل، وتلقى أعضاؤه تدريبهم كذلك في إيران ثم انتقلوا إلى سوريا. لكن المختلف ها هنا هو أن طلب الباكستانيين أنفسهم الانضمام للواء الزينبيين هو ما أعطى له مكانته الحالية، حيث تزايد الطلب على الانضمام للواء بعد طرد الإمارات المتحدة لحوالي 12000 عامل باكستاني «شيعي» في الأعوام الأخيرة كما يذكر تقرير معهد واشنطن للدراسات.

وماذا بعد؟

يشرح مايكل نايتس «المتخصص في الشؤون العسكرية والأمنية في العراق وإيران» الأمر كالتالي: لنفترض أن تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» قد خسر المعركة أمام القوات العراقية وحليفتها «القوات الأمريكية»، وفي الأغلب سيخسرها، كما يفترض نايتس، وعندها، ستكون المساحة مفتوحة على مصراعيها أمام التنظيمات الشيعية المُجهزة والمُدربة لاستغلال مثل هذا الموقف، وعندها لن تستطيع القوَّات العراقية صدّها خاصة مع قلة تنظيمها وانعدام الخبرة والكفاءة في صفوف جنودها وفصائلها التي صُنعت على عين الولايات المتحدة، وستجد أمريكا نفسها أمام عدو قوي وقادر على مواصلة الصراع والانتصار في نهاية المطاف.

لنضع الأمور في سياقها النهائي

خرجت علينا عام 2014 دراسة لمركز الجزيرة للدراسات عن «مرتكزات القوة» لدى إيران، ووضعت لنا الدراسة خطوطًا عريضة عن مساحات القوة التي تمتلكها إيران والإمكانيات التي تضعها في سبيل منح تلك القوة ما يكفي من النفوذ والسيطرة اللازمتين لتُصبح إيران القوة الأهم في المنطقة، وسنوضح هذا فيما يلي:

وضع النظام الإيراني عام 2005 وثيقة قومية وطنية تُعتبر الأهم بعد الدستور الإيراني، وتعرف باسم «الإستراتيجية الإيرانية العشرينية» أو «الخطة الإيرانية العشرينية، إيران: 2025»، وتقدم هذه الوثيقة تصورًا عن الدور المستقبلي لإيران خلال 20 عامًا، حيث تضع نُصب عينها هدفًا واحدًا: أن تُصبح إيران قوة مركزية فاعلة ومهيمنة في مناطق: جنوب غرب آسيا، والمنطقة العربية والتي تشمل: شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام وسيناء، وفي سبيل هذا، سخّرت إيران عدة وسائل لتساعدها على تحقيق أهدافها ومصالحها، ومن هذه الأدوات:

التشيع الإيراني «مبدأ الولي الفقيه»: يُشكل الشيعة نسبة ما بين 6.7% : 13% من مجموع المسلمين حول العالم، وثلث هؤلاء في إيران وحدها، والتي تحاول بكل ما تملك نشر صورة مثالية عن رعايتها لمصالح الشيعة والمسلمين بشكل عام تحت مصطلحات مثل «الوحدة الإسلامية» و«التضامن الإسلامي» وغيرها، وإلى جانب هذا فإن الدور الذي يلعبه المرشد الأعلى «الوليّ الفقيه» باعتباره قائدًا سياسيًّا ومرشدًا دينيًّا، يجعل من السهل اجتذاب الشيعة بكل طوائفهم إلى إيران باعتبارها مركزًا لحماية مصالح الشيعة ورعايتها.

الإعلام: تضع إيران ميزانيات هائلة تحت تصرف إمبراطورية إعلامية تُعد الأكبر في المنطقة العربية، ومن أهمهم في جنوب غرب آسيا والعالم، وتجعل هذه الأداة وحدها من السهل الترويج لأية فكرة تود إيران زرعها عن نفسها حول العالم، وخاصة في البلدان المستهدفة من قبل خطتها العشرينية.

العداء لأمريكا والغرب وإسرائيل، مقابل الاهتمام بالقضية الفلسطينية كذلك تُعد من الوسائل التي تستخدمها إيران في الترويج لنفسها في البلدان العربية واكتساب حاضنة شعبية في تلك الدول.

بالرغم من كل هذا، فإن عنصر القوة الأكبر والأهم لدى إيران ينبع من كونها دولة «إسلامية شيعية» يؤمن جزء لا يُستهان به من شعبها بولاية المرشد الأعلى، تلك الولاية التي تمنحه بوصفه قائدًا سياسيًّا ودينيًّا، وتمنح إيران معه، قوة غير محدودة، تلك القوة التي جعلتها، على سبيل المثال، تتجاوز عقودًا من فرض العقوبات الأمريكية عليها والبقاء صامدة حتى الآن رغم قسوة تلك العقوبات.

خلاصة القول أنه: تلعب إيران دورًا لا يُستهان به في المنطقة العربية خاصة وفي إفريقيا وجنوب غرب آسيا عامة، وفي سعيها لامتلاك القوة الأكبر في تلك المناطق وفرض هيمنتها عليها، تظل الصراعات التي يمكن لإيران تأجيجها أو إنهاؤها، من خلال الميليشيات والجماعات التي تقوم بتجنيدها لتحقيق أهدافها الخاصة، وهي عنصر قوة ومصدر قلق للعديد من البلدان حول العالم عامة، والدول العربية خاصة، حيث أنها قادرة على تحريكها في أي وقت وحين، ووفق مصالحها الخاصة وفي السبيل الذي يدعم أهدافها العليا فقط.

ساسة بوست


اترك تعليق