المرحلة الثانية من "حلب الكبرى": الهدف كسر دفاعات النظام

By :

نقلت فصائل المعارضة السورية معركة "ملحمة حلب الكبرى" إلى مستويات جديدة، بعد هدوء نسبي، فضربت، أمس الخميس، مواقع قوات النظام والمليشيات الطائفية في حي حلب الجديدة، غرب المدينة، في تأكيد على عدم ثقتها واعترافها بـ"الهدنة الإنسانية" التي أعلنتها روسيا واعتبرتها المعارضة "مسرحية جديدة"، غايتها إيقاف المعارك غرب حلب قبل انهيار قوات النظام. وقد عززت الأهداف التي تحاول روسيا تحقيقها من وراء الهدنة، من هواجس المعارضة. وتريد روسيا من الهدنة التي قررتها، اليوم الجمعة، من التاسعة صباحاً ولغاية السابعة مساءً بتوقيت سورية، خروج مسلحي المعارضة من الأحياء الشرقية من حلب. وقد عرضت عليهم "توفير ممرات آمنة للانسحاب". وهو ما رفضته المعارضة بالمطلق، مؤكدة فقدانها الثقة في الروس الذين باتوا يتصرفون كـ"محتلين" في سورية. وتدرك المعارضة المسلحة أن خروجها من حلب بثقلها السكاني والاقتصادي، وموقعها الجغرافي في سورية، سيكون بداية النهاية لآمال السوريين في إسقاط نظام بشار الأسد، وخطوة واسعة في طريق إخضاعهم مرة أخرى.
وقد استدعى رفض المعارضة المتواصل لشروط الاستسلام، خروج عدد من مسؤولي الخارجية الروسية لتهديد المعارضة السورية بـ"دفع ثمن هجماتهم بحلب السورية، التي تستهدف تعقيد الوضع الإنساني وإحباط الهدنة". وفي هذا الصدد، ذكر نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، أن "القضايا التي تعرقل الجهود لتحسين الوضع في حلب، ترتبط بموقف أولئك الذين يعارضون الموقف الروسي من هذه المسألة، ويرفضون التأثير على الإرهابيين والمتطرفين المتخندقين بالمدينة". وشدّد على "أنهم يعملون عمداً على تعقيد الوضع وإحباط الإمكانيات التي توفرها قرارات القيادة السياسية والعسكرية الروسية. وهم سيتحملون مسؤولية العواقب المحتملة لهذا التوجه غير المسؤول والمنافي للإنسانية".
كما ترافقت التهديدات الروسية مع العودة إلى تكرار لازمة أن "الإرهابيين في سورية استفادوا من الهدنة الإنسانية المعلنة في حلب من أجل إعادة نشر قواتهم وتجديد مخزوناتهم". وتشير هذه الاتهامات التي أطلقتها المتحدثة باسم الوزارة، ماريا زاخاروفا، إلى أن روسيا تعد لاستئناف عملياتها العسكرية في حلب.
وأتى ذلك في موازاة عقد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أمس الخميس، اجتماعاً مع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الروسي، لبحث الوضع في سورية على خلفية القرار حول الهدنة الإنسانية، وفقاً لما أعلن المتحدث باسم الرئاسة الروسية، دميتري بيسكوف.
ولم يقتصر التشكيك بالنوايا الروسية على المعارضة السورية، بل اتخذت تركيا وألمانيا موقفاً مشابها إلى حد بعيد. وعلى الرغم من إجراء قائد القوات المسلحة التركية، خلوصي آكار، محادثات في موسكو، وصفها الجيش التركي بـ"البناءة"، لكن وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، أكد أمس الخميس، أنه "لا تزال هناك خلافات مبدئية بين الجانبين التركي والروسي حول مصير الأسد، وعدد من المسائل الأخرى". وأقرّ في تصريحات إعلامية، باستمرار الخلافات بين أنقرة وموسكو حول كيفية "الفصل بين المعارضين المعتدلين"، وبين من تصفهم موسكو بـ"الإرهابيين" في سورية، لا سيما في مدينة حلب.  من جهته، قال وزير الخارجية الألمانية، فرانك فالتر شتاينماير، إن "استمرار التوقف عن تنفيذ غارات جوية على الأحياء الشرقية في حلب، ساهم في تخفيف معاناة السوريين المحاصرين، ومع ذلك فإننا نرى أن القصف لا يزال مستمراً على أحياء تقع في أطراف المدينة وفي المناطق المحيطة بها، تماماً كما هو الحال في مناطق أخرى بسورية. وهي المناطق التي ما زالت تصلنا منها أخبار مفزعة عن الأسلوب الوحشي للنظام وداعميه". وأضاف أن "الأخبار كثيرة عن قصف المدارس وموت أطفال المدارس ومهاجمة مستشفيات أو استخدام أسلحة كيماوية". وجاء كلام شتاينماير عقب لقائه منسق الهيئة العليا للمفاوضات بالمعارضة، رياض حجاب، في مبنى الخارجية الألمانية في برلين أمس. وحول الهدنة الروسية قال إنها "ليست كافية على الإطلاق، لا الوقت كاف لإجلاء المرضى وشديدي الإصابة ولا للبدء في توفير الرعاية الإنسانية لسكان حلب". كما شدد شتاينماير على "ضرورة فصل مقاتلي جبهة النصرة عن بقية مقاتلي المعارضة السورية المسلحة".

أما رئيس النظام السوري، بشار الأسد، فأصر في مقابلة مع صحيفة "بوليتكا" الصربية، أمس، أنه "لم تعد لدى الحكومة السورية أي أسلحة كيماوية منذ عام 2013، لكننا حتى قبل ذلك لم نستخدمها على الإطلاق".

بدوره، كشف الرئيس السابق للمجلس العسكري الثوري في حلب، العميد زاهر الساكت، لـ"العربي الجديد"، أنه "بات من الصعوبة بمكان على قوات النظام بناء خطوط دفاع جديدة متماسكة بعد انهيارها في المرحلتين الأولى والثانية". وأشار إلى أن "معنويات قوات النظام باتت في الحضيض"، لافتاً إلى أن "انهيار الروح المعنوية لدى أي جيش مقدمة لانهياره، وهزيمته".

وأوضح الساكت أن "دفاعات قوات النظام التي تحطمت أمس، كانت تُعدّ من أقوى خطوط الدفاع في حلب، ما يعني أن قوات المعارضة باتت قادرة على التوغّل أكثر داخل الأحياء السكنية"، منوّهاً إلى أنه "تمّ تقييد حركة المناورة لدى قوات النظام، والمليشيات الموالية إلى حد بعيد داخل المدينة".

ولفت الساكت إلى أن "خطوط إمداد قوات النظام من خارج المدينة باتت مهددة، والكمائن التي تقوم بها قوات المعارضة على طريق خناصر جنوب المدينة، شلّت حركته إلى حدّ بعيد". وذكر أن "قوات المعارضة تستهدف مطار النيرب العسكري، الذي يعتمد عليه النظام في إمداد قواته في حلب بالعناصر والذخيرة، ما أدى إلى تقييد حركة الطيران داخله".

من جانبه، ذكر المتحدث العسكري باسم حركة نور الدين الزنكي، أحد فصائل حلب، النقيب عبد السلام عبدالرزاق، لـ"العربي الجديد"، أن "المرحلة الثانية من ملحمة حلب الكبرى، تأتي استكمالاً للمرحلة الأولى، التي سيطر من خلالها مقاتلو المعارضة على مواقع عدة، أبرزها ضاحية الأسد، وباتوا على مشارف الأكاديمية العسكرية".

وأشار عبدالرزاق إلى أن "أبرز أهداف المرحلة الثانية التقدم داخل حي حلب الجديدة، وكسر دفاعات قوات النظام، والمليشيات الطائفية، التي تعتبر الأقوى على جبهة حلب الغربية". مع العلم أن المرحلة الثانية من "ملحمة حلب الكبرى"، انطلقت قبل يوم واحد من هدنة "إنسانية" أعلنتها روسيا، التي طلبت من الفصائل المسلحة في شرق حلب "وقف أعمال القتال والانسحاب من المدينة بأسلحتهم، عبر ممرّين خاصين يؤدي أحدهما إلى الحدود السورية التركية، وآخر إلى إدلب".

ميدانياً، سيطرت فصائل غرفة عمليات "جيش الفتح" و"فتح حلب" أمس على العديد من المواقع وكتل الأبنية داخل حي حلب الجديدة، و"3000 شقة" جنوب غربيها، بعد إطلاقها الجولة الثانية من معركة فك الحصار، استهلتها بتفجير أربع مفخّخات.

وذكرت الفصائل المشاركة في العملية على حساباتها الرسمية، بمواقع التواصل الاجتماعي أنّها "فجّرت عربتين مفخختين في حي حلب الجديدة، واثنتين أخريين في مشروع (3000 شقة)، ما أدّى إلى مقتل وجرح العشرات من عناصر النظام والمليشيات، بينهم ضابطان للنظام أحدهما برتبة عميد من مرتبات الحرس الجمهوري، والآخر عقيد".

كما دوى انفجاران كبيران الخميس ناتجان عن مفخختين لجيش الفتح التابع للمعارضة استهدفتا مقرين لقوات النظام في حي حلب الجديدة. وأعلنت "جبهة فتح الشام" (جبهة النصرة سابقاً) على حسابها على موقع "تويتر"، أن "المجموعات الانغماسية، ومدرعات الاقتحام كسرت الخط الدفاعي الأول لقوات النظام، وبدأت بالتوغل داخل حي حلب الجديدة".

يُذكر أن الفرقاطة الروسية "الأميرال غريغوروفيتش"، غادرت ميناء سيفاستوبول في شبه جزيرة القرم، أمس، للانضمام إلى المجموعة البحرية للبلاد في البحر المتوسط بالقرب من السواحل السورية. وتحمل الفرقاطة وهي واحدة من أحدث السفن الحربية الروسية صواريخ "كاليبير" وهي صواريخ "كروز" مخصصة للهجوم البري. مع العلم أن مجموعة مؤلفة من ثماني سفن بينها حاملة الطائرات الروسية الوحيدة "الأميرال كوزينستوف" والسفينة الحربية "بيوتر فيليكي"، تحركت إلى الشواطئ السورية، للانضمام إلى نحو عشر سفن روسية أخرى متمركزة بالفعل قبالة الساحل السوري.

العربي الجديد


اترك تعليق