والعود أحمد: عن عبد الرحمن بدوي

By : د. محمد عمارة
قبل شهر من وفاة الدكتور عبد الرحمن بدوي في 25 -7 - 2002م، أجرت معه مجلة "الحرس الوطني" السعودية حوارا، عبر فيه هذا المفكر العملاق عن تحوله من الوجودية الملحدة إلى الإسلام، وانتقد فيه الحداثة الغربية والحداثيين، وهاجم العولمة، ودافع عن الأصالة الإسلامية.

ولقد عبر الدكتور بدوي في هذا الحديث عن نقده لماضيه الوجودي، فقال: "لا أستطيع أن أعبر عما بداخلي من إحساس بالندم الشديد؛ لأنني عاديت الإسلام والتراث العربي لأكثر من نصف قرن، وأنا أنوي -بعد شفائي- أن أكون جنديا للفكر الإسلامي، وللدفاع عن الحضارة التي شادها الآباء والأجداد، والتي سطعت على المشارق والمغارب لقرون وقرون.

إن أي عقل ناضج يفكر لا يثبت على حقيقة واحدة، ولكنه يتساءل ويستفسر، ويطرح أسئلته في كل وقت، ويجدد نشاطه باستمرار، ولهذا فأنا في الفترة الحالية أعيش مرحلة القرب من الله تعالى، والتخلي عن كل ما كتبت من قبل من آراء تتصادم مع العقيدة والشريعة، ومع الأدب الملتزم بالحق والخير والجمال، فأنا الآن هضمت تراثنا الإسلامي قراءة وتذوقا وشرحا، وبدا لي أنه لم يتأت لأمة من الأمم مثل هذا الكم الزاخر النفيس من العلم والأدب والفكر والفلسفة لأمة الضاد، كما أني قرأت الآداب والفلسفات الغربية في لغاتها الأم، مثل الإنجليزية والفرنسية واللاتينية والألمانية والإيطالية، وأستطيع أن أقول إن العقل الأوربي لم ينتج شيئا يستحق الإشادة والحفاوة مثلما فعل العقل العربي، وتبين لي -في النهاية- الغي من الرشاد، والحق من الضلال.

ولما سئل الدكتور بدوي عن الحداثة -بعد افتضاح علاقات الحداثيين الفكرية والمالية بالمخابرات الأمريكية- قال: "لقد ماتت الحداثة في الغرب في السبعينات، لكننا أحييناها على ترابنا، وفي جامعاتنا ومعاهدنا، وفي منتدياتنا الفكرية والثقافية والأدبية، وعادينا من أجلها تراثنا العظيم، وشعرنا العمودي، وفكرنا القويم، وظلمنا -بسببها- أدباءنا العظام، مثل الرافعي الذي يمتلك قدرات ومؤهلات أدبية وفكرية خارقة، وقلما رشيقا، وخيالا خصبا، وعبارات مبتكرة، وكتابات توزن بميزان الذهب، كما خضنا -بسبب الحداثة- حروبا طاحنة، واشتباكات فكرية لا طائل من ورائها، ولم يفطن أدباؤنا ولا مفكرونا إلى حقيقة الحداثة وأوزارها ومساوئها إلا بعد صدور كتاب "الحرب الباردة الثقافية: دور المخابرات الأمريكية في الثقافة والفن" الذي أحدث صدمة قوية بالنسبة لهؤلاء المتغربين، فاقتنعوا أخيرا بما كنا نقول من قبل!.

ولما سئل الدمتور بدوي عن رأيه في العولمة الغربية؟ قال: إنها شبح يريد الفتك بنا جميعا، فهي وحش كاسر يتربص بالعالم كله، كي يستحوذ عليه ثقافيا وفكريا وحضاريا واقتصاديا وعسكريا، وهي استعمار جديد، وهيمنة غربية على مقدرات العالم، وعقوله وأفكاره وأمواله، ويجب أن نتصدى لها، وأن نفيق لمخططاتها الجهنمية!

ولما سئل عن هجوم الحداثيين عليه، بعد تحولاته الفكرية، قال: ما دمت قد هاجمت الأصلاء سنين وسنين، فما المانع أن أذوق من الكأس ذاته؟! أنا سعيد بأن يهاجمني الوجوديون والعلمانيون والشيوعيون؛ لأن معنى ذلك أني أسير على الحق، وأنني على صواب، ولا أكترث بما يكتبون؛ لأن القافلة تسير والكلاب تنبح!!.

ولما سئل عن أمنياته، وهو على فراش المرض، قال: "أتمنى أن يمد الله في عمري، لأخدم الإسلام، وأرد عنه كيد الكائدين وحقد الحاقدين، وأن أفرغ من تأليف كتاب يكون مرجعا لمعالم الحضارة في الإسلام، وكتاب آخر عن الأدب والعقيدة، وغيرهما من الموضوعات التي نحتاج من الأصالة الإسلامية".

هكذا كانت عودة الأسد إلى عرينه، وإياب الابن البار إلى أحضان أمته وحضارته، عليه رحمة الله.

اترك تعليق