فهي كالحجارة أو أشد

By : د. أحمد المحمدي

بعض آية من كتاب الله يتحدث فيها عن قلب أشد قساوة من الصخر الأصم، {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ}.


كم هي مقارنة موجعة! أن نجد فضلا للصخور على بعض القلوب، فللينها ومطاوعتها تنشق لينفسح من بين جوانحها الماء المتدفق، أو تهبط وتتردى كأنما خضعت وتذللت.

إمام التفسير في زمانه قتادة بن دعامة السدوسي (ت118 هـ) نبه إلى هذه المقارنة فقال: «عَذَر الله الحجارة، ولم يعذر شقيّ بني آدم»!

والسبب في ذلك أن قسوة القلب حين تتمكن منه يخسر القدرة على الاتصال بالله سبحانه وتعالى، ومناجاته، والتشرف بالانطراح بين يديه.

إن الصورة الذهنية عن القلب القاسي في القرآن تلخصها آية من كتاب الله: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} وهذا الوعيد يقودنا إلى أسباب هذا الوعيد في القرآن الكريم:

1 — أنها تحرم المرء من التضرع لله: {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَاسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ}.

2 — أن القلوب القاسية هشة تنهار أمام الفتن: {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ}.

3 — أن قسوة القلب تنتج بسبب بعد العهد بالذكر: {فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ}.

لقد أثبتت التجارب أن أنفذ الأدوية وأسرعها في معالجة قسوة القلب هو تلاوة وتدبر كتاب الله قال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} وأخبرنا الله تأثر بعض أهل الكتاب كيف تغرورق محاجرهم دمعا: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ}.

إن هذا القرآن أنجع وسيلة تهز القلوب وتطير بها عن منحدرات القسوة وكهوف الرين لمن تدبره.


اترك تعليق