رغم الانتقادات الحقوقية.. فرنسا تبدأ في تفكيك مخيم «كاليه» للاجئين

By :

أوفت الحكومة الفرنسية بتعهدها بإغلاق أكبر مخيم عشوائي في فرنسا قبل نهاية عام 2016، وبالفعل بدأت أمس بتفكيك مخيم «كاليه» الذي يطلق عليه اسمي «الأدغال» و«الغابة»، فقد قال الرئيس الفرنسي «فرانسوا هولاند»: «سيتم إقفال مخيم اللاجئين والمهاجرين غير الرسمي في كاليه في الأيام المقبلة، وسيتم نقل سكان المخيم إلى مراكز يتم فيها تقديم مساعدة أفضل».

«كاليه»، عرف منذ عام 2002 كمنطقة تجمع اللاجئين الذين وصلوا إلى أوروبا بهدف استكمال رحلتهم إلى بريطانيا، لكن ظروف الإقامة طالت في ظل صعوبة مواصلة اللاجئين والمهاجرين رحلتهم إلى بريطانيا، واستسلم آلاف اللاجئين بالأمس لبدء عملية التفكيك، ووقفوا يتابعون الإجراءات تحت رقابة 1250 شرطيًا، فيما بُدأ بنقل بعضهم بالحافلات إلى أماكن إيواء مختلفة.

وستكون الأيام المقبلة كفيلة لإظهار جدية فرنسا في إيجاد حلول لدمج المهاجرين وتمتيعهم بحقوقهم الإنسانية، إذ قالت الحكومة الفرنسية أنها «أمنت 7500 مكان لإيواء المهاجرين الذين سيمكنهم التقدم فيما بعد بطلبات لجوء لدول أخرى». ويفترض أن ينقل ما بين ستة آلاف وثمانية آلاف مهاجر بحافلات إلى مراكز استقبال محددة أقيمت على كل الأراضي الفرنسية، على مدى أسبوع من بدء تفكيك المخيم.

«كاليه» أوضاع مزرية

«إنَّه لا يصلح للحيوانات وهو أسوأ مكان رأيته في حياتي»، هكذا يصف المهاجر المصري «كريم» ظروف العيش في مخيم «كاليه» الواقع على بعد نحو خمسة كيلومترات عن مركز المدينة (شمالي فرنسا)، لقد أنفق هذا الشاب ثلاثة آلاف دولار في رحلة خطيرة بدأت من مصر نحو إيطاليا على متن قارب في البحر.

عندما أغرق المطر خيمة كريم ذات ليلة، وجد نفسه في العراء يتعرض للرشق بـ«البطاطا» من عنصريين فرنسيين. يقول كريم: «خلال شهر واحد في كاليه حاولت الهرب 20 مرة في شاحنات إلى إنجلترا، وكانت دائمًا المحاولات تُحبط من قبل الشرطة».

كريم واحد من آلاف اللاجئين والمهاجرين من الدول العربية والآسيوية والإفريقية الذي جاءوا «كاليه» على اعتبار أنه محطة مؤقتة، إذ يسعون للوصول إلى بريطانيا عن طريق زوارق أو قطارات وعلى ظهر شاحنات، فقد بُني هذا المخيم على يد المهاجرين بالصفيح في العام 2002 حتى عرف باسم «الغابة الجديدة« والهدف من هذه المنطقة بالتحديد الهرب على الشاحنات إلى المملكة المتحدة، فقرب المخيم من سواحل بحر المانش جعله محطة لآلاف اللاجئين الذين يريدون التعلق بالشاحنات المتوجهة نحو بريطانيا عبر النفق الذي يصل بين البلدين، وأوجد المهاجرون في المخيم مقبرة لدفن من تحول الظروف دون دفنه في بلده الأصلي، هذه المقبرة خصص جزء منها للمسلمين، وتضمّ نحو 20 قبرًا لأفغان وسودانيين وسوريين وماليين وإريتريين وباكستانيين.

آخر إحصائية شملت لاجئي المخيم قبل هدمه، كانت في أغسطس (آب) الماضي، أظهرت وجود نحو عشرة آلاف مهاجر بالمخيم كاليه، معظمهم من سوريا والعراق والسودان، يتواجد هؤلاء في مخيم يفتقد لأدنى الأساسيات المعيشية، وتحيط به ظروف أمنية سيئة، وعندما كان اللاجئون يحاولون المطالبة بتحسين ظروفهم المعيشية داخل المخيم، تندلع اشتباكات بينهم وبين السلطات الفرنسية يستخدم فيها الغاز المسيل للدموع ومدافع المياه.

«كاليه».. نقطة توتر داخلية وخارجية

اعتبرت فرنسا دائمًا مخيم «كاليه» بؤرة قلق يثار حولها جدل بين السياسيين من الداخل والخارج، فقد انتهز اليمين الفرنسي وضع المخيم ليثير الكثير من الجدل حول أهمية إغلاقه، وظل أعضاء المعارضة اليمينية يعربون عن خشيتهم من انتشار مخيمات صغيرة في جميع أنحاء فرنسا.

وتعرضت فرنسا لانتقادات من جمعيات معنية بمساعدة المهاجرين لسوء أوضاع المخيم، ثم لقيامها بتفكيكه دون إدراك لخطورة تبعات العملية، وقد تقدمت 11 منظمة بطعن وشككت في الإجراءات التي اتخذتها فرنسا، وأدانت في وقت سابق أمورًا كغياب مترجمين وتشتت متابعة المهاجرين. يقول نائب رئيس جمعية «لوبيرج دي ميغران» فرنسوا غينوك أن: «الحكومة تحلم بأن تحل المشكلة عبر تدمير المخيم لكن هذا خطأ، كثيرين من الذين يرحلون سيعودون، ولا يجب أن ننسى أن هناك وافدين جدد يبلغ عددهم نحو ثلاثين كل يوم.«

وسارع الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند بالإعلان عن إزالة فرنسا للمخيم، وقال: «يجب أن نزيل المخيم بالكامل ونهائيًا، الوضع غير مقبول والجميع هنا يعلم ذلك»، كما وافقت محكمة فرنسية الأسبوع الماضي على خطة تفكيك المخيم التي من المتوقع أن تستمر من أسبوع إلى عشرة أيام.

وشكل المخيم نقطة توتر بين باريس ولندن، إذ تصر فرنسا على أن بريطانيا بموجب القانوني الدولي ملزمة بلاجئي مخيم كاليه، كونها المقصد النهائي للعديد من المهاجرين، وكثيرًا ما طالبتها بالالتزام الكامل بالاتفاقات المتعلقة بإدارة تدفق المهاجرين، الذين يأتي أغلبهم من مناطق حرب مثل سوريا وأفغانستان والعراق، وقد دعا وزير الداخلية الفرنسي «برنار كازنوف» بريطانيا قبيل تفكيك المخيم بأيام إلى تحمل «واجبها الأخلاقي فيما يتعلق باستقبال اللاجئين، خصوصًا القاصرين غير المصحوبين بأوليائهم والموجودين في مخيم كاليه». وتريد فرنسا حل أزمة المخيم ضمن أزمة اللجوء الأوروبية، ويقول هولاند: «أريد كذلك أن أؤكد مجددًا تصميمي على أن تقوم السلطات البريطانية بدورها في الجهود الإنسانية التي تقوم بها فرنسا وأن تستمر في القيام بذلك في المستقبل».

إيواء قاصري «الغابة» مشكلة ما تزال قائمة

يتواجد في مخيم «كاليه» عدد من القاصرين، قدر عددهم بنحو 1300 طفل، وشكل وجود هؤلاء، خاصة غير المصحوبين منهم بأوليائهم أكبر أزمة أمام فرنسا وبريطانيا، فالخطر المحدق بهؤلاء الأطفال كبير، كونهم معرضين لخطر الاستغلال من قبل مهربي البشر أو التشرد في الشوارع.

في وقت سابق تم العمل على لم شمل بعضهم، ولأنه تبين أن 40% منهم لديهم أقارب في بريطانيا كان على الحكومة البريطانية استقبال الأطفال للم شملهم مع ذويهم، وقد تم ترحيل العشرات منهم، لكن المفاوضات ما تزال جارية بين باريس ولندن لترحيل المزيد، ويؤكد الفرنسيون أن بريطانيا ما يزال عليها استقبال المئات من القاصرين بعد تفكيك المخيم، مع مطالبة فرنسا لبريطانيا بتسريع إجراءات استقبال الأطفال والفتية الذين لدى نحو 500 منهم علاقات أسرية في بريطانيا.

وتؤكد منظمة «فرنسا أرض اللجوء» الخيرية أنه: «يوجد نحو 1300 قاصر بين آلاف المهاجرين الذين يعيشون في ظروف مزرية في مخيم المهاجرين المعروف باسم «الغابة» في شمال فرنسا»، ويظهر إحصاء المنظمة أنه: «بلغ عدد القصر 1290 قاصرًا، من بينهم 500 لهم عائلات في بريطانيا، و95% منهم يقولون إنهم يريدون الذهاب إلى بريطانيا«.

في بريطانيا، هددت منظمة خيرية بمقاضاة الحكومة البريطانية لاتخاذ إجراء سريع لإيواء أطفال كاليه الذي يخرجون الآن من المخيم، وشددت المنظمة أنها ستقوم باتخاذ إجراءات قانونية ضد الحكومة في المحكمة العليا بسبب مخالفتها المادة 67 من ملحق قانون الهجرة الصادر عام 2016.

ونقلت صحيفة «الغارديان» البريطانية أن: «منظمة «سيتيزينز يو كي» أو (مواطنون بريطانيون) وهي منظمة إنسانية تعمل في معسكر الغابة للاجئين في مدينة كاليه شمال غرب فرنسا هددت الحكومة البريطانية باتخاذ خطوات قانونية ضدها إذا لم تعجل باتخاذ الإجراءات المطلوبة بخصوص استضافة عدد من الأطفال».

وتؤكد المنظمة أن: «هناك 30 طفلًا في المعسكر لا يمكنهم تدبير أمر أنفسهم في الوقت الذي تستعد فيه الشرطة الفرنسية لتفكيك المخيم، وتنتقد المنظمة البرنامج الذي أعدته الحكومة البريطانية بخصوص استضافة الأطفال واعتبرته أحادي الاتجاه وبطيئًا».

ساسة بوست


اترك تعليق