سعة رحمة الله

By : د. جعفر الطلحاوي

الرحمة صفة من صفات الله ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة..

ولله تعالى اسمان مشتقان من الرحمة هما: الرحمن والرحيم وهما من أبنية المبالغة، ورحمن أبلغ من رحيم، والرحمن: خاص لله، ولا يسمى به غيره، ولا يوصف. والرحيم: يوصف به غير الله فيقال: رجل رحيم. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: "الرحمن: لجميع الخلق، والرحيم بالمؤمنين خاصة".

ولهذا قال تعالى (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) ليعم خلقه برحمته، وقال عز وجل (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا)، فخصهم باسمه الرحيم.

ورود الاسمين مقترنين:

ورد هذان الاسمان مقترنين في القرآن الكريم ست مرات:

1 — قال تعالى (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)،

2 — وقال سبحانه (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)،

3 — وقال عز شأنه (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ)،

4 — وقال جل وعلا (حم . تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)،

5 — وقال عز من قائل (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ)،

6 — وقال تبارك وتعالى (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).

ورد هذا الاسم الرَّحْمَنِ مفردا في القرآن الكريم إحدى وخمسين مرة:

1 — قال تعالى (كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ)،

2 — وقال سبحانه (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا)،

3 — وقال عز شأنه (قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا)،

4 — وقال تبارك اسمه حكاية عن أم عيسى — عليه السلام (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا)،

3 — ورود اسم الرحيم منفردا:

اسم الله "الرحيم" لم يرد في القرآن منفردا إلا في ثلاثة مواضع لا رابع لها هي:

أ — (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا).

ب — (رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا).

ج — (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا).

أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (4) لاخامس لها:

موسى عليه السلام..

1 — (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [الأعراف: 151]

يعقوب عليه السلام..

2 — (قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [يوسف: 64]

يوسف عليه السلام..

3 — (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ . قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [يوسف: 91، 92]

أيوب عليه السلام..

4 — (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [الأنبياء: 83]

وفي السنة النبوية المطهرة:

في الصحيحين: "فَيَقُولُ الْجَبَّارُ — عز وجل" "شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا شَفَاعَةُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ" "فَبِعِزَّتِي لَأُعْتِقَنَّهُمْ مِنْ النَّارِ" "فَيَقْبِضُ الْجَبَّارُ — عز وجل — قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ، قَدْ عَادُوا حُمَمًا" "فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَرٍ بِأَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ: نَهَرُ الْحَيَاةِ" "فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ اللُّؤْلُؤُ، فَيُجْعَلُ فِي رِقَابِهِمْ الْخَوَاتِيمُ" "وَيُكْتَبُ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ: هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ اللهِ — عز وجل" "فَيُذْهَبُ بِهِمْ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ" "فَيَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ" "فَيَقُولُونَ: هَؤُلَاءِ الْجَهَنَّمِيُّونَ" "الَّذِينَ أَدْخَلَهُمْ اللهُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ" "فَيَقُولُ الْجَبَّارُ: بَلْ هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ الْجَبَّارُ" "ثُمَّ يَقُولُ الرَّبُّ — عز وجل: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ، فَمَا رَأَيْتُمُوهُ فَهُوَ لَكُمْ وَمِثْلَهُ مَعَهُ" "فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، فَيَقُولُ: لَكُمْ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ هَذَا، فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا أَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟، فَيَقُولُ: رِضَايَ، فلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا".

خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (2) لا ثالث لها وفي سورة واحدة "المؤمنون":

1 — (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِين) [المؤمنون: 109]

2 — (وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) [المؤمنون: 118]

سعة رحمة الله (3) لا رابع لها:

الله تعالى ذو رحمة واسعة فقد وسعت رحمته — سبحانه — كل شيء ووسع — جل شأنه — كل شيء رحمة وعلما..

أولا: في حديث المولى عز وجل عن نفسه

1 — قال سبحانه: (وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) سورة الأعراف الآية 156 مكية.

ثانيا: حملة العرش يتحدثون:

2 — وقال جل شأنه (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ}[2] سورة غافر الآية 7  


اترك تعليق