التصفيات الجسدية في مصر: دفن الحقائق وتصعيد حقوقي دولي

By :

لم تكن واقعة تصفية قوات اﻷمن المصرية للقيادي اﻹخواني البارز محمد كمال ومرافقه ياسر شحاتة، مساء الإثنين الماضي، في منطقة البساتين بمحافظة القاهرة، هي اﻷولى من نوعها، إذ عمدت إلى اتباع نفس اﻷسلوب منذ الانقلاب العسكري على الرئيس المعزول محمد مرسي في 3 يوليو/تموز 2013.

تصفية كمال، تمت بنفس الطريقة التي تتبعها أجهزة اﻷمن، لناحية القبض على قيادات باﻹخوان ثم تصفيتهم بإطلاق الرصاص عليهم، وهو ما يدفع بعض المراقبين إلى القول إن المقصود هنا دفن الحقائق لأن هؤلاء القادة مطلوبون على ذمة قضايا وهمية.

في يوليو من العام الماضي، أقدمت قوات اﻷمن على تصفية 13 قيادياً في جماعة الإخوان، داخل أحد العقارات خلال اجتماع لهم، لبحث كيفية دعم أسر المعتقلين والقتلى. وأعقب الواقعة في أغسطس/آب 2015، تصفية ستة قادة من الإخوان في محافظة الفيوم، بخلاف عمليات التصفيات لعشرات الشباب في محافظات مختلفة بدعوى إطلاق الرصاص على قوات الشرطة خلال القبض عليهم.

وفي وقت سابق، حذّر حقوقيون ومنظمات للمجتمع المدني، من تكريس قانون الإرهاب لعمليات القتل خارج إطار القانون "التصفيات الجسدية"، تحديداً بعد اتباع قوات اﻷمن لهذا الأسلوب منذ الانقلاب العسكري، من منطلق "من أَمِن العقاب أساء الأدب"، فيما يرى محام يتابع قضايا المعتقلين أن الغرض من هذا اﻷسلوب هو دفن الحقائق وإضاعة الحقوق. وتستعد جماعة اﻹخوان المسلمين لتصعيد تصفية كمال دولياً على المستوى الحقوقي، لمواجهة القوة الغاشمة والظلم البيّن للنظام الحالي وأجهزته اﻷمنية.

وتقول مصادر بالجماعة خارج مصر، إن القيادات بالخارج ستعقد اجتماعات خلال اليومين المقبلين ﻹعداد ملف بعمليات التصفيات الجسدية وانتهاكات الأجهزة اﻷمنية للحقوق الخاصة برافضي الانقلاب، التي انسحبت أيضاً على معارضي السيسي حتى من معسكر 30 يونيو/حزيران. وتضيف أن التحركات تحتاج أولاً إلى دراسة الموقف وأبعاد اﻷزمة، لتحريك دعاوى قضائية وملاحقة السيسي وجهاز الشرطة دولياً، فضلاً عن تحديث الملف اﻷسود للوضع الحقوقي في مصر وإرسال للجمعيات والمنظمات الدولية المعنية بحقوق اﻹنسان، وسفارات الدول المختلفة.

ودان القيادي بجماعة اﻹخوان جمال حشمت، عملية الاغتيال، وذكر في منشور على صفحته على موقع فيسبوك، أن "عملية الاغتيال تؤكد ضرورة تغيير منهج مواجهة الانقلاب العسكري والخروج من اﻷداء الحالي لفرض واقع جديد".

من جانبه، يقول محام يتابع قضايا رافضي الانقلاب إن "عمليات التصفية الجسدية لعدد من المتهمين منذ وصول السيسي إلى الحكم منهج متبع من قبل قوات اﻷمن المصرية". ويضيف المحامي لـ"العربي الجديد"، إن "أسلوب التصفيات الجسدية الغرض منه في اﻷساس دفن الحقيقة، وعدم الرغبة في تحقيق العدل وإجراء محاكمات عادلة تثبت صحة أو خطأ الاتهامات الموجهة ﻷي شخص". ويشير إلى أن "روايات الداخلية حول التصفيات الجسدية، دائماً ما تكون عبارة عن إطلاق نار من متهمين خلال عمليات القبض عليهم، ولكن في الحقيقة مع مرور الوقت يثبت عدم صحة تلك الروايات".

ويلفت إلى أن "الصور التي تنشرها وزارة الداخلية حول قتل مواطنين أو قيادات رافضة للانقلاب، هي نفسها ما تثبت عدم صحة تلك الروايات، التي تعتمد على تصوير القتلى في أوضاع غير قتالية بالمرة ولكن بجوارها السلاح، بما يؤكد أنه تم وضع تلك اﻷسلحة بجوارهم فقط".

ويذهب المحامي إلى حدّ القول إن "وزارة الداخلية لم تعد تتبع هذا اﻷسلوب في تصوير الضحايا الذين يسقطون برصاص اﻷمن، بعد سيل الانتقادات والهجوم عليها وكشْف زيْف تلك الروايات من خلال تلك الصور". ويشدد على أن النيابة متورطة ومتواطئة في عمليات التصفية الجسدية، حيث إن هذه التحقيقات تأتي كنوع من التصديق ليس إلا، من دون محاولة معرفة حقيقة ما حدث وسؤال شهود العيان، لكشف ملابسات المداهمات اﻷمنية.

من جهته، يقول حقوقي مصري إن "التصفيات الجسدية تعتبر من جرائم القتل خارج إطار القانون، والتي تستوجب محاكمة المتورطين فيها، ولكن جاء قانون اﻹرهاب ليفلت هؤلاء من العقاب". ويضيف لـ"العربي الجديد" أن "الوضع في مصر بات لا يحتمل في ظل تصاعد الانتهاكات من قبل اﻷمن وتغوّل اﻷمن الوطني في كل كبيرة وصغيرة بشكل أسوأ من الوضع في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك". ويشدد على أن "السيسي يستغل شماعة اﻹرهاب في تبرير القتل والاعتقالات لمعارضيه من مختلف الفئات واﻷطياف السياسية والاجتماعية، وهو ما ينذر بسقوطه قريباً". وينتقد صمت المجتمع الدولي على أداء السيسي في الملف الحقوقي، تحديداً مع الانتقادات الواسعة من منظمات دولية على تجاوزات وممارسات الأجهزة اﻷمنية.

وفي وقت سابق، أصدر مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، تقريراً مطولاً لرفض قانون اﻹرهاب الصادر بقرار من السيسي في 15 أغسطس/آب 2015. وعرض التقرير، أسباب الاعتراض والتحفظ على القانون سواء من المنظمتين، أو من قِبل أكثر من 22 منظمة حقوقية سبق أن سجلت اعتراضها عليه، فضلاً عن الجماعة الصحفية ممثلة في نقابة الصحفيين ومجموعات أخرى سياسية وقانونية.
وأكد أن قانون اﻹرهاب صفعة جديدة للدستور ويهدم دولة القانون، ويرسّخ لحالة الطوارئ غير المعلنة التي يكرسها تحت ذريعة حماية المجتمع والوحدة الوطنية ومنع ترويج أفكار داعية للعنف، إضافة إلى أنه يشجع القائمين على إنفاذه على استخدام القوة المميتة والقاتلة، بل ويضمن إفلاتهم من العقاب، إذ أعفاهم القانون من المسؤولية الجنائية حال استعمالهم القوة لأداء "واجباتهم" أو دفاعًا عن النفس والمال.


العربي الجديد


اترك تعليق