قمّة كلنتن الدّولية للمرأة المسلمة ٢٠۱٦

By :

 بمناسبة قدوم احتفال التّأسِّي بسيدتنا خديجة رضي الله عنها (بالتّوازي مع احتفال ولاية كلنتن بعيد النّهوض بالمرأة)، نظم اتحاد العلماء الماليزيين والاتحاد الوطني للأكاديميين بالاشتراك مع الأمانة العامّة للنهوض بالمرأة والأسرة والأعمال الخيرية بولاية كلنتن "قمة كلنتن الدولية للمرأة المسلمة في اليومين؛ ۱٥ و ۱٦ من شهر أغسطس عام ٢٠۱٦ الّتي عقدت في مدينة "كوتا بهارو" الكائنة في ولاية كلنتن.

 أهداف القمة

إبراز التحدِّيات العصرية مع الإشارة إلى الخطط المثلى وتطبيقها الّذي قد نفّذته المنظمات المعتنية بالمرأة المسلمة حول العالم.

مناقشة وقائع المرأة المسلمة المعاصرة  والآراء المقدّمة إزائها.

إعداد الخطط والاستراتيجيات لتنفيذها نحو تحقيق معاملة أفضل للمرأة حسب البيئة المحيطة لها في بلدها.

كلمة الدكتورة هدى العوادي في قمّة كلنتن الدولية للمرأة المسلمة 2016 ممثلة عن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين
أصحاب السمو ، أصحاب المعالي، أصحاب الفضيلة ، أيها الحضور الكريم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يشرفني أن أشارك معكم اليوم نيابة عن الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بقطر في هذا المؤتمر المبارك بدولة ماليزيا رمز المثابرة والعمل الجاد والقدوة في الإنجاز المخطط والمرتكز على الاستثمار في رأس المال البشري. إن حرص الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين على المشاركة في هذا المؤتمر ، دليل على إيمانه بأهمية مثل هذه المؤتمرات التي تسلط الضوء على قضايا وجوانب هامة من حياة المرأة المسلمة و إيمانه أيضا بأن تكون  نتائج هذا المؤتمر بمثابة قيمة مضافة لوضع المرأة المسلمة و بالتالي للأسرة والمجتمع:
"النساء شقائق الرجال": هكذا قال رسول الله عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام. وقال الله سبحانه وتعالى "ولهن مثلُ الذي عليهن بالمعروف" وقال "أني لا أُضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضُكم من بعض" هذا شرع وعدالة وإنصاف من رب البشر للمرأة، فما موقف البشر من هذا؟ في الحقيقة لا ينكر أحد منهم أن المرأة ركيزة المجتمع وأنها الأم و البنت والأخت، و الزوجة. ، وأنها تشكل في الواقع أكثر من نصف المجتمع عددا و أنها هي التي تربي المجتمع كله. والواقع أنه لا ينبغي الاستهانة بالتقدم الذي حققته الجهود الإنسانية من قبل الرجال والنساء للنهوض بالمرأة على المستويات السياسية والتشريعية والحقوقية والاقتصادية والاجتماعية، مما أدى حقيقة إلى مراجعة كثير من المُسَلَّمات القديمة المترسخة والتي تسببت في كثير من إجحاف للمرأة ، كما أدت هذه الجهود إلى إرساء مجموعة من  المفاهيم العِلْمية التي سمحت بإتاحة مجالات أكبر من التفكير نتجت عنها لوائح و تشريعات في كل ما يتعلق بجوانب حياة المرأة وضمان حقوقها الإنسانية والمدنية وحفظ كرامتها وتمكينها اقتصاديا وعلميا وفكريا واستيعاب الخصوصيات البيولوجية والحضارية والثقافية والتربوية المتعلقة بالمرأة وظهرت ثماره على العديد من الأصعدة:
1- على صعيد البحث العلمي:   فقد اهتمت الكثير من الأبحاث والدراسات بالتركيز على  التركيبة النفسية والفيزيولوجية للمرأة وأثبتت علميا أن المرأة معرّضة أكثر من الرجل للإرهاق النفسي والضغوطات الناتجة عن تسارع متطلبات الحياة  وتصاعد المسؤولية، وأن هذا له تأثير كبير على بنيتها الجسدية والنفسية. ولأن المرأة أشد عناصر الأسرة تأثرا و تأثيراً, ولأن دورها في إنجاح الأسرة ونماء المجتمع  بالغ الأهمية، فإن التركيز على  الاهتمام بصحة المرأة النفسية و العمل على إخراجها من دائرة التوتر على قدر كبير من الأهمية وسينعكس حتماً صداه الإيجابي على كل محيطها.
2- على الصعيد التنموي: إنه لا يخفى على أحد أن عملية القضاء على الفقر و التمكين الاقتصادي لكامل فئات المجتمع لا يمكن أن تتحقق إلا بضمان تمتع المرأة بكامل حقوقها الاقتصادية ويشمل ذلك: حق التملك، والإنتاج، ،  والتصرف و حق الحصول على كل الخدمات والتسهيلات ذات الصلة. كما أنه لا يمكن إنصاف المرأة بالكامل دون  الاعتراف بعمل المرأة غير مدفوع الأجر في مجال أعمال الرعاية والعمل المنزلي، فليس من المتصور ولا المنطقي لمجتمع ما أن يحقق التنمية بشكل كامل، أو يحافظ  على مكتسباته عندما يكون معطّلا لأكثر من  نصف طاقاته، ولذا، فإن تمكين المرأة شرطا أساسيا لتحقيق التنمية الشاملة المستدامة. علما بأن هذا ما شرّعه رسميا المنتظم الأممي في خطة التنمية المستدامة 2030 في بداية سنة 2016 والتي تضمنت 17 هدفا معتمدا، حيث اهتم الهدف الخامس منها بتحقيق المساواة الاقتصادية بين الجنسين ضمن ضوابط الرؤية الإسلامية، وبتمكين المرأة والتركيز على القضاء على كافة أشكال العنف والتحرش والتمييز ضدها.
ومع كل هذه الجهود والنضالات واللوائح والتشريعات ها نحن ما زلنا اليوم نناقش في هذا المؤتمر مرة أخرى قضايا تتعلق بالمرأة في زمن كان من المتوقع أن تكون جُلّ قضايا المرأة - على الأقل المبدئية منها - قد تمت تسويتها ،  ولسائل أن يسأل لماذا مازلنا نناقش قضايا نوقشت في كل ما سبق من مؤتمرات وسال فيها حبر كثير؟ نقول للسائل:  في الحقيقة لا يوجد جواب واحد لهذا السؤال:
أولا: لأن قضية المرأة ليست قضية مُنفكّة، ولا مستقلة بذاتها، ولا منفصلة عن كثير من القضايا التي مازالت معلقة وما زالت قيد المداولات في العالم بالرغم من القناعات من أن كل ما طُرح فيها سابقا لا خلاف عليه و لا جدال فيه، و ذلك لأن الممارسات الواقعية لا تعكس دائما القناعات النظرية، أي أن في كل قضية هناك ظاهر الأمر وهناك حقيقة الأمر. فمثلا مازال حق التعليم للجميع قناعة نظرية أقرّتها كل الأنظمة والمؤسسات في العالم ولكن فيما يخص تطبيقها وتنفيذها ما زالنا نتفاجأ بإحصاءات ترد علينا باستمرار تفيد بأن هذا الحق لم يتحقق بعد بالوجه المرجو وخاصة في المناطق البعيدة التي لا تصل إليها وسائل التنمية،  و حتى و إن تحقق، فهو  غالبا لا تشمل المرأة في كثير من المناطق والمجتمعات، كما أنه مازالت تبعات الحروب والتوتر في العالم تؤثر على تحقيق التطلعات والحفاظ على المكتسبات،
ثانيا : ما زالت الحاجة قائمة إلى إصلاحات قانونية حقيقية وتشريعية مطبقة تحقق للمرأة المساواة والعدالة ضمن ضوابط الشرع التي تمكنها من تحقيق دورها بالكامل في مجتمع هي تشكل الأكثرية فيه، وتتيح لها بلوغ المواقع المتقدمة في مراكز صنع القرار، بالشكل الذي يرفع نسبة مشاركتها إلى المستوى الذي تطمح إليه.
ثالثا: لأن  هذا المؤتمر المستنير  جاء في التوقيت الذي يشهد فيه العالم ما يحصل في واقعنا الحالي في أنحاء الكرة الأرضية من نزاعات وحروب وعدم استقرار وما يترتب على هذا الوضع من تبعات على النساء والأطفال كاليتم والترمّل، مما يخلق مناخا موائما لتفشي ظاهرة العنف ضد المرأة وهو ما نصّ عليه قرار مجلس الأمن رقم 1325 بشأن المرأة والأمن والسلام، و باعتراف العالم أجمع بالتأثير الشديد السلبية للحروب والنزاعات على النساء بالخصوص، وبأهمية إلزام الأطراف المعنية في النزاعات بمنع انتهاك حقوقهن، ونصّ قرار مجلس الأمن على ضرورة كفالة مشاركة المرأة في مشاريع إعادة الإعمار، 
رابعا: نناقش قضية المرأة في هذا المؤتمر لنقول إن الالتزام الأدبي وحده لا يكفي ولا حتى سنّ التشريعات والقوانين، و نقول أن صياغة السياسات واللوائح لا تكفي ما لم تكن هناك آلية معتمدة جادة للمتابعة و التنفيذ و المساءلة و تقييم النتائج. و ما لم تتوفر البيئة الملائمة و كافة المعطيات المساندة والموارد الممكّنة للتنفيذ، والأهم ما لم تكن المرأة طرفا فاعلا في الصياغات والتنفيذ والمتابعة والتقييم واتخاذ القرار. من أجل كل هذا وذاك، ما زلنا نناقش قضايا مبدئية تخص المرأة ،
أيها الحفل الكريم، إنه من ضمن ما نحتاج إليه في هذه المرحلة والمرحلة القادمة هو توفر قواعد بيانات ذات مصداقية ودقة وجودة عالية تُحدّث وتُراجَع دوريا ولا تقتصر على المتوسطات الوطنية والإحصاءات العامة إذ لا تزال الكثير من البيانات التي تتعلق بقضايا مهمة وحساسة  ومنها قضايا المرأة ناقصة وغير موثوقة إن لم تكن غائبة، بحيث قلّما تعكس البيانات المتوفّرة الصورة الحقيقية لواقع المرأة الراهن و لا تظهر بدقة الثغرات  و لا تكشف التفاوتات في جميع النواحي. ولا تساعد بالتالي في أخذ القرارات المناسبة.
نودّ أن ندعو من هنا ومن هذا المنبر إلى ضرورة أن تكون الاحصاءات والمؤشرات جوهر العمل التنموي في جميع مجالاته، فالبيانات هي التي تقدم صورة حقيقية للواقع المُراد إصلاحه وتطويره، فالمرجو  هو  بلورة مؤشرات تكون بمثابة دليل ارشادي للحكومات في مراحل الصياغة والتنفيذ والمتابعة والتقييم للسياسات والتشريعات، وذلك لتحقيق المساواة والعدالة والشمولية.                                                                                                        إن ما نرجوه من نتائج هذا المؤتمر هو  الحث على الوصول إلى تخطي المرحلة النظرية إلى مرحلة العمل والتنفيذ لتحقيق مرحلة جديدة من العمل التنموي الشامل الذي لا يقصي أحدا ولا يستثني شريحة من شرائح المجتمع بغض النظر عن الموقع الجغرافي أو الجنس أو اللون أو السن. نحن في عصر دائم التغير و عالي المتطلبات و كثير التحديات، فلا بد من مواجهة هذه المعطيات برؤية شمولية وعمل مؤسسي متين يقتضي الاستخدام الفعال لكامل الطاقات والموارد، وتفعيل اللوائح والتشريعات، و يرتكز على التفاعل الإيجابي محليا وإقليميا ودوليا، ويستند إلى صحة ومصداقية البيانات وإلى العلم والمعرفة والبحث الموجّه، واتساع أفق الفكر الإنساني .
نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد لكل الجهود الجادة

 


اترك تعليق