فضل يوم عرفة وأحكام الأضحية

By : د. تيسير التميمي

وما زلنا نستظل بالعشر الأوائل من ذي الحجة ، وما زال لدينا متسع لنغتنم أجر العمل الصالح فيما بقي منها ، فلْنكثرْ فيها من العبادات ، ولْنتقربْ إلى الله تعالى بفعل الطاعات والخيرات :
(يوم الأحد) بمشيئة الله تعالى سيظلنا يوم عرفة وهو من أعظم أيامها ، فقد قرر كثير من العلماء أنه يوم الحج الأكبر المذكور في قوله تعالى { وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ } براءة 3 ، وحق له أن يكون كذلك ، فهو يوم عظيم اختصه الله تعالى بوقوف الحجاج في صعيده لأداء ركن الحج الأعظم الذي يتوقف على فواته بطلان هذه العبادة المفروضة ؛ ففي حجة الوداع { أَمر صلَّى اللهُ عليه وسلم منادياً فنادى : الحج عرفة من جاء ليلة جمع (أي مزدلفة) قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج } رواه الترمذي ، وفيه يُقْبِلُ الجموع من ضيوف الرحمن ووفده على ربهم إقبالاً منقطع النظير ؛ خاشعين ضارعين إليه راجين عفوه وغفرانه ورضاه ؛ متجردين من الدنيا وزينتها مستحضرين يوم الحشر إذ يُعرضون على ربهم ويقفون بين يديه للحساب ، فيقبل عليهم ربهم سبحانه في هذا الموقف العظيم ويتجلى برحمته وإكرامه ويُشهد ملائكته بالغفران لهم ؛ قال صلى الله عليه وسلم { ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيَقول ما أراد هؤلاء } رواه مسلم .
فالسُّنَّة كثرة الدعاء في هذا اليوم المبارك والإلحاح بهِ والابتهال والتضرع إلى الله سبحانه وتعالى ؛ قال صلى الله عليه وسلم { خير الدعاء دعاء يوم عرفة وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير } رواه الترمذي ، فلنحرص في هذا اليوم أن نسأل الله من عظيم فضله من خير الدنيا والآخرة ، قال صلى الله عليه وسلم { إذا دعا أحدكم فلا يقل اللهم اغفر لي إن شئت ولكن ليعزم المسألة وليعظم الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه } رواه مسلم .
وفي هذا اليوم المبارك تستحب المواظبة على الأذكار المأثورة ، ومنها التهليل لقوله صلى الله عليه وسلم { جددوا إيمانكم قيل يا رسول الله وكيف نجدد إيماننا قال أكثروا من قول لا إله إلا الله } رواه أحمد ، ومنها التسبيح لقوله صلى الله عليه وسلم { كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم } رواه البخاري .
وفيه يخسأ الشيطان ويذل ؛ قَال صلى الله عليه وسلم { ما رُئِيَ الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة } رواه مالك .
ويستحب لغير الحاج صيام يوم عرفة لفضله على سائر الأيام ؛ قال صلى الله عليه وسلم { صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده } رواه مسلم ، ولعلّ الله سبحانه أن يعصمه من الذنوب .
* ويوم الإثنين سيكون يوم النحر ، ويرى الفريق الآخر من العلماء أنه يوم الحج الأكبر ، فقد شرعه الله تعالى مكافأةٌ لعباده الأبرار ؛ يبتهجون بأداء ركن الإسلام فكان لهم عيداً ؛ يتقرب فيه المسلمون إلى ربهم بذبح الأضاحي رمزاً للتضحية والفداء وتوسعةً على الأهل والفقراء ؛ ولإدخال السرور إلى قلوب المساكين ؛ قال صلى الله عليه وسلم { ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم إنها لتأتي َيوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع من الأرض فطيبوا بها نفساً } رواه الترمذي ، واستذكاراً لأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام وآله الطيبين وطاعتهم المطلقة لله تعالى ففدى الله ولده إسماعيل بذبح عظيم ، سُئِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأضاحي فقال { سنة أبيكم إبراهيم قالوا فما لنا فيها يا رسول الله ؛ قال بكل شعرة حسنة } رواه أحمد ، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم { ضحى بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبّر ووضع رجله على صفاحهما ) رواه أبو داود .
والأضحية هي ما يذبح تقرباً إلى الله تعالى يوم النحر بشروط مخصوصة ، منها أن تكون من الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم لقوله تعالى { لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ } الحج 34 ، ويشترط لها سن معينة فيجزىء من الضأن ما أتم ستة أشهر ومن المعز ابن سنة , ومن البقر ابن سنتين , ومن الإبل ابن خمس سنين . ويشترط سلامتها من العيوب الفاحشة التي تنقص الشحم أو اللحم لقوله صلى الله عليه وسلم { لا يجوز من الضحايا العوراء البين عورها والعرجاء البين عرجها والمريضة البين مرضها والعجفاء التي لا تُنْقِي } رواه النسائي .
ويبتدئ وقت ذبحها بعد صلاة العيد ؛ قال تعالى { إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ } الكوثر1-3 ، وقال صلى الله عليه وسلم { من ذبح قبل الصلاة فإنما ذبح لنفسه ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين } رواه البخاري ، ويَنتهي بغروب شمس اليوم الثالث عشر من ذي الحجة .
ويستحب للمضحي أن يشهد أضحيته ؛ قال صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها { قومي فاشهدي أضحيتك فإنه يغفر لك عند أول قطرة تقطر من دمها كل ذنب عملته ؛ وقولي إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين } رواه البيهقي .
وله أن يأكل منها ويطعم ويدخر , لقوله تعالى { وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } الحج 36 ؛ ولقوله صلى الله عليه وسلم { إذا ضحى أحدكم فليأكل من أضحيته } رواه أحمد .
والأفضل أن يتصدق بالثلث ويتخذ الثلث لأقاربه وأصدقائه وجيرانه ويدخر الثلث , وله أن يهب الفقير والغني ، ولو تصدق بها جميعاً جاز ولو ادخرها جميعاً جاز ؛ لأن القربة إلى الله تعالى تكون بإراقة الدم .
وفي هذا اليوم أيضاً على المسلم أن يحرص على أداء صلاة العيد ، وعلى إخراج الجميع لحضورها إظهاراً لشعيرة عظيمة من شعائر الإسلام ، وهي سنة مؤكدة واظب عليها الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكان يخرج نساءه وبناته يوم العيد ليشهدن الصلاة . ويستحب للمسلم يوم العيد أن يتطيب ويتجمل ويلبس أجود ما لديه من الثياب عند الخروج إلى صلاة العيد لقوله تعالى { يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } الأعراف 31 .
وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقوا يوم العيد يتصافحون ويهنئون بعضهم ، فيقول المسلم لأخيه المسلم تقبل الله منا ومنك . فلْيهنىء بعضنا بعضاً بالعيد ولْنتصافح فيما بيننا ، فبالمصافحة تَتَحاتُّ الخطايا والذنوب كما تتحاتُّ أوراق الشجر ، قال صلى الله عليه وسلم { ما من مسلميْن يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا } رواه احمد وصححه الألباني .
ولْنحرص على صلة الأرحام ، قال صلى الله عليه وسلم { لا يدخل الجنة قاطع رحم } رواه مسلم ، فالصلة تعمق المودة والمحبة في النفوس ، وتقوي الوشائج الاجتماعية بين المسلمين . فحق علينا زيارة الأقارب والأصدقاء والجيران والمرضى وأسر الشهداء والجرحى والأسرى ، وأن ندخل الفرح إلى قلوب الأطفال ، أما قطيعة الرحم فهي الهجران المحرم ، قال صلى الله عليه وسلم { لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ؛ يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام } رواه البخاري ، وبين لنا أن الأخوين المتقاطعين لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبراً .
وعلى الرغم من أن ابتداء صلة الرحم بفعل المعروف مع الأقارب يعتبر سنة ؛ إلا أن قطعه عنهم بعد حصوله يعد ذنباً كبيراً ، قال صلى الله عليه وسلم { لا يدخل الجنة قاطع رحم } رواه مسلم ، وتكون القطيعة إما بالإساءة إليهم أو بترك الإحسان ؛ فإذا قطع المكلف ما اعتاده قريبه من الصلة والرعاية لغير عذر شرعي يصدق عليه أنه قطع رحمه .
ويتوعد الله تعالى قاطع الرحم بالقطيعة ؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي { قال الله أنا الرحمن وهي الرحم شققت لها اسماً من اسمي من وصلها وصلته ومن قطعها بتتّه } أي قطعته ؛ رواه الترمذي ، فالقطيعة موجبة لعقوبة الله تعالى في الدنيا قبل الآخرة ، قال صلى الله عليه وسلم { ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم } رواه الترمذي .
ولا يجوز صيام يوم الأضحى ، فقد { نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الفطر والنحر } رواه البخاري ، ولا يجوز أيضاً صيام أيام التشريق الثلاثة التي تليه لقوله صلى الله عليه وسلم { أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل } رواه مسلم ، وهي الأيام التي قال الله تعالى فيها { لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ } الحج 28 .
ويتأكد في هذه الأربعة الأيام التكبير عقب الصلوات بل وفي مطلق الوقت حتى غروب شمس اليوم الثالث عشر من ذي الحجة ، وعلينا ألاَّ نجعلها أيام معصية وتوسع في المحرمات كالأغاني والملاهي والمسكرات ونحوها مما قد يكون سبباً لحبوط أعمالنا الصالحات التي اكتسبناها في أيام العشر .
أحيانا الله جميعاً لمثل هذه الأيام المباركة والمناسبة العظيمة ، وأعادها علينا وعلى أمتنا بالنصر والعزة والتمكين ، وقد تحرر مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأسر ونير الاحتلال


اترك تعليق