داريا.. باقية وأعمار الطغاة قصار

By : د. أحمد موفق زيدان
داريا.. أسطورة جديدة ستضاف إلى قواميس الصمود العالمي.. أسطورة تعجز الكلمات كما عجزت اللغات كلها عن وصف بطولاتك وصمودك، لقد أتعبت من بعدك، صمود أسطوري لست سنوات تقريباً، فكنت في المقدمة يوم تباطأت المدن عن الانتفاض والانتصار لدرعا، وظللت في مقدمة المقاومين، بل وخنجراً مسموماً في ظهر العصابة الأسدية إن كان بالقرب من قصرها أو مطارها العسكري، ولا يضيرك بعد اليوم خروج أبطالك بعد كل هذا الصمود، فقد قاومت وقاتلت عدواً داخلياً مجرماً، ثم صمدت أمام عدو إقليمي صفوي أشد إجراماً، ووقفت لسنة بالتمام والكمال بوجه عدو ومحتل وغاز أجنبي دولي وهو وروسيا، والأعجب من ذاك كله صمدت لوحدك يوم تقاعس الثوار من حولك ورضوا بالذل والهوان، ورفضوا أن يفكوا الحصار عنك، وثمة أعجب من هذا وذاك كله، كسرت قاعدة تاريخية بأن السجين لا يحرر نفسه، فقمت يوماً بمحاولة كسر الحصار عن المعضمية، فسلام عليك يوم انتفضت ويوم صمدت ويوم خرج مقاتلوك إلى الشمال يستعدون لتحضير منبر صلاح الدين وهل ينكر أحد أن جحافله انطلقت من الشمال لتوحد الشام ومصر؟
يوم أخرج إخوانك في الشام مع من خرج من الشام الطهور مطلع الثمانينيات على يد الطاغية المؤسس لم نكن نظن يوماً أننا سنعود إليها، ظللنا لعقود ونحن نظن أن الشام محرمة علينا، وقالها لنا بعضهم بصريح العبارة، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، فهذا الشعب الذي انتفض هذه الانتفاضة المباركة لن يخذله الله تبارك وتعالى ولو تآمر عليه الكون كله بإذن الله، وإن الذي أعاد شباب الثمانينيات بعد عقود إلى بلادهم سيعيد أهل داريا وأهل حمص وأهل القصير والزبداني ومضايا إلى بلادهم، وإن المقاوم الثائر لا أرض له ما دام قد توجه إلى خنادق جديدة يثأر من خلالها من طغاته ومن جلاديه وممن أخرجوه.
سيحدثونك يا أخي أن درعا قد خذلتك وأن الغوطة ربما قد شاركت في خذلانك وأن هذه الدولة أو تلك ساهمت في إجلائك عن أرضك، ولكن اعلم تماماً أن عنوان الخذلان هو قوله تبارك وتعالى «قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ»، يوم رفض الثوار أن يتحدوا وينسقوا ويعملوا تحت راية واحدة، يوم سمحوا لكل من هب ودب أن يقتحم شامهم متحدين ومتراصين ضدهم، لكنهم أبوا أن يكونوا صفاً واحداً، وظن كل فصيل أن بمقدوره أن يحرر العالم بقوته، كمثل الطفل الذي لم ير خيراً في حياته فظن أن ما في يديه هو نهاية النعيم المقيم وما درى أن ثمة جنات وعيونا دنيوية بحاجة إلى سنوات وعقودا حتى يتمكن منها، وكذلك بعض الفصائل والجماعات التي لم تفهم العالم وتوازناته خالت أنها بقوتها البسيطة قادرة على إقامة ممالك وإمبراطوريات، وما درت أن الشام درة الكون، وأن شرار الأرض قد عزموا على وأد ثورتها، خشية أن تعود لسابق مجدها وغابر أيامها فتحكم العالم من جديد كما حكمهم بني أمية.
لعل داريا تكون الغلام الذي ضحى بنفسه من أجل أن يؤمن ويسلم قومه، ولعلها اليوم تكون قد فدت ثورة الشام بنفسها، فيتحد أبناء الشام بسببها، فيتعلموا منها صمودها وخبرة أبنائها في تحرير البشر قبل الحجر، لاسيما أن مقاتليها كانوا أبعد الثوار عن الخلاف والنزاع، بل ومتحدين ومتراصين، ومع هذا فقد أسلمهم العالم كله إلى القتلة والمجرمين ولم يكن فيهم من يصفه العالم بالتطرف والإرهاب، فهل سيثق أحد اليوم بحرص الكون على محاربة من رفعوه شعاراً. لقد وعدنا الله تبارك وتعالى بأن عاقبة من قاتل في سبيله وظلم وأخرج من دياره، النصر والعودة إلى الوطن بإذن الله «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ*الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ» ولن نقول للطغاة وللبغاة والمجرمين وكل من قاتل وتآمر على داريا وغيرها إلا ما قال أحدهم: «باق وأعمار الطغاة قصار».;

اترك تعليق