الشام.. أرض اللعبة الكبرى

By : د. أحمد موفق زيدان
عرض العضلات العسكرية الروسية بالشام ليست موجهة للأخيرة بقدر ما هي رسائل إقليمية ودولية عن عزمها تثبيت صورتها في المتوسط والمنطقة، فقد نشرت قاذفاتها الاستراتيجية لأول مرة منذ عام 1943 بقواعد إيرانية، وبموافقة نظام الملالي الذي رسّخ شرعيته لعقود بذريعة تكنيسه للقواعد الأميركية إبان حكم الشاه، بينما كانت تُعيّر دول المنطقة بسماحها لقواعد أميركية على أراضيها، يقابل ذلك ضرب بصواريخ بالستية من فرقاطاتها باللاذقية، ومن قبل استخدام قاعدتها العسكرية في حميميم، وكذلك إطلاق صواريخ بالستية من بحر قزوين، كل ذلك يحمل رسائل إقليمية لدول المنطقة من تركيا وباكستان إلى الخليج من أن الكل في خطر، وأن الحليف الاستراتيجي الإقليمي لها هو إيران المستعدة.
الخط الأحمر الحقيقي للدولة العميقة الأميركية هو الاقتراب من حلفائها الكرد، فبعد أن انقلبت العصابة السورية على شريكها الكردي وقصفته في الحسكة مستغلة ذرائعها الوهمية، قرعت أجراس الخطر في واشنطن، وهي التي كانت مبعوثها مايكل راتني ينصح المعارضة السورية قبل أيام في أنقرة بالحوار مع الكرد، ليخرج الناطق باسم البنتاجون ناصحاً قوات الأسد ألا تقترب من قواته أو من حلفائه المحليين في إشارة للكرد، فهذا الاشتباك له ما بعده وقد يؤسس لمواجهة عالمية.
سياسة الأرض المحروقة الأسدية استنسخت في الحسكة فنهبت عصابات أسد بيوتاً ومحلات، ولم ينفع انحياز مقاتلي الكرد لسنوات إلى جانب العصابة الأسدية ضد الثورة، وكانت إرهاصات نهاية شهر العسل بينهما، بدأت بزيارة الرئيس التركي أردوغان وإغلاق مكاتبها الرسمية في موسكو، مما مهد للتحول الكبير، ولا ندري إن كان التقارب التركي-الروسي الظاهري هدف إلى ضرب تركي للقوتين العظميين وحلفائهما فإن صدق حدسنا فستكون ضربة تركي معلم؟!
بالتوازي مع ذلك أعلنت أميركا عن سحب عدد من خبرائها من المملكة ممن كانوا ينسقون معها العمليات في اليمن، وأبقت على خمسة فقط من أصل 45 خبيراً، مما يشي إلى تراجع التنسيق بينهما، لاسيَّما مع تصاعد اللهجات الغربية ضدها بحجة سقوط ضحايا مدنيين من جراء قصفها، والظاهر أن مجيء السحب بعد أيام على اعتراف الروس بالمجلس السياسي الحوثي المعلن في صنعاء مؤشر على تراجع أميركي في المنطقة، وتزامن مع نشر فرقاطات روسية في ميناء عدن.
باكستان هي الأخرى التي لن ينسى لها بوتن دورها بتدمير الاتحاد السوفيتي وهو المهووس بإحياء دوره، ستكون هي الأخرى على الرادار الروسي، خصوصاً مع التوتر الخفي في العلاقات الإيرانية-الباكستانية، وقد جردت الأخيرة حملة متأخرة لملاحقة المتطوعين الشيعة الباكستانيين المتجهين للشام.
لم تتعرض ربما أميركا من قبل لإذلال في تاريخها القريب كما تعرضت له اليوم حين قصفت المقاتلات الروسية حلفاءها من الجيش الحر، ثم استهدفت قاعدتها في رميلان بالحسكة وكذلك على الحدود الأردنية، بالإضافة إلى التعدي على حلفائها الأكراد الآن الذين تعتبرهم حليفاً استراتيجياً وكنزها بالمنطقة وصفته كلينتون في مذكراتها بأنه أهم من الحليف الشيعي بالعراق، ووصل الأمر إلى أن يرفض الطيار الأسدي الرد على مكالمات الطيار الأميركي حين اقتربت طائرته منه لحظة قصفه مواقع الأكراد في الحسكة ليحذره من فعله.
الصين أيضاً سعت إلى حجز كرسي لها في أرض اللعبة العظمى، فقدمت المساعدات وتعهدت بالمزيد لعصابة القتل في دمشق، وهو ما يعزز الانسحاب الأميركي والتقدم الروسي-الصيني-الإيراني في المنطقة، وهو ثالوث خطير تاريخاً واستراتيجياً.
المطلوب اليوم مراجعة شاملة وسريعة للعلاقات الخليجية-التركية، وتكوين حلف سني قوي ينضم إليه باكستان المستشعرة للخطر لخبرته التاريخية معه، والسعي لتعميق الخلاف بين القوات الكردية والعصابات الأسدية، وإقناع إخواننا الكرد أن مكونهم لا يمكن أن يعيش في المنطقة دون الحاضنة السنية، وها هي التسريبات تتحدث أن الهدف الثاني للحشد الشيعي في العراق بعد تنظيم الدولة إنما هو الأكراد، ومن يشنق الأكراد يومياً في إيران لا يمكن أن يكون أميناً عليهم في العراق وسوريا، كما أن على المكون السني العربي أن يتواصل مع عقلاء الكرد للتوصل لاتفاق يقي فتح جبهات جديدة في تركيا وغيرها، والتركيز
على الخطر والسرطان الحقيقي العصابة الأسدية، فحرية الكرد حرية للعرب السنة والعكس صحيح.;

اترك تعليق