مناشدة وتذكير لفصائل الجهاد في سوريا

By : الأستاذ إبراهيم يوسف منصور

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله. والصلاة والسلام على مولانا رسول الله ومن والاه. 

وبعد.

بمناسبة تحقُّقِ الحُلم الذي كنا نراه بعيدا. فقرَّبه العزيزُ الحميد سبحانه، بأسرعَ مما كان يَظن أكثرُنا تفاؤلا.

فإني أستشعر الفرحة الغامرة بفك الحصار عن مدينة حلب المحررة.

 

الفرحة التي تتراقص بين جوانح كل مسلم ومسلمة يحبون الحق وأهله، ويكرهون الباطلَ والظلم والإجرام والكفرَ وأهله.

 

وإني إذ أحمد الله على ذلك أكملَ الحمد وأتَمه كما يحبه مستحقُّ الحمد سبحانه. لَأهنئُ نفسي وأهنئ كل مسلم ومسلمة، وكل مغتبط بهذا النصر العظيم والتحرير الكبير الذي نرجو أن يكون فاتحة خيرات متواليات تسعد قلوب المؤمنين بأكثر مما تبلغه آمالهم.

 

ولِأنَّ هذا اليوم له ما بَعدَه، فإني أناشد في هذه الكلمة الإخوةَ المجاهدين قادةَ الفصائل ورؤساءَ المجموعات وأمراءَ الجبهات وكُلَّ سيد مُطاع في جنوده قلُّوا أو كثروا، وأذكِّرهم الله الذي أكرمهم بهذا النصر المبين أن يجعلوا أول مشاريعهم، وأوجب أهدافهم، وغاية غاياتهم، المحافظةَ على وحدة الصف واجتناب التنازع والاقتتال.

 

أذكِّرهم نعمة عظمى من نعم الله أمَرنا الله تعالى بذكرها وتذكرها حين قال: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ? وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا...)[سورة آل عمران 103]

 

أذكِّرهم وصية القرآن الموجهةَ أصلا لحملة السلاح من المجاهدين أمثالهم في قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون(45)وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُم...َ(46))[سورة ا?نفال]

 

نناشدكم الله يا قادة الفصائل باسم كل مؤمن ومؤمنة. 

باسم كل الشهداء والجرحى والمهجرين والنازحين والمعتقلين. 

باسم كل مكلوم بفقد أحبته أو فقد بعض أطرافه أو فقد مسكنه أو فقد ماله وأسبابِ كسبه. 

باسم كل نفس زكية أُزهقت في الفتنة والاقتتال بين هذا الفصيل وذاك. وباسم أهليهم ومحبيهم الذين أعدّوهم ليكونوا سيوفا مسلولة على أعداء الله وأعداء الأمة والدين، فسُفكت دماؤهم في غير موضعها. وقُتلوا في غير المَقتَل الذي كانوا يَنشُدون. وشتان ما بين المَقتَلين.  

ثم نناشدكم باسم النفوس الزكية التي ما تزال سيوفا مسلولة على أعداء الله؛ لكن يخشى أن تكون يوما حطبا في محرقة الفتنة إن لم يحفظ قادة الجهاد وأمراء المجاهدين هذه المناشدة.

 

نناشدكم ونذكركم الله باسم كل هؤلاء أن لا تعيدونا إلى الفشل والهزيمة والتشرذم والاقتتال بعد أن عافانا الله من ذلك، وأكرمنا بتوحيد الصف وكافأنا بثمرته، وأنعِم وأكرِم بها مِن ثمرة. إنها فك الحصار عن حلب المحررة. ثم ما نؤمله من تحرير القسم المحتل منها. وما نؤمله بعد ذلك من آمال شريفة منيفة سامية متنامية.

 

اتقوا الله يا قادة الفصائل ويا حملة السلاح. والحذرَ الحذرَ من أن تُلبِّسوا علينا مرة أخرى بادعاء أدلة شرعية على وجوب مقاتلة إخوانكم بزعم الانتصار للإسلام. وما الإسلام الذي تزعمون عندئذ إلا الجماعةَ أو الكتيبة التي يراها منسوبوها هي وحدها الإسلام. ويُلغون  ما سواها. 

 

اتقوا الله فإن الإسلام أوسع من ضيق رؤيتكم؛  والأمة أكبر من مجموعتكم أو فصيلكم.

 

الولاء للأمة لا للمجموعة

ليكن الولاء للأمة كل الأمة. ولا يكن للكتيبة أو اللواء أو المجموعة على حساب الأمة.

بئس الولاءُ للفِرقة الذي يورث الفُرقة.

 

إن لزوم الإنصاف والإخلاص يوجب الإقرار للطرف الآخر بالحق. إن كان الحق معه. ولو كان ذلك على خلاف هوى المجموعة وقائدها. وإلا فأين نذهب بقوله تعالى: 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى? أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ? إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى? بِهِمَا ? فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى? أَنْ تَعْدِلُوا ? وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) [سورة النساء 135]

وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ? وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى? أَلَّا تَعْدِلُوا ? اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى? ? وَاتَّقُوا اللَّهَ ? إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)[سورة المائدة 8].

 

ورحم الله التابعي الفقيه الثقة عَبِيدة السَّلماني - بفتح العين المهملة وكسر الباء الموحدة - الذي كان مشهورا بصحبة علي رضي الله عنه كما قرره النووي رحمه الله في (تهذيب الأسماء واللغات).

فإن عَبِيدة هذا يروي عن علي رضي الله عنه؛ كما في السنن الكبرى للبيهقي، أن عمر رضي الله عنه ناظره في بَيع أمهات الأولاد. فكان علي يقول: (يُبَعن). وعمر يقول: (لا يُبَعن). فلم يزل عمر يراجع عليا حتى قال بقول عمر. رضي الله عنهما.

فلما أفضت الخلافة إلى علي بدا له صوابُ رأيه الأول. فقصَّ على صاحبه عَبِيدة السلماني. أنه أصبح يرى الآن أنَّ (أمهات الأولاد يُبَعن). على خلاف ما كان عليه رأيه ورأي عمر الذي مضت عليه الجماعة.

فقال عَبِيدة كلمته التي تعتبر منهجا في الإنصاف والولاء للحق يجب أن يلزمه كل صاحب انتماء علمي أو تربوي أو عسكري لعالم أو قائد أو مربٍّ. 

 

قال عَبِيدة: قلت لعلي: رأيُك ورأيُ عمر في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك في الفرقة.

 

هذا مع أن القضية من مسائل الفقه وأحكام القضاء؛ لا تقتضي مدابرة ولا مهاجرة ولا سفك دماء.

فشتان بين من ينصح متبوعه أو إمامه بالمزيد من الوحدة واللحمة مع الأمة، وبين يطيع إمامه في إعمال السيف في رقاب الأمة فيَقتُل أو يُقتَل حمية لهذه المجموعة أو انتصارا لذلك الفصيل أو طاعة عمياء لذلك القائد.

 

المعايشة لا الإقصاء

فيا قادة الفصائل والجماعات لا بد من توطين أنفسكم وجنودكم وتربيتهم على مبدأ المعايشة وليس الإقصاء.

المعايشة مع كل المذاهب الفقهية ومع كل المناهج الإسلامية الفكرية. حتى ولو كنت ترى الصواب في مذهبك أو منهجك. 

ليست المشكلة في أن ترى صواب مذهبك أو منهجك دون مذهب ومنهج غيرك. 

اعرض رأيك ودلِّل على صحة مذهبك في مقابل المذاهب الأخرى ما وسعك الاستدلال. فلا مشكلة، بل هو إثراء للفكر وتلقيح للعلم والمعرفة.

 

ولكن المشكلة كل المشكلة في أن تفرض رأيك أو منهجك بالقوة. على نحو من ضيق الأفق غير معهود عند المعتبرين من أهل الحل والعقد والعلم والحُكم في الأمة عبر تاريخها.

 

فقد تعايش أهل الرأي وأهل الحديث في الفقه. من غير أن يرى أحد الفريقين أنّ عليه - أو أنّ له - إكراه الفريق الآخر على غير ما اختاره لنفسه. بل كان كل من الفريقين مكملا للآخر.

وفي علم التفسير عبر تاريخه تعايشت مدرسة التفسير بالمأثور مع مدرسة التفسير بالرأي من غير غضاضة.

بل إنّ طالب العلم اليوم ليشعر أنه لا غنى به عن كلا المدرستين العريقتين المتكاملتين.

 

وفي علم العقائد تعايش أهل التأويل مع أهل التفويض. أو ما يسمى مذهب السلف ومذهب الخلف من غير نكير. وما أجملها من كلمة تدل على هذا التعايش والتكامل في العبارة المتداولة على ألسنة أهل ذلك الفن التي تقول: (مذهب السلف أسلم. ومذهب الخلف أعلم.) وإن أبى هذه العبارة من أباها.

 

بل لقد تعايش أهل السنة - وهم أصحاب السلطة والسطوة - مع المعتزلة والقدرية والخوارج وغيرهم،  وجرى ما جرى بينهم من المناظرات والمحاجة من غير أن يستثمر علماء السنة السلطة التنفيذية في قهر أو إكراه الآخرين لحملهم على مذهب أهل السنة والجماعة.

ولقد كانت فعلة أحمد ابن أبي دؤاد المعتزلي سُبَّة المعتزلة أبد الدهر لأنه انتقل من ميدان المحاجة بالعلم والنظر والدليل، إلى ميدان سطوة السلطة وتوظيفها في استكراه المخالف على القول بما لا يراه ذلك المخالف، واعتقادِ ما لا يعتقده.

وليس هذا إلا من مظاهر ضعف الحجة العلمية الذي يُلجئ المتعنت على جبر ضعف حجته بقوة بطشه. 

 

ليس من حق الفريق صاحب السلطة والسطوة أن يعمد إلى السلاح والإكراه بالقوة ما دام الفريق المخالف لم يتَعَدَّ ميدان المناظرة والمحاجة إلى العدوان بالسلاح. حتى ولو كانت المخالفة. بين إيمان ونفاق. ببن سنة وبدعة. فكيف إذا كان ميدان المخالفة فروعَ الإحكام؟!!

فقد تعايش النبي صلى الله عليه وسلم مع المنافقين. ولم يستهدفهم بالقوة المادية مع يقينه بكفرهم. ولكنهم لما لم يبادئوا بالسلاح لم يبادئهم به.

بل تعايش صلى الله عليه وسلم مع اليهود بموجب معاهدات عقدت بينه صلى الله عليه وسلم وبينهم. فوفى لهم ولكنهم لم يوفوا له.

 

وتعايش علي رضي الله عنه مع الخارجين عليه الذين كانوا يستعلنون بتكفيره، والذين هجروا الكوفة دار الخلافة إمعانا في المخالفة والمفاصلة الفكرية التي بلغت بهم حد تكفير علي ومن معه.

ومع كل هذا فإنَّ عليا رضي الله عنه أرسل إليهم أنّا لا نقاتلكم ما لم تصيبوا الدم الحرام أو المال الحرام.

وأذِن لابن عباس رضي الله عنهما بمناظرتهم وبيان ضلالهم، فثاب إلى الحق أكثرُهم، وبقي على الغَيِّ منهم بضعة آلاف. فقال علي لأصحابه: لا تَبدؤوهم بقتال حتى يُحدِثوا حَدَثا.

فأَحدثَ الخوارجُ حدثا فظيعا حين قتلوا التابعي عبد الله بن خَبّاب بن الأَرَتِّ رضي الله عنه. وبقروا بطن سُرِّيته عن جنينها. 

ومع هذا فإنّ عليا لم يقاتلهم، وإنما أراد منهم قَتَلة عبد الله بن خباب، دون غيرهم. فأرسل إليهم: أفيدونا بقاتل عبد الله بن خباب. فقالوا: كُلنا قتَله. 

فعند ذلك قاتلهم علي رضي الله عنه وأبادهم في وقعة النهروان.

فقد كان علي رصي الله عنه مستعدا للتعايش مع المخالفين له الناقمين عليه مع أنّ الخلاف بين الفريقين كان على هذا المستوى الفكري العميق.

 

فكيف إذا كان الخلاف اجتهاديا في الفروع والتفاصيل أو حتى في تفاصيل التفاصيل؟!!

كيف إذا كان الخلاف في مسألة الجهر بشيء من التذكير قُبَيل أذان الفجر، أو الجهر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم المندوب إليها بعد الأذان، أو الدعاء بعد الصلاة، أو الذِّكر الجماعي أو الدعاء الجماعي، أو الإنشاد الديني، أو إهداء ثواب القرآن إلى الأموات، أو قراءة الفاتحة بعد الدعاء، أو التوسل بجاه النبي صلى عليه وسلم؟!!! إلى غير ذلك من الفروع وفروع الفروع.

 

لا يصح أبدا أن يكون موقفُنا ممن خالفنا في الفكر أو المذهب أو الاجتهاد، الإلغاءَ والإقصاء والمعاداة واستباحة الدم. حتى ولو كنا ندين الله تعالى أنه على خطأ. فليس كل خطأ يبيح من المخطئ كل شيء.

 

إنّ مصلحة الوحدة والألفة وتماسك البناء ورصّ الصف في وجه العدو المشترك المتربص بالجميع، أعظم شأنا من الانتصار بكل الأسباب لرأي أو رؤية على نحو يَفُتُّ في عضُد الجميع لصالح عدو الجميع.

 

السلف والتعايش المنشود

وكم تساهل السلف في اجتهادات لهم في الأحكام فخالفوا اجتهاد أنفسهم لصالح وحدة أمتهم، وإجلالا للأئمة الذين خالفوهم.

فقد كان الإمام أحمد رحمه الله يرى أن خروج الدم من المتوضئ ينقض وضوءه. فسأله سائل: يا أبا عبد الله أتصلي خلف رجل احتجم ولم يتوضأ؟ فقال: سبحان الله! كيف لا أصلي خلف مالك بن أنس وسعيد بن المسيب؟!!

 

وعندما صلى الإمام الشافعي رحمه الله صلاة الصبح مع جماعة الأحناف في مسجد الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله في بغداد، ترك القنوت كما تركه إمامه في تلك الصلاة، علما بأن القنوت في الفجر عند الشافعي من أبعاض الصلاة التي تُجبر بسجود السهو.

 

ولما أراد الرشيد؛ وقيل: المنصور العباسي. لما أراد من الإمام مالك رحمه الله أن يخرج معه بكتابه (الموطأ) من المدينة إلى بغداد دار الخلافة، ليحمل الخليفةُ الناس على الموطأ كما حمل عثمانُ الناس على القرآن، أبى مالكٌ رحمه الله ذلك على الخليفة، وقال: يا أمير المؤمين لا سبيل إلى ذلك، فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تفرقوا في الأمصار فحدَّثوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعند كل أهل مصر علم، فدع الناس وما اختار كل أهل بلد لأنفسهم.

 

وفي سنن أبي داود أن ابن مسعود رضي الله عنه، حج في عام حج فيه الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، فصلى عثمان الرباعية بمنى أربعا، فقال ابن مسعود: صليتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، ومع عثمان صدرا من إمارته ثم أَتَمها.

فصلى ابن مسعود أربعا، فقيل له: عِبتَ على عثمان ثم صليت أربعا؟!! قال: الخلاف شر. 

 

إي والله الخلاف شر. 

رضي الله عنك يا ابن مسعود ونفع بفقهك. 

فهل لنا في ذلك معتبر في توسيع الأفق والاتساع للمخالف من غير هجوم عليه بالتبديع والتفسيق... ثم الاتهام بالكفر والشرك.... ثم ما يقتضيه ذلك من تبعات الحكم عليه بالردة.

 

التعددية سنة ربانية

يجب إن تعلموا يا قادة الفصائل وحَملَة السلاح الذين أكرمكم الله بالنصر العظيم في حلب، وخصوصا من كانت له الأغلبية في القوة العسكرية أو المُكنة الاقتصادية أو الكثرة العددية، يجب أن تعلموا أن  التعددية والتنوع داخل المجتمع المسلم سنة قائمة. فاجعلوه تنوع تعاون وتكامل لا تنوع تضاد.

فلا بديل عن التعايش.

 

ستجدون من يخالفكم في المذهب الفقهي فيرى مثلا في حدود حجاب المرأة المسلمة ما ترونه فلا تبدعوه، فإن له سلفا من أهل العلم معتبَرين. 

 

أو تجدون من يخالفكم في المنهج الفكري فيرى مدهب الإشاعرة فلا تكفروه. 

 

أو تجدون من يخالفكم في المنهج التربوي، فيرى التربية والسلوك على طريقة الصوفية الحقة فلا تعلنوا عليه النكير وتبادروا إلى التكفير.

 

أو تجدون من يخالفكم في المنهج السياسي فيرى مثلا الأخذ بمبدأ الانتخاب الذي لا ترونه، أو يُجيز من الاستعانة بالكفار ما لا تجيزون. فلا تصموهم بالتشبه بالكفار أو موالاتهم.

 

ولا يصح شرعا ولا سياسة ولا مصلحة أن تمارسوا القوة ضد هؤلاء لتحملوهم على رأيكم أو رؤيتكم أو اجتهادكم أو منهجكم.

إنّ توظيف القوة لفرض ذلك يعتبر باب ضلال كبير وشر مستطير.

لأن المدرسة أو الفصيل أو الجماعة الذين ستكرههم على ما تريد بالقوة إن كانوا عُزلا عن السلاح فقد استفحل الظلم والقهر. 

وإن كانت لهم قوة ومنَعَة وسلاح فقد استعرَتِ الفتنة واستحرَّ القتل. وكلا الأمرين شر يولد شرورا.

 

هذا مع الأخذ بعين الاعتبار أنه ليس كل ما تراه أو يراه فصيلك أو قائدك هو دائما الحق المطلق.

كما أنه ليس كل من خالفك فهو على باطل محض.

فإن رؤيتك نفسها أو رؤية فصيلك الذي تنتمي إليه قد تتغير حتى يرى أو ترى جواز ما كنت تراه من قبلُ جائزا. أو تحريم ما كنت تراه من قبلُ حلالا.

 

وكم من مراجعات جادة أعقبت أصحابها تراجعات حميدة! كما معلوم ومشتهر عند جماعة (أحرار الشام)!

وما فكُّ ارتباط (النُّصرة) الشهير عنا ببعيد.

وربما كان عند أصحابه قبل ذلك من الموبقات المحبطات.

 

فمن كان يجد لنفسه العذر في هذا التغيير المختلف رأسا على عقب، فليجد مثله لإخوانه في مخالفتهم له بناء على حسن الظن الذي هو الأصل في التعامل فيما بين المسلمين.

فإنّ في ذلك مَجلَبة للألفة والوفاق، وهو من أعظم أسباب القوة في الأمة.

 

كما أنّ فيه أعظم العافية من أسباب الشقاق والفُرقة وفساد ذات البين.

وهي الحالقة. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا أقول تحلق الشعر. ولكن تحلق الدين. رواه الترمذي وأحمد.

والله أعلم.

ألا هل بلّغت؟

اللهم فاشهد


اترك تعليق