مقالب!

By : د. سلمان العودة

كنت أحسب نجمه قد خفت، لبعد عهدي به، وضعف اتصالي بخبره، بيد أن لقائي معه قد غيّر حسباني؛ فالرجل مشرق الوجه، ظاهر الحماس، متحفّز للعطاء، يحمل ثلاثة أجهزة جوال، يرد على هذا، ثم هذا، ثم ذاك، وهو منهمك أثناء حديثه معك بتسطير رسالة، ويقدم لك الاعتذار بأن الأمر عاجل، وإلا فالتهذيب لا يحتمل أن يتشاغل عنك بهذه الطريقة، وحين استطعمته الحديث شعرت معه بنشوة الإنجاز.


فرغ لتوّه من مؤتمر مهم شارك فيه، وهو الآن في الطريق إلى ندوة علمية، وسيمرُّ على البيت لأمسية واحدة فحسب، ثم ينطلق إلى سفر طويل. تتخلله محاضرات عديدة، ينتهي منها بتسجيل برنامج تلفازي في مائة حلقة.


وإجابة على استيضاح بشأن الكتب، فثمت عنوانات عديدة، قد يطبع منها مئات الألوف من النسخ، أما هذا العنوان الخاص فقد طبع منه - بحمد الله - ثلاثة ملايين نسخة. عدا ما طبع للتوزيع الخيري والنسخ المسروقة!


وفي الموقع الإلكتروني " ======= " نوافذ عديدة، ومداخلات، وبحوث، وبرامج، وتواصل عبر الإيميل، واستشارات وقصائد ومحاولات..


- أدركت كم أن الحياة فعلًا تزخر بالمنتجين والعاملين والمبدعين والمؤثرين على أكثر من مستوى، وفي أكثر من ميدان، وأنها قابلة لتتسع للمزيد والمزيد من الداخلين والمحاولين، فكل قادم إلى هذا الوجود له مقعد مرصود؛ يصله بجهده وصبره وتوظيفه لمواهبه، بعد توفيق الله وتسديده.


والحياة للناجحين كالجنة، أبوابها عديدة، وفضاؤها فسيح، ولا تزال تستوعب الوافدين إليها. وتدفعهم لأعلى المقامات، كلما أنجزوا وواصلوا (اقْرَأ وَارْتَقِ).


وهي للفاشلين كالنار تحطمهم، وتذيقهم ألوان العذاب، وترحب بالمزيد منهم (هَلْ مِنْ مَزِيد)، يستوون فيها هم والجماد (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ).


- أدركت كم أن المرء محتاج إلى الشعور بالإنجاز والتأثير والنجاح. حتى يواصل سيره، إنه الحادي الذي يدفع النفس إلى ديمومة العطاء والتوهج، ويقاوم عوامل الإحباط واليأس والقنوط.


سبحانك اللهم؛ خلقت فينا هذا الإحساس المعتدل بالإنجاز لدوام دافعيتنا للفعل، وكيف نتوقف ونحن نرى الثمار من بين أيدينا ومن ورائنا، ونجد الرغبة والإقبال، ونسمع الثناء والإطراء، ونلمس التجاوب والتفاعل!


- أدركت أثر الشخصانية في التقويم، فحين أنهمك في ميداني وألهو عن الآخرين وأخبارهم أظن أنهم قد احترقوا، وقد تعزز عوامل الغيرة والمنافسة هذا المعنى.. حتى ليصدق قول المتنبي:


كَم قَد قُتِلتُ وَكَم قَد مُتُّ عِندَكُمُ ثم انتَفضتُ فَزالَ القَبرُ وَالكَفَنُ


فأقول عن آخرين إنهم ذبلوا، أو ماتوا، أو قتلوا، أو انتهوا، هذه هي السُّنَّة، حق على الله ألا يرتفع شيء إلا وضعه!


وكأنني أعدّ نفسي استثناء من هذه السنة، وأظن أن البشرية تذبل وتموت لتمنح مكانها لي!


ولماذا استعجل موت الناس قبل أوانهم؟ ألم يقل الله سبحانه وتعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} [الأعراف: 34]، {وَلَنْ يُؤَخِّرَ الله نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا} [المنافقون: 11] فلم ترني مسارعًا لدفن الناس حتى قبل أن يلفظوا أنفاسهم الأخيرة، نعم! النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "أسرعوا بالجنازة"، ولكن أنت أمام قوم أحياء أراك تستعجل مناياهم، أو تمني النفس برحيلهم، ولعلهم أذكر منك وأشهر، ولعلهم أتقى وأبقى، والأعمار بيد الله!


- أدركت كم نخطئ في تقويم مكانة الآخرين، ونحاول تعميم الانطباع الشخصي الذاتي. وكأنه حكم من الناس أجمعين، وهو انطباع يتأثر بالمنافسة، وبالموافقة أو الاختلاف، وبالحب أو البغض، وما منا إلا.. ولكن سِتر الله عصمة.


قد يغيب صاحبك عن ميدان فيفتح له في غيره، وقد تكثر عليه الهموم والانشغالات فيختار أمثلها وخيرها؛ لأن الواجبات أكثر من الأوقات، وقد "يعيد انتشار" جنوده بحثًا عن الميدان الأكثر تأثيرًا والأكثر خلودًا والأبقى أثرًا بعيدًا عن الضجيج الوقتي.


ومن الناس من حضوره مرهون بوجوده وحياته؛ فهو عابر للقارات، فإذا مات نُسي، ومنهم من كُتب له خلود بعلمه وفكره وتجديده وتأليفه فهو عابر للقرون.


- أدركت كم نحتاج إلى تقديم الثناء والشكر والإعجاب لأولئك الذين يواصلون ويواصلون مهما اختلفت الأوضاع من حولهم، يمرون بالجبال والوديان والسهول والأنهار، ويقطعون الفيافي والقفار، ويصلون الليل بالنهار، يمرضون ويصحون، ويفرحون ويحزنون، ويتعرضون للمحن والرزايا والعقبات والمعوقات، ويبطئون السير أحيانًا ويغذونه أحيانًا، ولكنهم مواصلون


في قلوبهم رحمة الودود..


في عطائهم كرم وجود..


في وجوههم نضرة الخلود..


إنهم مجاهدون..


إنهم مرابطون.


- أدركت كم نأخذ من المقالب حين نتحدث عن إنجازاتنا بتفصيل دقيق ممل، وكم نصدّق ما يقوله الناس عنّا، ونظن أننا رسل الإنقاذ ومصابيح الهداية، وأن الكون من دوننا سيكون كئيبًا والناس لن يطيقوا فقدنا! ، يقول اليونانيون: "عندما تقوقي الدجاجة تظن أنها ستبيض قمرًا سيارًا ".


مجاملات الآخرين لك قول طيب، بيد أنه لا يعني أنك استثناء في عالم الإنجاز والإبداع والتفكير، وعليك ألا تأخذه بكامل الجدية، بل فيه قدر من المجاملة اللطيفة.


وإحساسك بأهمية ما تؤديه لا يجب أن يصل بك إلى حد الغياب عن واقعية العمل، ومحدودية تأثيره، وكثرة معوقاته وممانعاته ومضاداته.


ولكي تدرك حجمك تذكر قائمة طويلة بأسماء النابهين والنابغين الآن، من رجال العلم والفكر والإدارة والمال والإعلام، وحدد موقعك بينهم.


وتذكر قوائم أكثر من الراحلين ممن كانوا ملء سمع الدنيا وبصرها، وربما لا تحلم أن تصل لأن تكون كواحد منهم ثم انطووا وانتهوا فأصبحوا سطرًا في كتاب، أو كلمة في أحدوثة، أو غُمروا فلم يُذكروا، حين تتصفح التاريخ أو تشاهد الآثار، أهرامات الفراعنة، أو قصور الرومان، أو متاحف الفينيقيين، أو فلسفة الإغريق، ستتضاءل إلى جانب اسطوانة ضخمة، أو مدرج هائل، أو مقبرة مهيبة، أو سِفْرٍ هائل، وستعرف أكثر وأكثر كم أنت ذرة تائهة في الفضاء، وكم ينطوي فيك من العوالم والمعالم والأسرار، فإن تواضعت فأنت كبير، وإن تعاظمت فأنت وضيع:


تواضع تكن كالنجم لاح لناظر على صفحات الماء وهو رفيع


ولا تك كالدخان يعلو محلقًا على طبقات الجوّ وهو وضيع


حجم إنجازك يكبر حين تقربه إلى عينك. وربما غطى عنك الدنيا، ضعه في مكانه الصحيح يكن حاديًا للعمل، محفزًا للعطاء، دافعًا للهمة، مع قدر من الإدراك الحسن ولا أقول التواضع، وكم عمل قليل تكثره النية الصالحة.


وبينا أهم بترك القلم وافتني رسالة تقول:


ما مسك الدهر إلا مس مختبر.....فما رأى منه إلا أشرف الخبر


فأقبل المجد يسعى نحوكم عجلًا.....مسعى غلام إلى مولاه مبتدر


يا من تساق البرايا طوع راحته.....موقوفةٍ بين قوليه خذي وذري


يا هاديًا راق مرآه ومخبره.....فكان للدهر ملء السمع والبصر


قالوا وقلت ولكن أين منك هم.....النقش في الرمل غير النقش في الحجر!


فوجدتها - وإن كانت في ظني منقولة - كالمدامة تدير الرؤوس، وأدركت كم أن المديح يسكر ويفعل في النفوس فعل الحميّا!


فإذا كان قد غلا واشتد زبده فهو حرام؛ لأنه يغوي الإنسان عن حقيقته، ويحمله على الكبر والبطر، وفيم إعجاب المرء بعملٍ إن كان صالحًا فهو محض فضل من الله، وهو يسيرٌ قليلٌ إلى جنب نعَمِه ومواهبه وعطاياه، وإن كان غير ذلك فهو جسد بلا روح، ومظهر بلا مخبر؛


لا يُعجِبَنَّ مَضيمًا حُسنُ بِزَّتِهِ وَهَل يَروقُ دَفينًا جَودَةُ الكَفَنِ!


اترك تعليق