صبراً حلب فالعسر آخره إلى اليسر..

By : د. أحمد موفق زيدان
قل للأُلى يشكون دهرهم
لا بد من حلوٍ ومن مُرِّ
صبراً إذا جللٌ أصابكم
فالعسر آخره إلى اليُسْرِ

ذاكرة الحواضر الكبرى فولاذية، تستمدها من تاريخ عريق تليد، شهدت حروباً ونكبات وكوارث وجرائم وجبابرة وقياصرة وأكاسرة، تماماً كما شهدت انتصارات وفتوحات عكسها بقاؤها شامخة مع رحيل عتاتها وقتلتها ومجرميها تماماً كما خلدت أسماء فاتحيها ومنتصريها، حلب ليست بدعاً في ذلك؛ ولذا فحين تأخرت انتفاضتها مطلع الثورة السورية، كان البعض يعتقد أن ذلك عادياً للحواضر الكبرى التي تستذكر كل ذاك التاريخ المجيد بعُجره وبُجَره وبحلوه ومُرّه، وتعرف أن ضريبة الانتفاض غالية ومكلفة، ولكن حين تنتفض يكون قراراً استراتيجياً لا رجعة عنه، ويكون قرار انتصار؛ لأنها مدينة وحاضرة تملك تاريخاً لآلاف السنين في مواجهة تاريخ عصابات طائفية منبتة لا تملك إلا عشرات السنين منه، وكيف لعشرات السنين أن تهزم تاريخاً مجيداً وخبرة تراكمية لآلاف السنين..
قد يتقافز أمامك أحدهم ليقول لك ماذا تقول وحلب اليوم مدمرة وحال المجاهدين والثوار في أصعب وأحلك ظروفه، داخلية من خذلان بعض الجبهات، وإقليمية مشغولة بأوضاعها أو متآمرة على الثورة، ودولية كونية تستبيح الدم السوري تحت لافتات ويافطات رفعتها أو ترفعها بوجهه، ولكن من قال: إن الثورة والثوار ينتصرون حين يكونون في أوج قوتهم، فالنصر لا يأتي إلا بعد يأس من حبل الأرض ليتعلق اليائس بحبل السماء وصدق الشاعر حين قال:
قد يُدرك الشرف الفتى ورداؤُه
خَلَق وجيبُ قمصِه مَرقوعُ..

فَكَم مِن عصاميٍّ أفلح، ومن عظامي أخفق، فالعصامية والاعتماد على النفس والذات هي قدر تلك العواصم والحواضر الكبرى، فإن كانت مدينةً كـ»داريا» العزة والكرامة صمدت أربع سنوات، فإن مدينة حلب الشهباء، ومدينة الشهداء والانتصار ستصمد أضعافه بإذن الله ولعل فك ارتباط جبهة النصرة بتنظيم القاعدة أخيراً واستبدال الاسم بجبهة فتح الشام فاتحة خير لحلب الشهباء والثورة السورية؛ إذ إنه لم يعد هناك مبرر لأحد بعدم الوحدة، وهي اللافتة التي رفعتها مدينة ضمير الثورة كفرنبل، ولم يعد هناك لسياسي وعسكري وثوري وناشط سوري أن يتذرع اليوم، فإن عهدنا الكذب والنفاق واللف والدوران على ما يسمى بالمجتمع الدولي، الذي سارع مباشرة إلى عدم اعترافه بهذا الانفكاك، وأصر على معاملة الكيان الجديد جبهة فتح الشام بجبهة النصرة، فإنه من المعيب، وإنه من الإجرام التاريخي بحق الشام وثورتها، أن نرى صمت بعض السياسيين والعسكريين على هذا الانفكاك وهم الذين صدّعوا رؤوس الشعب السوري بهذه الذريعة، وحين فكت النصرة ارتباطها خرج البعض ليشكك ويدعو إلى فك المشاريع والمنهج وووو..
هل طالب أحد هؤلاء أن يفكوا ارتباطهم بالآخر، وهل طالبهم أحد بالتخلي عن مناهجهم وآرائهم، وكأنهم في المعارضة السياسية والعسكرية لوناً فكرياً ومذهبياً واحداً، ولننسى القاعدة والنصرة، هل اتفق هؤلاء مع بعضهم بعضاً في مناطق أخرى، وهل اتحدوا فيما بينهم، أم أن بعضهم تقاتل، في حين نرى التنسيق والعمل العسكري الموحد في جيش الفتح الذي ضم جبهة النصرة سابقاً في كل معارك حلب وإدلب..
الآن ومع المعاناة الرهيبة التي تعانيها حلب الانتصار، لم يَعُدْ أمام الثوار والمعارضة بكافة أشكالها سوى تقديم مشروع موحد لحمل الثورة إلى نهايتها المنطقية وهي الانتصار، وما على الجماعات الكبرى إلا أن تبادر بمشاريع جامعة، ومثلما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الناس كالإبل المائة لا تجد فيها راحلة» وذاك ينطبق وينسحب على الجماعات الكبرى، فبعض الجماعات رواحل تحمل الكثير ولذا ننتظر من يعلق الجرس، وتحدي الجماعات والفصائل اليوم ما قاله وليم فوتنر: «لا تحاول أن تتفوق على منافسيك وأقرانك فقط بل حاول أن تتفوق على نفسك».;

اترك تعليق