ماذا تبقى من الناصرية؟!

By : د. سليم عزوز
استغاث البعض برموز الحركة الناصرية في مصر، لمواجهة زيارة وزير خارجية سلطة الانقلاب لـ"القدس المحتلة"، ولقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو"، فإذا بهم يغاثون بردود كالمهل يشوي الوجوه، بئس المواقف وساءت مرتفقا!

قديما قال الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل: "يوجد ناصريون ولا توجد ناصرية"، فعبد الناصر لم يخترع مشروعه، ولكنه استدعى مشروع محمد على وقام بتحديثه. أو هكذا قال، وقد خالفه الناصريون في ذلك فبرأيهم أن عبد الناصر جاء بمشروع وطني غير مسبوق في التاريخ المصري. ومهما يكن الأمر، فإن المشروع الناصري يقوم على دعامتين، الأولى: الانحياز للفقراء، والثانية: مناهضة إسرائيل، وعندما يحدث التقارب بين "أهل الحكم" في مصر، والقوم في تل أبيب، ثم لا يكون هذا محرضاً لأن ينفر الناصريون خفافاً وثقالا، ويغدوا خماصاً وبطاناً، فإننا نكون أمام تخاذل كاشف عن أن الناصرية لم يتبق منها شيء، لاحظ أن مشروع الانقلاب العسكري قام على عاتق رجال المال في عهد مبارك، وتضرر الفقراء منه ضرراً فادحاً وغير مسبوق!

وعندما انحاز الناصريون للانقلاب، لم يمثل لي هذا مفاجأة، فعبد الناصر هو أحد ضابط الجيش، وتنظيمه سمي بـ"الضباط الأحرار" ولم يكن قائداً لحركة شعبية، ولهذا فالبيان الأول لم يطلب من الجماهير الخروج والالتحام بـ"الحركة المباركة"، وإنما طالبهم الالتزام بالهدوء، هذا فضلاً عن أن المشروع الناصري قام على العداء مع الديمقراطية، وفي التطبيق لم يعد من الادعاء أن الحكم الناصري كان نموذجاً في انتهاك أدمية الناس، ولهذا فعندما ينحاز الناصريون للانقلاب العسكري، في (3) يوليو 2013، والذي تجلى استبداده من أول لحظة بالقبض على الإعلاميين، وإغلاق القنوات الفضائية، فلا يمثل هذا مفاجأة، حتى عندما نجد من بين المنحازين له من هتفوا معنا قبل الثورة وبعدها بسقوط حكم العسكر، فهذا هتاف هو شيء لزوم الشيء، وهو يشبه رفع صور عبد الناصر في انتفاضة القضاة، مع أن المرفوعة صوره هو صاحب المذبحة الشهيرة، التي أطاحت بمائتي قاض، دفعة واحدة!

ولم أكن في خطابي الموجه للناصريين بعد الانقلاب العسكري، أسعى للتأكيد على أننا أمام انقلاب، أو أن ما ينحازون له هو حكم مستبد لم يحترم إرادة الشعب وخياراته، فهذا مما لا يشغل الناصريون، بل كنت مشغولاً بنسف دعايتهم بأن السيسي هو عبد الناصر، من حيث سعيه للاستقلال الوطني، وكانوا يدعون أنه "خليفة" الزعيم الملهم، وأنه وريثه الشرعي على النحو الذي ذكره نجل الزعيم الراحل، "عبد الحكيم عبد الناصر"، من أن السيسي هو خليفة والده الوحيد!

كان الناصريون يؤلفون القصص، ويفبركون الأخبار، ليؤكدوا أن روح عبد الناصر حلت في جسد السيسي، وكيف أن الأخير أغلق الهاتف في وجه "أوباما"؟.. وكيف أنه جاء على غير الإرادة الأمريكية التي كانت منحازة لحكم الإخوان، وكيف أن إسرائيل شعرت بالهلع عندما رأت قائد الانقلاب ببزته العسكرية، وهي التي كانت في حلف مع الرئيس محمد مرسي، والدليل على وجود هذا الحلف هو رسالة "عزيزي بيريز"، المنسوبة للرئيس المنتخب!

كتبتُ مبكرا مقالي "الاستدعاء القسري لعبد الناصر"، ويذكرني "الفيسبوك" بأنني كتبت في يوم 12 يوليو 2013، أي بعد الانقلاب العسكري بتسعة أيام هذا "البوست": (عندي اقتراح نكتشف به هل السيسي هو جمال عبد الناصر أم محمد حسني مبارك؛ يتمثل في أن يعلن السيسي بنفسه وبدون ترويج أخبار مفبركة رفضه للمعونة الأمريكية "وش".. وتمزيقه لاتفاقية كامب ديفيد "وش". وطرده للخبراء الأمريكان من القاهرة وعددهم 30 ألف أمريكي "وش".. وإبلاغ السفيرة الأمريكية أنها شخصية غير مرغوب فيها لتدخلها في شؤون البلاد "وش".. بلا كلمة في التليفون.. بلا رفض طلبه في التليفون.. بلا برق له بعينه عبر التليفون)!

في هذه الفترة كان يتم الترويج لدعاية مفادها أن الرئيس الأمريكي اتصل هاتفياً بالسيسي يناقشه في بعض الأمور الداخلية فاعتبر السيسي أن طلبه مرفوض، وتدخلاً في السيادة الوطنية، ومن ثم فقد أغلق الهاتف في وجهه، وبعد هذه الدعاية بأيام، كان السيسي يشكو في حوار مع صحيفة أمريكية من أن الرئيس الأمريكي لا يتصل به، في حين أن هناك اتصالاً يومياً بينه وبين وزير الدفاع الأمريكي!

الآن، لم يعد خافياً على أحد، أن ما جرى في مصر من انقلاب على الشرعية، وعلى إرادة الشعب المصري كان بترتيب دولي وإقليمي، وباعتراف قادة الانقلاب أنفسهم، فالدكتور محمد البرادعي ذكر أنه ظل ستة أشهر حتى أقنع الاتحاد الأوروبي بالانقلاب على الرئيس المنتخب!

وإذا كانت إسرائيل ظلت فترة طويلة نسبياً تتستر على علاقاتها بقائد الانقلاب العسكري، ما عدا تسريبات كانت كاشفة عن حجم المؤامرة، وإن كان يمكن نفيها ناصرياً، حتى لا تزعزع يقين القوم في أنهم أمام عبد الناصر، فقد أصبح الآن اللعب "على المكشوف"، والسيسي يرى "بعظمة لسانه" أن من مهامه تحقيق "الأمان لإسرائيل"، ويدعو لتوسيع اتفاقية السلام معها بضم دول أخرى، ويتقدم خطوة للأمام، فيطلب تحقيق "السلام الدافئ" معها، ويطلب من التلفزيون الإسرائيلي إذاعة خطابه. وقد تم الإعلان أن الخطاب سبقه ترتيب مع "نتنياهو" الذي نُشر في وقت لاحق أنه عاشق للسيسي، وأن بينهما اتصالات دورية، واعترف مسؤول أمني إسرائيلي بأن طائرات إسرائيلية شنت هجمات ضد أهداف لتنظيم ولاية سيناء في سيناء بناء على تفاهم مسبق مع الجيش المصري ومباركة نظام السيسي، فلا تجد السلطة نفسها مضطرة لنفي هذا الكلام ولو من باب ذر الرماد في العيون، ومثل صمتها استغراباً من قبل الإعلام الإسرائيلي وصل لحد الاستهجان على النحو الذي نقله "صالح النعامي" وكان التساؤل من قبل هذا الإعلام حول: لماذا لا ترد مصر على تأكيد مسؤول إسرائيلي أن السيسي طلب من نتنياهو شن غارات جوية ضد مواطنيه في سيناء"؟!

وهذه العلاقة المبكرة بين الانقلابيين في مصر وإسرائيل، تعد فيها عودة السفير المصري، وزيارة وزير الخارجية المصري لـ "نتنياهو"، ليست غريبة أو مفاجأة، حتى وإن كان "اعتماد السفير" ومقابلة وزير الخارجية تمت في "القدس المحتلة" في إشارة لا تخطئ العين دلالتها.

الذي مثل غرابة هو هذا التخاذل الناصري الواضح للعيان، والذي جاء أقرب ما يكون للتحليل السياسي، من كونه موقفاً رافضاً ومندداً بهذه الزيارة وبهذه العلاقة، وبالنظر إلى مواقف ثلاثة من وجهاء القوم، سيرتد طرف من كان يحسن الظن بالتيار الناصري، إليه وهو حسير!

فـ"الزعيم الموسمي" حمدين صباحي، (على حد وصف رفيق دربه "عبد الحليم قنديل"، عندما برر انحيازه للسيسي في الانتخابات الرئاسية) اكتفى بوصف الزيارة بأنها أسقطت هيبة مصر!

أما "قنديل" نفسه فقد اكتفى برفضه للزيارة من منطلق موقفه الرافض لمعاهد السلام مع إسرائيل، وتفريعاتها مثل التطبيع وما إلى ذلك. وهو المعروف بحدة اللسان، فهو من قال لمبارك: "إني أتقيؤك"!

في حين أن "عبد الله السناوي" وصف الزيارة بأنها "هدية من السماء لتل أبيب"!

وهكذا فإن "ثلاثي أضواء المسرح الناصري"، عالجوا القضية على قاعدة التحليل السياسي أكثر من كونهم سياسيين لديهم موقف مسبق من العلاقة مع إسرائيل، فلا توجد إدانة لما جرى، ولم يطلقوا دعوة للتظاهر ضد الزيارة، ولم يعلنوا كذلك نهاية تأييدهم للسيسي و"العودة إلى صفوف الجماهير"!

أما القطب الناصري التاريخي ونائب البرلمان "كمال أحمد" فقد كان الأكثر وضوحاً في موقفه المنحاز للسيسي، وهو الذي ضرب زميله السابق بالبرلمان "توفيق عكاشة" بالحذاء، رداً على استضافته السفير الإسرائيلي في منزله، واعتبر الاستضافة تندرج تحت عنوان الخيانة الوطنية!

لقد اشرأبت الأعناق تنتظر موقف الرجل، فإذا به يضحك الثكالى، عندما "تمطع" وقال: "ندعم السلام الدائم مع إسرائيل"، وأعلن عن ترحيبه بزيارة وزير الخارجية على قاعدة "لسنا وطنيون أكثر من السلطة"، ويرى أن ضربه للنائب "عكاشة" بالحذاء، "لأنه لا يمثل الدولة"!

ولم يدهشنا هذا الموقف أبداً، فهذا واحد من خيولهم التي لا تصهل، وإذا كان هناك من نظر لاعتدائه على "توفيق عكاشة" لأنه مارس التطبيع المنهي عنه وطنياً، على أساس أن الرجل يتسير، أي يذكر سيرته، وهو الذي اعترض على زيارة السادات للقدس ضمن نواب البرلمان الذين رفضوا زيارته، فقد اعتبرته أنا إنما يعود لكونه "نائب اللقطة الواحدة"، حيث يذكر الناس به، ثم ينام على "اللقطة" باقي الدورة!

في برلمان 2000 – 2005، مثل نجاحه "فرحا للتيار الناصري" فها هو الرجل الذي واجه السادات، عاد مرة أخرى للبرلمان، لكن كان هو في المقابل يلطف الأجواء بأنه عندما اعترض على السادات كان شابا ممتلئا بالحماس، ثم كانت "اللقطة الأولى" باستجوابه عن فساد البورصة، وتعيين أبناء المسؤولين فيها بمرتبات خيالية. وأثار ضجة كبرى، انتهت إلى لا شيء، فقد تستر على أسماء أبناء المسؤولين، ثم كان الحل لإماتة الاستجواب هو إرساله للنائب العام للتحقيق فيه، وحظر النشر، وهو إجراء تم بالاتفاق مع سيادة نائب البرلمان الجسور، وكان نجل النائب العام نفسه من الذين وردوا في هذه القائمة، مما يعني أنه كان يعلم أن استجوابه قد ذهب لمثواه الأخير!

بعد هذه "اللقطة" اختفى النائب الناصري "كمال أحمد"، ولخمس سنوات كاملة، وكان طبيعياً أن تسقطه الجماهير لهذا التواطؤ في الانتخابات التالية، وحفظ النائب العام البلاغ ولم يتكلم، وقامت الثورة وكانت مناسبة لنشر الاستجواب بدون تحفظ، لكن لأسباب لا يعملها إلا الله، لم يذكر سيرته ولم يُذكر الناس به، وهو قضية فساد من العيار الثقيل!

ما علينا، فعندما يرى الناصريون أنه لا حرج على السلطة في ممارسة التطبيع والعلاقات الدافئة والحارة مع الكيان الإسرائيلي، وتكون مشكلة "توفيق عكاشة" أنه لا يمثل الدولة، فإنهم يذكروننا بعبارة المثقفين البعثيين في سوريا، عندما وجدوا أنفسهم وهم يجرمون التطبيع، في مواجهة قيام "الأسد الأب" بخطب الود الإسرائيلي، فقالوا "للحكومات ضروراتها وللشعوب خياراتها"، مع أن السادات كان يمثل الدولة، وكان من الحكومات ومع ذلك أخرجوا فيه "القطط الفطسانة"!

والآن، ولم يتبق من الناصرية شيء، فمتى يدركون أن إكرام الميت دفنه؟!

اترك تعليق