يا أهل الشام... وترجون من الله ما لا يرجون

By : د. أحمد موفق زيدان
أجمل اللحظات هي أصعب اللحظات، وأجمل الأيام هي أقساها، ففلذات الأكباد لا تأتي إلا في أشد اللحظات ألماً وقسوة ومكابدة على الوالدة، ومع هذا تزورها ثانية وثالثة طالبة المزيد من تلك اللحظات رغبة بثمرتها وهي البنين والذرية، والشام اليوم هي والدة الأمّة التي تصر على تلك المعاناة والمكابدة مهما تكالب الأعداء وتواطؤا شرقاً وغرباً وما بينهما، فهي تدرك تماماً كما تدرك الوالدة والأمّ أن ذرية وبنين وحفدة سيولدون من رحم هذه المعاناة، وربيع عربي يليق بحاضرة بني أمية سيولد من جديد يُنهي ويُنسي الأمة كل ما عانته وهي تنظر إلى المولود الجديد الذي سيكبر ويكبر ليصوغ أمة جديدة تقطع الصلة بأمة الإجرام والاستعباد الماضية.
قدر الحواضر الكبرى، تماماً كقدر أحفاد الإمبراطوريات والحضارات الكبرى لا ينظرون إلى اللحظة والآني على أنه قدرهم، وإنما ينظرون إلى الهدف الأسمى الذي وضعوه أمام أعينهم متسلحين بماضٍ مجيد عتيد من العراقة والمقاومة، ولذا حين ينظر البعض إلى ظاهر الصراع في الشام اليوم قد يصيبه اليأس والقنوط، ولكن من ينظر إلى باطنه وحقيقته وكنهه، يعي تماماً أن الشام وأهلها منصورة بإذن الله، والدليل هو كثرة تكالب الميليشيات الطائفية ومعها الاحتلالين الروسي والإيراني ومع هذا لا تزال صامدة صابرة مرابطة.
فالإمبراطوريات أول ما تنهار أخلاقياً وقيمياً، وهذا ما حل بالإمبراطورية الرومانية كما قرره مؤرخها إدوارد غيبون، وسلطة الأب أول ما تسقط حين يكذب أمام ابنه فتنهار قيمته وينهار معه كل أمر يصدره، ولك أن تنظر اليوم إلى القيم الغربية التي دفنتها الشام والتي كانت تتشدق بالوقوف مع الشعوب والحرية والديمقراطية لتنقلب عليها، وتنقلب حتى على خطوطها الحمراء، وفي الوقت الذي تتشدق بانفجار الهويات في عالم الربيع العربي وهو توصيف أبداً غير صحيح، كانت الهويات تنفجر في دالاس، ومن قبل تنفجر بخروج بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، بينما كانت روسيا تتقلّب بين حكم شمولي وديمقراطي بائس إلى حكم فردي مزاجي يوماً مع طاغية الشام وأخرى ضده وثالثاً يدعو إلى قوانين لمكافحة الإرهاب وصفته مراكز بحثية بأنه لم يسبق للبشرية أن سنته من قبل وهو أن كل من يتستر على الإرهاب يتم سجنه لعام ونحوه من القوانين الغريبة العجيبة.
على الساحة الشامية الداخلية ما يعانيه الطائفيون أضعاف ما يعانيه أهل الشام، لكن معاناتهم وجودية فالطائفة العلوية الموالية للنظام تدرك تماماً أنها تتعرض لخطر انقراض حقيقي بعد بلوغ قتلى شبابها أكثر من مائة وعشرين ألف قتيل على أقل التقديرات، وهو ما يعني وجود أكثر من 300 ألف جريح ومعاق، وهذا يعني أن نسبة الخارجين عن الخدمة في الطائفة يتعدى السبعين بالمائة، ما يهددها فيما إذا استمر الحال بالانقراض، وهو ما يفسر خفّ الاحتلالين الروسي والإيراني وأذنابهما الطائفية إلى إنقاذهما، فغدا الخبر العاجل هو مقتل ضابط علوي وليس مقتل ضابط روسي أو أفغاني ولبناني وعراقي وإيراني شيعي طائفي.
وصدق الله تعالى: {إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ} وإنما النصر صبر ساعة، فإن الشام تخط الخط البياني للأمة رفعة ومقاماً، وشقوق التصدع في جدار الظلم العالمي بدأ في تململ إيراني داخلي إلى أميركي وروسي وغربي، وأحلى الأيام يا شام هي التي لم تأتِ بعد.;

اترك تعليق