القرضاوي: ?كل إنسان مسؤول في الآخرة عن عمله الاختياري

By :
نواصل في أيام رمضان هذا العام نشر ما تبقى من تفسير الشيخ لجزء تبارك، علماَ أن الشيخ قال: صاحبت القرآن أكثر من سبعين عاماً، وكان محور دروسي ومحاضراتي وكتبي وخطبي وفتاواي التي نشرتُ بعضاً منها في أربعة مجلدات كبيرة، ولقد ألَّفْت في مختلف فنون الثقافة الإسلامية والفكر الإسلامي، في العقيدة والتفسير والحديث والتصوف والتاريخ والدراسات الإسلامية المعاصرة، وهي كثيرة..
وقد قاربت مؤلفاتي على مائتي كتاب بين الكبير والمتوسط والصغير، وتعددت موضوعاتها بين الفقه والفكر، وما يخاطب العقل، وما يسمو بالروح، وألفت في موضوعات القرآن مثل: (الصبر في القرآن)، و(العقل والعلم في القرآن) وفي علومه (كيف نتعامل مع القرآن)، غير أن الحنين أن أنضم إلى قافلة مفسري القرآن، وأن أؤلف في تفسير القرآن ظل يراودني الفَينة بعد الفينة، فلقد أممت الناس ما يقارب (نصف قرن) في قطر في صلاة التراويح، وألقي درساً بعد الركعات الأربع الأولى عن بعض الآيات التي قرأتها، وكنت قد أُعِرْت إلى الجزائر عاماً، وهناك كان لي درس أسبوعي فسّرت فيه سورة يوسف كاملة، لكن للأسف لم ينشط أحد لجمعِها، وبعد عودتي إلى قطر اقترح علي بعض الإخوة أن يكون لي درس أسبوعي في مسجد عمر بن الخطاب، وأن أبدأ بسورة الرعد، ونشطت بعد ذلك لتفسير إبراهيم والحجر، وهي جميعا مطبوعة.

يستطرد القرضاوي في تفسيره لسورة المدثر، حيث يقول: الجزاء بالخير والشر مُرتَّبٌ على ما يعمله الإنسان من أسبابهما باختياره ومَحْض إرادته، {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ * فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ * بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً * كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ * كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ}، يؤكد القرآن في أول هذه الآيات أنَّ كل إنسان مسؤول عن عمله الاختياري، خيرًا كان أم شرًّا، يَجْني ثوابَه، ويتحمَّل عقابه، لا يُحاسب على عمل غيره، ولا يحاسب غيره على عمله. والأصل في هذه المسؤوليَّة أنها فرديَّة، مبنيَّة على وجود العقل والإرادة، وأنَّ الله أعطاهما للإنسان، فهو حرٌّ بهما، وعليه أن يتحمَّل المسؤولية، لذا قال تعالى: {كُلُّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} أي: مرتهَنة بكسبها، مأخوذة بعملها، إما أن يعتِقَها أو يُوبقها. والرهينة: اسم بمعنى الرهن، كالشتيمة بمعنى الشتم.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله في تفسيره (المحرر الوجيز): (هو بيانٌ في النِّذارة، وإعلام أن كلَّ أحد يسلك طريق الهدى والحق، إذا حقَّق النَّظر، أي هو بعينه يتأخر عن هذه الرتبة بغفلته، وسوء نظره، ثم قوَّى هذا المعنى بقوله: {كُلُّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}، إذ ألزم بهذا القول أنَّ المقصِّر مُرتهَنٌ بسوء عمله.
وقال الضحَّاك: المعنى كل نفس حقَّت عليها كلمةُ العذاب، ولا يَرتَهِن تعالى أحدًا من أهل الجنَّة إن شاء الله.
والهاء في (رَهِينَةٌ) للمبالغة، أو على تأنيث اللفظ لا على معنى الإنسان.
وقوله تعالى: {إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ}، استثناء ظاهر الانفصال، وتقديره: لكن أصحاب اليمين، وذلك لأنهم لم يكتسبوا ما هم به مُرْتَهنون.
وجاء عن أبي ظبيان، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنهم المسلمون. أي: كل المسلمين بمن فيهم المطيعون والعاصون.
وقيل: أصحاب الحق وأهل الإيمان. فهنا اختص أهل اليمين الذين ذكرهم القرآن بأهل الإيمان في أوائل سورة الأنفال والمؤمنون وغيرهما. أي: الذين شهدت لهم كتبهم بالصدق والصلاح.
وقيل: هم الذين يقبضون كتبهم بأيمانهم.
وقال الحسن وابنُ كيسان: هم المسلمون المخلصون، وليسوا بمرتَهَنِين.
ثم ذكر تعالى حالَ أصحاب الْيَمِينِ، وأنهم {فِي جَنَّاتٍ} أي: هم في جنات {يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ}، يسأل بعضهم بعضًا عمَّن غاب عنهم من معارفهم، فإذا علموا أنَّ أصحاب اليمين في نعيم الجنات، والمجرمين في جحيم الدرَكات، قالوا لهم أو قالت الملائكة: {مَا سَلَكَكُمْ
فِي سَقَرَ}؟ وسلك معناه: أدخل، ومنه قول أبي وَجْزَةَ السعدي:
حتى سَلَكْنَ الشَّوَى منهن في مَسَكٍ
من نَسْلِ جوَّابة آلافاقِ مِهْدَاجِ
{مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ}.
والمعنى: ما الذي نزل بكم وأدخلكم هذه النار المستعرة؟ يسألونهم وهم عالمون بحالهم، توبيخًا لهم وتحسيرًا، ولتكون حكاية الله ذلك تذكرة للسامعين.
فأجابهم هؤلاء الذين استحقُّوا عقاب الله تعالى بأسباب دخولهم في سقر بجواب كلُّه الأسف والندم، وذكروا لذلك 4 أسباب عدُّوها لهم:
السبب الأول: {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ}، أي: أنهم أضاعوا الحق الأول لله، وهو الصلاة.
السبب الثاني: {وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ}- وهو الفقير الذي لا يجد ما يأكله - وضيَّعوا حق الفقراء.
السبب الثالث: {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ}. الخوض: الشروع في الباطل وما لا ينبغي. أي: كنَّا نخوض في مَخَاضات الإثم والمعاصي، ونتلبَّس في مُحرَّمات المظالم في الأنفس والأموال والأعراض، مع الخائضين من الظالمين وقادة الشرِّ والضلال، دون خوف ولا وجل.
لقد فقدوا شخصيتهم، وساروا في ركاب أهل الباطل، وخاضوا مع الخائضين في الباطل، كأنما ليست لهم عقول يفكرون بها، أو ضمائر يرجعون إليها.
السبب الرابع: {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ} كانوا يكذِّبون بيوم الجزاء والحساب، فلا يؤمنون أن بعد الموت بعثًا، وأن بعد البعث حسابًا، وأن بعد الحساب جنة ونارًا.
قال الإمام ابن عطية عن هذا المقطع من السورة: (هذا هو اعتراف الكفَّار على أنفسهم.
وفي معنى الصلاة يدخل الإيمان بالله تعالى، والمعرفة به، والخشوع له والعبادة. والصلاة تنتظم مُعظَم الدين وأوامر الله تعالى، وواجبات العقائد).
وإطعام المساكين ينتظم الصدقة فرضًا وطواعية، وكل إجمال ندبت إليه الشريعة بقول أو فعل.
والخوض مَعَ الْخائِضِينَ عُرْفُه في الباطل. قال قتادة: المعنى كلما غوى غاوٍ غَوَوْا معه.
والتكذيب بِيَوْمِ الدِّينِ كفرٌ صُرَاح بالله تعالى، لأنَّ الإيمان بيوم الدين، أحد أركان الإيمان بكل الأديان.
{حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ}، قال ابن عطية: (واليقين معناه عندي: صحَّة ما كانوا يكذِّبون به من الرجوع إلى الله تعالى والدار الآخرة).
وقال المفسِّرون: (اليقين): الموت، وذلك عندي هنا متعَب، لأن نفس الموت يقين عند الكافر وهو حيٌّ، فإنما اليقين الذي عَنَوْا في هذه الآية الشيء الذي كانوا يكذِّبون به وهم أحياء في الدنيا، فتيقَّنُوه بعد الموت.
وإنما يُفَسَّر اليقينُ بالموت في قوله تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99]. وفي حديث وفاة عثمان بن مظعون، حيث قال رسول الله: «أما هو فقد جاءه اليقين، والله إني لأرجو له الخير، والله ما أدري، وأنا رسول الله، ما يفعل بي».;

اترك تعليق