طموح الصائمين

By : الشيخ رمزي سعيد

المسلم يعمل الخير ويطمح في القبول لنيل الجزاء من العليم الخبير، فإن شهر رمضان المبارك يأتي ومعه موسم الخيرات والبركات والنفحات، واللبيب من يغتنم في مواسم تنزل الرحمات قبل حلول الأجل وانصرام العمر وتفلت الأوقات، فها هي أبواب الجنان تفتح في رمضان وتغلق فيه أبواب النيران، ويأتي المنادي ينادي يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر وهاهم عتقاء الرحمن في كل ليلة في موكب بهيج، فيا سعادة من تحرر من ربقة الإباق وأخلص لله بالعبرات وأعد ليوم التلاق، وملأ الميزان بالأعمال الصالحة التي تكون زاده في يوم لاينفع مال ولابنون إلامن أتى الله بقلب سليم، وخفف عن كاهله الأثقال وسابق إلى الصالحات ومنها نال وغرف له في كل صنف حساب وعنوان، فأفضل ما يتميز به الهدي السماوي أن منهجه منهج عبادة ولكن العبادة تحتاج إلى توضيح فهي ليست قاصرة على مناسك العبادات المعروفة من صلاة وصيام وزكاة وإنما هي معنى أعمق من ذلك، فإنها العبودية لله وحده والتلقي من الله وحده في أمر الدنيا والآخرة كله ثم هي الصلة الدائمة بالله وهذه الصلة في الحقيقة هي منهج التربية تتفرع منه جميع التفريعات وتعود في النهاية كلها إليه، فالصلاة والصيام والزكاة والحج وسائر الشعائر التعبدية إن هي إلا مفاتيح للعبادة أو محطات يقف عندها السائرون في الطريق يتزودون بالزاد ولكن الطريق كله عبادة وكل ما يقع فيه من نسك أو عمل أو فكر أو شعور فهو كذلك عبادة ما دامت وجهته إلى الله وما دام قد شهد حقا، أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأقام حياته كلها وواقعه كله على هذا الأساس.

فمن خصائص هذا الشهر المبارك مضاعفة ثواب الأعمال الصالحة فيه إلى سبعمائة ضعف وفوق ذلك لمن حسنت نيته وأخلص أعماله لله وبذل الميسور من الصدقات وكانت من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبا، فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل، وقد كان السلف الصالح رضوان الله عليهم يجتهدون في الطاعات في رمضان للفوز بالمنحة الربانية بمضاعفة الأجر والثواب، والعبادة بهذا المعنى تشمل مجالات الحياة كلها، فإنها لا تقتصر على اللحظات القصيرة التي تشغلها مناسك التعبد وهذا هو المقصود من الآية الكريمة في قول الله تعالى: (وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون) الذاريات:56 وإلا فما قيمة لحظات عابرة في صفحة النفس وفي صفحة الكون لا تكاد تترك لها أثرا وتضيع في الفضاء فلا يستفاد منها الإنسان في حياته، وإنما قيمتها أن تكون منهج حياة يشمل كل الحياة، قيمتها في أن تكون خطة سلوك وخطة عمل وخطة فكر وخطة شعور قائمة كلها على منهج واضح يتبين فيه في كل لحظة ما ينبغي وما لا ينبغي أن يكون، فرمضان يدخل ديار القلوب المؤمنة يأتيها بعد طول غياب، فلايزال يزّينها حتى تخرج بيضاء نقية، ولا يزال يهديها إلى الحق ويدلها عليه حتى تتبين القلوب المؤمنة طريق النور من الظلام، فقد يعرض على النفس إن جاء الحديث عن رمضان شريط حياتها الماضي وما فيه من هفوات وهنات فتثقل النفس، ويتسرب اليأس إليها، وتتكبل الأيدي، وتعقلها عن العمل، وهذا نقيض المقصد من رمضان فهو فرصة من فرص الحياة وموسم من مواسم الخيرات، كما هو حال رجل الأعمال في تجارته فهو يبني ثروته وينمِّيها باغتنام الفرص والمواسم وانتهازها واستثمارها، فكن من أثرياء الإيمان بعد رمضان ولاتحقر نفسك، في رمضان تصوم فيه الأجسام عن الأكل والشرب، فما بال القلوب لا تصوم عن الغل والحقد والحسد، وما بال الألسن لا تصوم عن قول الزور والكذب وفيما لاينفع الناس بل يضرهم، فلا يوجد دين على وجه الأرض دعا إلى الأخوة التي يتجسد فيها الاتحاد والتضامن والتساند والتآلف والتعاون والتكاتف، وحذر من التفرق والاختلاف والتعادي، مثل الإسلام في هديه وشرائعه وقرآنه وسننه، فإننا نحب رمضان يوم يذكر فيه الله وحده، فلا يعلو إلا اسمه جلّ جلاله، وقبيل الغروب يوم تهفو القلوب لعلام الغيوب تدعو وترجو رحمته وتخشى عذابه، وفي قيامه وتراتيل آياته والوقوف عند عظاته، ويوم تصفو القلوب صفاء يصقلها من دقيق الشوائب والآفات وتقترب النفوس بعضها ببعض، وكأنها نفس واحدة، وفي هداءات السحر وقت تنزل البركات والخيرات واللسان يلهج بذكر الله والاستغفار، وفي اقتحام العقبة بإطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة، ونحبه بسكينته وروحانية تشع القلوب بنورها وبهائها وتهبها حلاوة الإيمان والحياة الطيبة المطمئنة.


اترك تعليق