فقه الأسرة وقضايا المرأة

By : د. يوسف القرضاوي

الكتاب: فقه الأسرة وقضايا المرأة

المؤلف: د. يوسف القرضاوي


الزواج أنجع الوسائل لعلاج الحب العذرى
الحب الذي يأتي عن طريق المحادثات الهاتفية العشوائية عواقبه غير محمودة
المرأة الخالية من الزواج والعِدَّة وموانع النكاح تجوز خطبتها


الأسرة أساس المجتمع، وهي اللبنة الأولى من لبناته، التي إن صلحت صلح المجتمع كله، وإن فسدت فسد المجتمع كله، وعلى أساس قوة الأسرة وتماسكها، يقوم تماسك المجتمع وقوته؛ لذا فقد أولى الإسلام الأسرة رعايته وعنايته.


وقد جعل القرآن تكوين الأسر هو سنة الله في الخلق، قال عز وجل: "وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ" (سورة النحل:72). بل جعل الله نظام الأسرة، بأن يكون لكل من الرجل والمرأة زوجٌ يأنس به ويأنس إليه، ويشعر معه بالسكن النفسي والمودة والرحمة، آية من آيات الله، قال سبحانه: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"(سورة الروم:21).


فالحياة الأسرية في الإسلام وعلاقة كل من الزوجين تجاه الآخر، ليست شركة مالية تقوم على المصالح المادية البحتة، بل هي حياة تعاونية يتكامل فيها الزوجان، ويتحمَّلان مسؤولية إمداد المجتمع بنسل يعيش في كنف أسرة تسودها المحبة والمودَّة، ولا يظلم أحد طرفيها الآخر، بل يدفع كل واحد منهما عن شريكه الظلم والأذى، ويحنو عليه.


وفلسفة الإسلام الاجتماعية تقوم على أن الزواج بين الرجل والمرأة هو أساس الأسرة، لذا يحث الإسلام عليه، وييسر أسبابه، ويزيل العوائق الاقتصادية من طريقه، بالتربية والتشريع معا، ويرفض التقاليد الزائفة، التي تصعبه وتؤخِّره، من غلاء مهور، ومبالغة في الهدايا والولائم وأحفال الأعراس، وإسراف في التأثيث واللباس والزينة، ومكاثرة يبغضها الله ورسوله في سائر النفقات.


ويحث على اختيار الدين والخلق في اختيار كلٍّ من الزوجين: "فاظفر بذات الدين تربت يداك". "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكنْ فتنةٌ في الأرض وفساد عريض".


وهو — إذ يُيَسِّر أسباب الحلال — يسدُّ أبواب الحرام، والمثيرات إليه، من الخلاعة والتبرُّج، والكلمة والصورة، والقصة والدراما، وغيرها، ولا سيما في أدوات الإعلام، التي تكاد تدخل كل بيت، وتصل إلى كل عين وأذن.


وهو يقيم العلاقة الأسرية بين الزوجين على السكون والمودة والرحمة بينهما، وعلى تبادل الحقوق والواجبات والمعاشرة بالمعروف، "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً"، (البقرة: 19). "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"، (البقرة: 228).


ويجيز الطلاق عند تعذُّر الوفاق، كعملية جراحية لا بد منها، بعد إخفاق وسائل الإصلاح والتحكيم، الذي أمر به الإسلام أمراً محكماً صريحاً، وإن أهمله المسلمون تطبيقاً: "وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً"، (النساء: 35)


الحب قبل الزواج


أود أن أؤكِّد أني لا أحبذ ما يقوله بعض الناس في عصرنا من ضرورة (الحب قبل الزواج)؛ لأن هذا الطريق محفوف بالخطر، محاطٌ بالشبهات.


فكثيرًا ما يبدأ بداية غير سليمة ولا مستقيمة، كالحب الذي يأتي عن طريق المحادثات الهاتفية التليفونية العشوائية، التي يتسلَّى بها بعض الشباب في فترات فراغهم أو مللهم أو عبثهم، فتستجيب لهم بعض الفتيات، وهذا يحدث عادة من وراء الأهل، وبدون اختيار ولا تفكير، لا من الفتى ولا من الفتاة، فهو يبدأ — كما قالوا في التدخين — (دلعًا) وينتهي (وَلَعًا)، يبدأ هزلًا وينتهي جدًّا.


وكثيرًا ما يؤدِّي إلى عواقب غير محمودة؛ لأنه يكون بعيدًا عن دائرة الضوء، مع طَيْش الشباب، وتحكم العواطف، وغلبة الهوى، وسيطرة الغرائز، ووسوسة الشياطين من الإنس والجن، وفي مثل هذا المناخ لا يبعد من الفتى والفتاة أن يقعا في الخطأ، وهما ليسا من الملائكة المطهَّرين، ولا الأنبياء المعصومين.


وفضلًا عن هذا وذاك قد يكون الحب بين طرفَيْن غير متكافئَيْن اجتماعيًّا أو ثقافيًّا، فتحول دونهما الحوائل، وتقف العقبات والعوائق دون ارتباطهما بالزواج، وفي هذا ما فيه من حرج الصدر وشتات الأمر.


وأرى أن أفضل الطرق للزواج هو ما تعارفت عليه مجتمعاتنا العربية والإسلامية قبل الغزوة الثقافية الغربية لأمتنا، وهو الاختيار الهادئ العاقل من كلا الطرفين لشريكة الحياة أو شريكها، بعد الدراسة المتَّزِنة لشخصية كل من الشابِّ والشابة، وملاءمة كل منهما للآخر، من الناحية الشخصية، ومن الناحية العائلية، وإمكانات النجاح لهذا الزواج من النواحي المزاجية والنفسية والعقلية والاقتصادية والاجتماعية، وعدم وجود موانع وعقبات في طريق الزواج من جهة أحد الطرفين، أو أسرته، أو أعراف المجتمع أو قوانينه المرعية.. إلخ.


وبعد هذه الدراسة المتَّزِنة المتأنِّية يدخل الخاطبُ البيتَ من بابه، ويتقدَّم إلى أهل الفتاة، ويُتاح له رؤيتها، كما تتاح لها رؤيته، وحبَّذا أن تكون الرؤية الأولى بغير علم من الفتاة، رعاية لمشاعرها، إذا رأها الخاطب فلم تعجبه، ولم تدخل قلبه.


لم يُرَ للمتحابَّيْن مثل النكاح:


ومع هذا كله أرى أنه إذا (دخلت الفأس في الرأس) كما يقال، أي (وقع الحب) بالفعل، وتعلَّق كل من الشابِّ والشابَّة أحدهما بالآخر، وكان من نوع الحب الطاهر الشريف — الذي عرفه تراثنا الإسلامي باسم "الحب العُذْري" نسبة إلى بني عذرة — واستمر مدة طويلة، دلَّت على أنه لم يكن نزوة طارئة، أو (لعب عيال)؛ هنا ينبغي للأهل أن ينظروا في الأمر بعين البصيرة والحكمة، ولا يستبدُّوا بالرأي، ويرفضوا الخاطب بأدنى سبب، أو بلا سبب.


وينبغي الإصغاء جيدًا لما أرشد إليه الحديث النبوي الشريف الذي رواه ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي أنه قال: "لم يُرَ للمتحابَّيْن مثلُ النكاح".


يعني أن النكاح — أي الزواج — هو أنجع الوسائل لعلاج هذا التعلُّق العاطفي، الذي يصل إلى درجة (الحب) أو (العشق) بين قلبي رجل وامرأة، خلافًا لما كان يفعله بعض قبائل العرب في البادية من حرمان المحبِّ ممن يحبها، وخصوصًا إذا عُرف ذلك، أو قال المحب في محبوبته شعرًا، ولو كان حبه من الحب العذري الطاهر العفيف، كما فعل أهل ليلى مع قيس، حتى أصابه الجنون في قصتهما المشهورة — كما زعموا — ومن غزله الذي قال فيها:


يا رَبُّ لا تَسلُبَنِّي حُبَّها أَبَدًا وَيَرحَمُ اللَهُ عَبدًا قالَ آمينَا


ووصيتنا للأولياء أن يراعوا بصفة عامة رغبات الفتيات، ما دامت معقولة، فهذا هو الطريق السليم، وهو الطريق الذي جاء به الشرع، وما جاء الشرع إلا لمصلحة العباد في المعاش والمعاد.


إن الإسلام شريعة واقعية، ولهذا رأى ضرورة تتويج الارتباط العاطفي بارتباط شرعي قانوني، تتكوَّن على أساسه أسرة مسلمة، يغذِّيها الحب، كما يغذِّيها الدين.


هل وعد الفتاة لشخص ما بالزواج منه ملزم لها؟


قد تتصرف بعض الفتيات تصرُّفًا ليس فيه حكمة أو نضج، فتعد فتى بالزواج منه، وأنها ستنتظره حتى يتقدم لخطبتها، دون علم أهلها واستشاراتهم، وفى أثناء ذلك يتقدم لها بعض الخُطَّاب من الشباب الصالح، ويرى أهلها فيه الزوج المناسب لابنتهم، فهل يعتبر وعد الفتاة للشاب الأول ملزمًا لها؟ وهل تأثم إذا تركته ووافقت على الزواج ممن جاء يخطبها إذا رأت فيه مواصفات الزوج الصالح المناسب في ظل موافقة الأسرة ورضاهم؟


الذى أراه أنه ما دام تصرف الفتاة هذا بغير علم أهلها ومن دون علم أوليائها، فإن تصرفها باطل، ولا تخاف مما عقدته من عهد مع الفتى من وراء الأهل ومن وراء الأولياء، فعهدها هذا لا قيمة له، إذا لم يقره أولياؤها ولم يقره أهلها، فلا تخشى الفتاة من هذا العهد.



الخِطْبة وأحكامها


الخِطْبَة — بكسر الخاء — مصدر خَطَب، يقال: خطب المرأة خِطبةً وخَطْبًا، واختطبَها، إذا طلب أن يتزوَّجها، واختطب القوم فلانًا إذا دَعَوْه إلى تزويج صاحبتهم( )، ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، إذ هي في الاصطلاح: طلب الرجل التزوج بامرأة معينة خالية من الموانع الشرعية( ). وقد أجمع الفقهاء على أن المرأة الخالية من الزواج والعِدَّة وموانع النكاح تجوز خطبتها تصريحًا وتعريضًا، وهو ما سنفصله فيما يأتي:


الخِطبة المحرَّمة:


هناك أنواع من الخِطْبة حرَّم الإسلامُ إقدامَ من يفكر في الزواج عليها، وهي:


1 — خطبة المرأة المتزوجة:


المرأة المتزوجة سواء أبنى بها زوجها أم لم يَبْنِ، لا يحل لها الزواج بآخر، ولا يحل لأحد من الناس أن يخطبها تصريحًا أو تلميحا؛ لأن الخطبة مقدمة للزواج؛ لقوله تعالى في سورة النساء عطفا على المحرمات من النساء: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ}[النساء:24].


ولا تحل المرأة المتزوجة لرجل آخر إلا بأن تزول يد الزوج عنها بموت أو طلاق.


2 — خطبة المعتدة من طلاق أو وفاة:


ويحرم على المسلم أن يتقدم لخطبة امرأة مُطَلَّقة أو متوفَّى عنـهـا زوجُها فـي عدتها؛ لأن وقت العدة حَرَمٌ للزوجية السابقة، فلا يجوز الاعتداء عليه، وله أن يُفهِم المرأة المتوفَّى عنها زوجها، وهي في العدة رغبته في زواجها بالتعريض والتلميح، لا بالإظهار والتصريح، كأن يقول: إني أريد التزوَّج، ولوددت أنه ييسر الله لي امرأة صالحة. أو: سيعوضك الله خيرا، أو ما شبه ذلك. قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا}[البقرة:234 — 235]. أما المعتدة من الطلاق فلا تحل خطبتها تصريحًا أو تلميحًا، لقوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا}[البقرة:228]. أي: في العدة( ).


والعدة أمر الله بها وفاء للزوجية السابقة، وسياجًا لها، ومدة هذه العدة للمتوفَّى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر ليال، كما في قوله تعالى الذي ذكرناه قريبا: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا}[البقرة:234].


وعدة المطلقة المدخول بها ثلاثُ حيضات، لقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ}[البقرة:228]. وقيل: إنما جعلت ثلاثًا، للتأكد من ضمان براءة الرحم، خشية أن يكون قد علق به حمل من ماء الزوج السابق، فلا بد من هذا الاحتياط؛ منعًا لاختلاط الأنساب. والحق أن براءة الرحم تثبت بحيضة واحدة، لكن الأمر تعبد محض وربما يكون من علله إثبات عظيم خطر الزواج (أو الميثاق الغليظ كما سماه القرآن) ورفع قدره وإظهار شرفه، وتطويل زمان الرجعة للمطلِّق لعله يندم ويفيء فيصادف زمنًا يتمكن فيه من الرجعة، وكذا تراجع المرأة الأسباب التي وقع بسببها طلاق زوجها لها، وتحاول أن ترمم ما خرب من عاطفة زوجها تجاهها.


فهذه الإطالة مقصودة شرعًا لتمكين الزوج من التفكير في أمره ومراجعة زوجته فيه كفاية، ويكفى لاستبراء الرحم حيضة واحدة، ولم نعلم بأن امرأة حاضت في عدتها الحيضة الأولى، ثم حدث أن حملت من علوق ماء الرجل بعد ذلك في العدة، وإذا حدث ذلك — فرضًا — فهو نادر، والنادر لا حكم له.


وعدة التي يئست من المحيض والتي لم تحض ثلاثة أشهر لقوله: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ}[الطلاق:4].


3 — خطبة الرجل على خطبة أخيه:


ويحرم أن يخطب الرجل على خِطبة أخيه، إذا كانت الخطبة قد تمت وتم الاتفاق بين الطرفين؛ ذلك أن الخاطب قبله قد اكتسب حقًّا يجب أن يُصان؛ رعاية للعلاقة وحسن المودة بين الناس، وبُعدًا بالمسلم عن سلوك ينافي المروءة، ويشبه الاختطاف والعدوان.


فإذا صرف الخاطبُ الأول نظرَه عن الخِطبة، أو أذِن للخاطب الثاني، فلا حرج حينئذ عليه.


روى مسلم: أن رسول الله قال: "المؤمن أخو المؤمن، فلا يحلُّ للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خِطبة أخيه"( ).


وروى البخاري أن رسول الله قال: "لا يخطب الرجل على خطبة الرجل، حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له" ().

الخطبة المحرمة غير مقارنة للعقد فلم تؤثر فيه
الأسرة أساس المجتمع، وهي اللبنة الأولى من لبناته، التي إن صلحت صلح المجتمع كله، وإن فسدت فسد المجتمع كله، وعلى أساس قوة الأسرة وتماسكها، يقوم تماسك المجتمع وقوته؛ لذا فقد أولى الإسلام الأسرة رعايته وعنايته.


وقد جعل القرآن تكوين الأسر هو سنة الله في الخلق، قال عز وجل: "وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ" (سورة النحل:72). بل جعل الله نظام الأسرة، بأن يكون لكل من الرجل والمرأة زوجٌ يأنس به ويأنس إليه، ويشعر معه بالسكن النفسي والمودة والرحمة، آية من آيات الله، قال سبحانه: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"(سورة الروم:21).


فالحياة الأسرية في الإسلام وعلاقة كل من الزوجين تجاه الآخر، ليست شركة مالية تقوم على المصالح المادية البحتة، بل هي حياة تعاونية يتكامل فيها الزوجان، ويتحمَّلان مسؤولية إمداد المجتمع بنسل يعيش في كنف أسرة تسودها المحبة والمودَّة، ولا يظلم أحد طرفيها الآخر، بل يدفع كل واحد منهما عن شريكه الظلم والأذى، ويحنو عليه.


وفلسفة الإسلام الاجتماعية تقوم على أن الزواج بين الرجل والمرأة هو أساس الأسرة، لذا يحث الإسلام عليه، وييسر أسبابه، ويزيل العوائق الاقتصادية من طريقه، بالتربية والتشريع معا، ويرفض التقاليد الزائفة، التي تصعبه وتؤخِّره، من غلاء مهور، ومبالغة في الهدايا والولائم وأحفال الأعراس، وإسراف في التأثيث واللباس والزينة، ومكاثرة يبغضها الله ورسوله في سائر النفقات.


ويحث على اختيار الدين والخلق في اختيار كلٍّ من الزوجين: "فاظفر بذات الدين تربت يداك". "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكنْ فتنةٌ في الأرض وفساد عريض".


وهو — إذ يُيَسِّر أسباب الحلال — يسدُّ أبواب الحرام، والمثيرات إليه، من الخلاعة والتبرُّج، والكلمة والصورة، والقصة والدراما، وغيرها، ولا سيما في أدوات الإعلام، التي تكاد تدخل كل بيت، وتصل إلى كل عين وأذن.


وهو يقيم العلاقة الأسرية بين الزوجين على السكون والمودة والرحمة بينهما، وعلى تبادل الحقوق والواجبات والمعاشرة بالمعروف، "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً"، (البقرة: 19). "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"، (البقرة: 228).


ويجيز الطلاق عند تعذُّر الوفاق، كعملية جراحية لا بد منها، بعد إخفاق وسائل الإصلاح والتحكيم، الذي أمر به الإسلام أمراً محكماً صريحاً، وإن أهمله المسلمون تطبيقاً: "وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً"، (النساء: 35)


أثر خطبة المعتدة والمخطوبة في صحة عقد الزواج:


ذهب الجمهور إلى صحة عقد الزواج على امرأة تحرم خطبتها على العاقد، ولا يحرم زواجها به، كأن يكون خطبها على خطبة أخيه، أو خطبها في عدتها، مع الإثم والحرمة؛ لأن الخطبة المحرمة غير مقارنة للعقد فلم تؤثر فيه؛ ولأنها ليست شرطا في صحة النكاح، فلا يفسخ النكاح بوقوعها غير صحيحة.


وعن المالكية ثلاثة أقوال ذكرها ابن رشد قال: ((واختُلف إن خطب الرجل على أخيه في الموضع الذي لا يجوز له، فأفسد عليه وتزوَّج هو، فقيل: النكاح فاسد لمطابقة النهي له، يفسخ قبل الدخول وبعده، ويكون فيه الصداق المسمى، وقيل: يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده، وقيل: يمضي النكاح ولا يفسخ، وقد حَرِج وأَثِم وظلم الذي أفسد عليه، فعليه أن يتوب إلى الله ويستغفره ويتحلَّل الرجل، فإن حلَّله وإلا ترك المرأة وطلَّقها، فإن لم يتزوَّجها الرجل تزوَّجها هو بعدُ إن شاء)). والمشهور من المذهب أن العقد يفسخ قبل الدخول، ويثبت بعده.


وذهب الظاهرية إلى أن العقد على من خُطِبت في عدتها باطل، يجب فسخه، سواء أكان ذلك قبل الدخول أو بعده، قال ابن حزم: ((ولا يحل لأحد أن يخطب امرأة معتدَّة من طلاق أو وفاة، فإن تزوجها قبل تمام العدة فسخ أبدا — دخل بها أو لم يدخل، طالت مدته معها أو لم تطل — ولا توارث بينهما، ولا نفقة لها عليه، ولا صداق ولا مهر لها)).


والذي نميل إليه أن الخِطبة إذا كانت محرمة، يجب على المسلم الذي يخشى الله ويخاف عقابه أن يبتعد عنها، وعن كل ما يغضب الله تعالى، ولكننا مع ذلك لا نرتب على هذا التحريم إبطال العقد أو فسخه، خاصة بعد البناء، وعلى من خطب على خطبة أخيه، أو خطب امرأة في عدة طلاقها: أن يستغفر الله تعالى ويتوب إليه مما فعل، وأن يسترضي الخاطب الأول أو الزوج الأول ما أمكنه ذلك.


ما يباح رؤيته من المخطوبة


لم يحدد الحديثان السابقان القدر الذي يباح النظر إليه من المرأة المخطوبة، وقد روي الإمام أحمد وأبو داود عن جابر أن النبي قال: "إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها (زواجها) فليفعل". قال جابر: فخطبت جارية من بني سَلِمة، فكنتُ أتخبَّأ لها، حتى رأيت منها بعض ما دعاني إلى زواجها".


ومذهب الإمام أحمد جواز النظر إلى الوجه والعنق واليدين والقدمين.


وقال بعض العلماء: لا ينظر إلا إلى الوجه والكفين. ولكن الوجه والكفين تـجـوز رؤيتـهـا — بدون شهوة — في غير الخِطبة، وما دام ظرف الخِطبة مستثنًى، فلا بد أن يجوز له أن يرى منها أكثر مما يجوز في الظروف المعتادة الأخرى. وقد جـاء في حديث جابر الذي ذكرناه: "إذا خطب أحدكم المرأة، فقدر أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل".


وقد تطرَّف بعض العلماء في الترخيص بالقدر الذي يُرى، وتطرف آخرون في التشديد والتضييق، والخير في التوسط والاعتدال.


وقد حدَّده بعض الباحثين بأن للخاطب في عصرنا الحالي أن يراها في الملابس التي تظهر بها لأبيها وأخيها ومحارمها بلا حرج، قال: بل له في نطاق الحديث الشريف أن يصحبها مع أبيها أو أحد محارمـهـا — وهـي بزيـهـا الـشـرعـي — إلـى ما اعتادت أن تذهب إليه، من الزيارات والأماكن المباحة؛ لينظر إلى عقلها وذوقها وملامح شخصيتها، فإنه داخل في مفهوم (البعضية) التي تضمنها قوله عليه السلام: "فقدر أن ينظر منها إلى بعض ما يدعوه إلى زواجها".


ومن حديث المغيرة الذي ذكرناه نعلم أنه لا يباح للأب المسلم باسم التقاليد أن يمنع ابنته أن يراها من يريد خِطبتها صادقًا، فإن الواجب أن تخضع التقاليد للشريعة، لا أن تخضع شريعة الله لتقاليد الناس.


كما لا يحل للأب ولا للخاطب ولا للمخطوبة أن يتوسَّعُوا في الرخصة، فيلقوا الحبل على الغارب للفتى والفتاة باسم الخِطبة، يذهبان إلى الملاهي والمتنزهات والأسواق، بغير حضور أحد من المحارم، كما يفعل اليوم عُشَّاق الحضارة الغربية والتقاليد الغربية. إن التطرف إلى اليمين أو اليسار أمر تأباه طبيعة الإسلام.


الخطبة في أثناء الإحرام


اختلف الفقهاء في خطبة المحرم وزواجه، وكذلك خطبة المحرمة وزواجها، فذهب الجمهور إلى أنه يكره للمحرم أن يخطب امرأة ولو لم تكن محرمة، كما يُكره أن يخطب غير المحرم المحرمة، ويحرم عليهما عقد النكاح، واستدلوا بحديث مسلم عن عثمان رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يَنكِح المحرم ولا يُنكِح ولا يخطب". ولأن الخطبة تراد لعقد النكاح فإذا كان ممتنعا كره الاشتغال بأسبابه؛ ولأنه سبب إلى الحرام.


وخالف ذلك الأحناف، فقالوا بإباحة الخطبة والزواج للمحرم، واستدلوا بحديث ابن عباس: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم تزوَّج ميمونة وهو محرم.


وأجاب الجمهور عن حديث ميمونة بأجوبة أصحها أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما تزوجها حلالًا. هكذا رواه أكثر الصحابة، قال القاضي عياض وغيره: ولم يَرْوِ أنه تزوجها محرمًا إلا ابن عباس وحده، وروت ميمونة وأبو رافع وغيرهما أنه تزوَّجها حلالًا، وهم أعرف بالقضية لتعلُّقهم به، بخلاف ابن عباس؛ ولأنهم أضبط من ابن عباس وأكثر. الجواب الثاني: تأويل حديث ابن عباس على أنه تزوجها في الحرم وهو حلال، ويقال: لمن هو في الحرم محرم وإن كان حلالًا.


وذهب ابن تيمية إلى تحريم خطبة المحرم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الجميع نهيًا واحدًا، ولم يفصِّل، وموجب النهي التحريم، وليس ما يعارض ذلك من أثر أو نظر.


ونحن نرى ما يراه الجمهور من كراهة الخطبة في أثناء الإحرام بحج أو عمرة، ونتأول ما قاله ابن عباس بما تأوَّله به الجمهور.


النظر إلى المخطوبة


ومن جميل ما شرعه الإسلام أن ينظر الخاطب إلى مخطوبته، ليطمئن إلى خلوها من العيوب الظاهرة، ويرى موقفها من نفسه: أهو القبول والرضا، أم الصدود والنفرة؛ فإن العين رسول القلب.


فيشرع للمسلم إذا عزم على الزواج، واتجهت نيته لخِطبة امرأة معينة أن ينظر إليها، قبل البدء في خطوات الزواج، ليقدم عليه على بصيرة وبينة، ولا يمضي في الطريق معصوب العينين، حتى يكون بمنجاة من الوقوع في الخطأ، والتورط فيما يكره.


هذا لأن العين رسول القلب، وقد يكون التقاء العين بالعين سبيلًا لالتقاء القلوب، وائتلاف الأرواح.


روى مسلم عن أبي هريرة قال: كنتُ عند النبي، فأتاه رجل، فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار. فقال رسول الله: "أنظرتَ إليها؟". قال: لا. قال: "فاذهب فانظر إليها، فإن في أعين الأنصار شيئًا"( ).


وروى المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة فقال النبي: انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما". فأتى أبويها، فأخبرهما بقول رسول الله، فكأنهـمـا كـرهـا ذلك.. فسمعت ذلك المرأة وهي في خِدْرها، فقالت: إن كان رسول الله أمرك أن تنظر، فانظرْ. قال: فنظرتُ إليها: فتزوجتها.


وقد ذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى أن هذا النظر مندوب، للأمر به وتعليله بأنه: "أحرى أن يؤدم بينهما". أي تدوم المودة والألفة.


وأزيد أن توجيه النبى إلى رؤية المخطوبة للتأكيد على حق الخاطب في ذلك، لئلا يمنعه وليها من ذلك.


وهنا ينبغى أن نفرق بين أعراف الناس وتقاليدهم وأحكام الشريعة إذا وجد تعارض، وعلى المسلم أن يتحرَّى الشرع، ويشرع في تصحيح ما يتعارض معه.


يحرم على المسلم أن يخطب امرأة يحرم عليه الزواج بها


يحرم على المسلم أن يخطب امرأة يحرم عليه الزواج بها؛ لأن الخطبة مقدمة للزواج، ويشمل ذلك محارمه المذكورات في سورة النساء: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا * حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا}[النساء:22 — 23].


وكذلك تحرم خطبة المشركة غير الكتابية، سواء أكان لها دين غير سماوي كالهندوس والبوذيين وغيرهم، أو كانت ملحدة ليس لها دين أصلًا، كمن تتبنى الفلسفة الشيوعية أو الوجودية، لقوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ}[البقرة:221].


أما خطبة المسلم لمرأة كتابية وزواجه منها فمستثنى من ذلك الحكم بقوله تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ}[المائدة:5].


وكذلك يحرم خطبة الزانية المعالنة بالزنى، لقوله تعالى: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}[النور:3].


وسنفصل الحديث في ذلك في المحرمات من النساء.

 رؤية الخاطب مخطوبته طريق الشريعة الإسلامية
الأسرة أساس المجتمع، وهي اللبنة الأولى من لبناته، التي إن صلحت صلح المجتمع كله، وإن فسدت فسد المجتمع كله، وعلى أساس قوة الأسرة وتماسكها، يقوم تماسك المجتمع وقوته؛ لذا فقد أولى الإسلام الأسرة رعايته وعنايته.


وقد جعل القرآن تكوين الأسر هو سنة الله في الخلق، قال عز وجل: "وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ" (سورة النحل:72). بل جعل الله نظام الأسرة، بأن يكون لكل من الرجل والمرأة زوجٌ يأنس به ويأنس إليه، ويشعر معه بالسكن النفسي والمودة والرحمة، آية من آيات الله، قال سبحانه: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"(سورة الروم:21).


فالحياة الأسرية في الإسلام وعلاقة كل من الزوجين تجاه الآخر، ليست شركة مالية تقوم على المصالح المادية البحتة، بل هي حياة تعاونية يتكامل فيها الزوجان، ويتحمَّلان مسؤولية إمداد المجتمع بنسل يعيش في كنف أسرة تسودها المحبة والمودَّة، ولا يظلم أحد طرفيها الآخر، بل يدفع كل واحد منهما عن شريكه الظلم والأذى، ويحنو عليه.


وفلسفة الإسلام الاجتماعية تقوم على أن الزواج بين الرجل والمرأة هو أساس الأسرة، لذا يحث الإسلام عليه، وييسر أسبابه، ويزيل العوائق الاقتصادية من طريقه، بالتربية والتشريع معا، ويرفض التقاليد الزائفة، التي تصعبه وتؤخِّره، من غلاء مهور، ومبالغة في الهدايا والولائم وأحفال الأعراس، وإسراف في التأثيث واللباس والزينة، ومكاثرة يبغضها الله ورسوله في سائر النفقات.


ويحث على اختيار الدين والخلق في اختيار كلٍّ من الزوجين: "فاظفر بذات الدين تربت يداك". "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكنْ فتنةٌ في الأرض وفساد عريض".


وهو — إذ يُيَسِّر أسباب الحلال — يسدُّ أبواب الحرام، والمثيرات إليه، من الخلاعة والتبرُّج، والكلمة والصورة، والقصة والدراما، وغيرها، ولا سيما في أدوات الإعلام، التي تكاد تدخل كل بيت، وتصل إلى كل عين وأذن.


وهو يقيم العلاقة الأسرية بين الزوجين على السكون والمودة والرحمة بينهما، وعلى تبادل الحقوق والواجبات والمعاشرة بالمعروف، "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً"، (البقرة: 19). "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"، (البقرة: 228).


ويجيز الطلاق عند تعذُّر الوفاق، كعملية جراحية لا بد منها، بعد إخفاق وسائل الإصلاح والتحكيم، الذي أمر به الإسلام أمراً محكماً صريحاً، وإن أهمله المسلمون تطبيقاً: "وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً"، (النساء: 35)



هل يُشترط علم المرأة بالرؤية؟


ليس علم الفتاة ولا علم أهلها بالرؤية شرطًا فيها، فإن للخاطب أن يراها دون أن يُعلمها، حتى لا يجرح شعورها، وحتى لا يؤذي إحساسها، فبعض الناس يستخِفَّون بذلك ولا يبالون به، حتى سمعت من بعضهم أنه رأى أكثر من عشرين فتاة، ولم تعجبه واحدة منهن، معنى ذلك: أنه جرح إحساس أكثر من عشرين فتاة من فتيات المسلمين، فالأَوْلى أن يراها وهي خارجة، أو في بيت قريب لها دون أن تعلم مَن هذا ولا ما هذا.


وقد جاء في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه: " فكنتُ أتخبَّأ لها، حتى رأيت منها بعض ما دعاني إلى زواجها". كان يتخبَّأ لها دون أن تعلم ودون أن ترى.


ويستطيع الأب أن يساعد في ذلك حفاظًا على شعور ابنته، وكذلك يستطيع شقيق الفتاة أن يُسهم في ذلك.


أعراف الناس في رؤية الخاطب مخطوبتَه بين الإفراط والتفريط:


والناس في أمر رؤية الخاطب لمخطوبته جد متناقضِين، ففريق من الناس لا يبيح للفتى مجرد رؤية الفتاة المخطوبة فقط، بل يبيح له أن يتأبَّط ذراعها، وأن يذهب بها إلى هنا أو هناك، وأن يصطحبها إلى الأحفال وإلى السينما، ليعرفها ويختبر أخلاقها!.. إلى آخر ما يقال في هذا المجال. وبعد ذلك تكون مآسي، وتكون فضائح، فقد يترك الفتى الفتاة بعد أن دخل عليها وخرج بها أمام الناس، دخل بيتها، وخرج معها، وسافر معها، وتنزه معها، هنالك يصبح عرض الفتاة مضغة للأفواه. وهذا الصنف من الناس، هم عبيد الحضارة الغربية.


وفي مقابل هؤلاء صنف آخر، أولئك الذين يحرمون الخاطب أن يرى الفتاة مجرد رؤية عابرة، يمنعون الفتاة من خاطبها حتى يبني بها، فلا يراها إلا ليلة عرسه. وهؤلاء هم عبيد التقاليد العتيقة، وكلا الطرفين مذموم.


وأمر الأسرة المسلمة بصفة عامة، وأمر المرأة المسلمة ضائع بين أهل الإفراط وأهل التفريط، بين المتشدِّدين المتزمِّتين الذين يحرصون على تقاليد عتيقة يظنونها من الإسلام وليست من الإسلام، وبين العصريين المتحرِّرين الذي تعبَّدوا للغرب ولحضارة الغرب، وظنُّوا أنفسهم تقدميين، وما هم بالتقدميين، وإنما هم عبيد وأسارى لغيرهم.


أما الطريق الوسط والطريق السديد، فهو طريق الإسلام، وطريق الشريعة الإسلامية، وهي بين هؤلاء وهؤلاء.


والطريق الصحيح بين هؤلاء وهؤلاء، هو ما جاء به الشرع، وما أمر به النبي أن يرى الخاطب مخطوبته، كما جاء في الأحاديث التي ذكرناها قبل.


حق الفتاة في أن ترى من يتقدَّم لخطبتها:


ورؤية الخاطب لمن يريد خطبتها، ليست حق للخاطب وحده، بل هو أيضًا حق للمخطوبة، يراها هو، وتراه هي أيضًا، ومن حقها أن ترفض، ومن حقها أن توافق. لا بد أن يرى كل واحد منهما الآخر قبل الزواج، حتى تُبنى الحياة الزوجية على أسس وطيدة، وعلى أركان سليمة متينة.


هذا هو الطريق السليم بين المُفَرِّطين والمُفْرِطين، وشرع الإسلام دائمًا هو الوسط، وأمة الإسلام أمة وسط: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}[البقرة:143].


الفرق بين الخطبة والزواج


الخطبة لغة وعرفًا وشرعًا شيء غير الزواج، فهي مقدمة له، وتمهيد لحصوله،


فكتب اللغة جميعًا تفرق بين كلمتي الخطبة والزواج.


والعرف يُميِّز جيدًا بين رجل خاطب ورجل متزوج.


والشريعة فرَّقت بين الأمرين تفريقًا واضحًا، فالخطبة ليست أكثر من إعلان الرغبة في الزواج من امرأة معينة، أما الزواج فعقد وثيق، وميثاق غليظ، له حدوده وشروطه وحقوقه وآثاره.


وقد عبر القرآن عن الأمرين، فقال في شأن النساء المتوفَّى عنهن أزواجهن: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ}[البقرة:235].


ومهما يصاحب الخطبة من مظاهر الإعلان فإنها لا تزيد عن كونها تأكيدًا وتثبيتًا لشأنها، ولا يترتب عليها على أية حال أي حق للخاطب، إلا حظر المخطوبة عن أن يتقدم لخطبتها غير خاطبها، كما في الحديث الذي ذكرناه: "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه".


والمهم في هذا المقام أن المخطوبة أجنبية عن الخاطب حتى يتم زواجه بها، ولا تنتقل المرأة إلى دائرة الزوجية إلا بعقد شرعي صحيح، والركن الأساسي في العقد هو الإيجاب والقبول، وللإيجاب والقبول ألفاظ معهودة معلومة في العرف والشرع.


وما دام هذا العقد — بإيجابه وقبوله — لم يتحقَّق، فالزواج لم يحدث، لا عرفًا، ولا شرعًا، ولا قانونًا، وتظل المخطوبة أجنبية عن خاطبها، لا يحل له الخلوة بها ولا السفر معها دون وجود أحد محارمها كأبيها أو أخيها، فضلًا عما هو فوق الخلوة والسفر!


ومن المقرر المعروف شرعًا أن العاقد إذا ترك المعقود عليها دون أن يدخل بها يجب عليه نصف مهرها، قال تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ}[البقرة:237].


أما الخاطب إذا ترك المخطوبة بعد فترة طالت أو قصُرت فلا يجب عليه شيء، إلا ما توجبه الأخلاق والتقاليد من لوم وتأنيب، فكيف يمكن — والحالة هذه — أن يباح للخاطب ما يباح للعاقد سواء بسواء؟


وننصح الآباء والأولياء أن يكونوا على بصيرة من أمر بناتهم، فلا يفرِّطوا فيهن بسهولة باسم الخطبة، والدهر قُلَّب، والقلوب تتغير، والتفريط في هذا الأمر قد يكون وخيم العاقبة، والوقوف عند حدود الله أحق وأولى: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}[البقرة: 229]. {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ}[النور:52].


الرجوع عن الخطبة وما يترتب عليه


الخطبة — كما بينا — ليست إلا وعدًا بالزواج، الهدف منه أن يتعرَّف كل من الخاطب والمخطوبة إلى الآخر، وطباعه وصفاته، ليكون على بيِّنة من أمره، هل يُتمُّ أمر الزواج أو لا يتمه؟ لأن الزواج عقد حياة، من المصلحة التأني فيه، وإعطاء النفس فرصة التفكير والاستشارة قبل إبرامه.


والخِطبة بإجماع الفقهاء ليست ملزمة، ومعنى ذلك أن لكل طرف من طرفيها — أو لهما معا — مطلق الحرية في الرجوع فيها.


لكن قد ينشأ عن عدول أحد طرفي الخطبة ضرر يلحق الطرف الآخر، ((فقد ينال المرأة ضرر بسبب عدول الرجل؛ لأنها أعدت الجهاز — مثلا — فهل يغرم العادل [أي: الراجع في الخطبة] من ماله عوضًا للأضرار المالية وغير المالية؟


لقد أجاب عن ذلك بعض رجال الفقه بأنه لا يسوغ، وليس لقاضٍ أن يحكم به؛ لأن العدول حق للخاطب والمخطوبة، بلا قيد ولا شرط، ولأن العادل بحكم الفقه والقانون يسترد هداياه، فكيف يغرم مالًا؟! ولأن الذي وقع في الضرر من الطرفين يعلم أن الطرف الآخر له العدول في أي وقت شاء)).


لكن الشيخ محمد أبو زهرة يفرِّق بين الضرر الناتج عن مجرد العدول عن الخطبة، والضرر الذي للخاطب أو للخاطبة دخْلٌ فيه غير العدول عن الخطبة، كأن يطلب نوعًا من الجهاز، أو تطلب هي إعداد المسكن، ثم يكون العدول والضرر، فالضرر نزل بسبب عمل من جانب العادل، قال: ((وعلى هذا يكون الضرر قسمين: ضرر ينشأ وللخاطب دخل فيه غير مجرد الخطبة والعدول. كالمثالين السابقين.


وضرر ينشأ عن مجرد الخطبة والعدول من غير عمل من جانب العادل. فالأول يعوض، والثاني لا يعوض، إذ الأول كان تغريرًا، والتغرير يوجب الضمان، كما هو مقرَّر في قواعد الفقه الحنفي وغيره، وفي قضايا العقل والمنطق، وقد أخذت بهذا محكمة النقض — نقض مدني 14 ديسمبر سنة (1939).


وهو ما نميل إليه، خصوصًا إذا كان العدول عن الخطبة عن غير تقصير من الطرف الآخر، إذ قد يشترط الخاطب على المخطوبة — أو على وليِّها — كُلفة حفل الخطبة — أو ما يسمى في بعض البلدان (قراءة الفاتحة) — وقد يشترط أن يكون في فندق معين، أو مكان معين، أو قد يشترط عليهم بعض الأثاث والأدوات المنزلية، وتتكلف المرأة ووليها هذه التكاليف على اعتبار أن الزواج سيتم، ثم يعدل الخاطب عن الخطبة لأي سبب من الأسباب، فنقول هنا: إن عليه أن يعوض المرأة أو وليها عن هذه الأضرار المترتبة عن العدول، والخسائر الناجمة عن تراجعه.


وقد يكون العدول من جانب المرأة بعد أن اشترطت — أو اشترط لها وليُّها — شروطًا تتعلق بالمسكن أو الأثاث أو أحفال الخطبة وما يتبعها، من غير تقصير من جانب الخاطب، فنقول هنا: ينبغي على المرأة أو وليها أن يعوض الخاطب عما غرم.


وهذا ما استقرت عليه المحاكم المصرية، وتبعتها في ذلك المحاكم العربية، يقول السنهوري باشا: ((والذي يمكن تقريره في هذا الشأن باعتبار أن القضاء قد استقر عليه هو ما يأتي:


(1) الخطبة ليست بعقد ملزم.


(2) مجرد العدول عن الخطبة لا يكون سببًا موجبًا للتعويض.


(3) إذا اقترن بالعدول عن الخطبة أفعال أخرى ألحقت ضررًا بأحد الخطيبين، جاز الحكم بالتعويض على أساس المسؤولية التقصيرية.


وقد قرَّرت محكمة النقض أخيرًا هذه المبادئ في حكم لها جاء فيه ما يأتي:


إن الخطبة ليست إلا تمهيدًا لعقد الزواج، وهذا الوعد بالزواج لا يقيِّد أحدًا من المتواعدَيْن، فلكلٍّ منهما أن يعدل في أي وقت شاء، خصوصًا أنه يجب في هذا العقد أن يتوافر للمتعاقدين كامل الحرية في مباشرته، لما للزواج من الخطر في شؤون المجتمع، وهذا لا يكون إذا كان أحد الطرفين مهدَّدًا بالتعويض. ولكن إذا كان الوعد بالزواج والعدول عنه — باعتبار أنه مجرد وعد فعدول — قد لازمتهما أفعال أخرى مستقلة عنهما استقلالًا تامًّا. وكانت هذه الأفعال قد ألحقت ضررًا ماديًّا أو أدبيًّا بأحد المتواعِدَيْن، فإنها تكون مستوجِبة التضمين على مَن وقعت منه، وذلك على أساس أنها في حدِّ ذاتها — بغض النظر عن العدول المجرَّد — أفعال ضارَّة موجِبة للتعويض))( ).

المرأة لا تستحق المهر إلا بعقد الزواج
الأسرة أساس المجتمع، وهي اللبنة الأولى من لبناته، التي إن صلحت صلح المجتمع كله، وإن فسدت فسد المجتمع كله، وعلى أساس قوة الأسرة وتماسكها، يقوم تماسك المجتمع وقوته؛ لذا فقد أولى الإسلام الأسرة رعايته وعنايته.


وقد جعل القرآن تكوين الأسر هو سنة الله في الخلق، قال عز وجل: "وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ" (سورة النحل:72). بل جعل الله نظام الأسرة، بأن يكون لكل من الرجل والمرأة زوجٌ يأنس به ويأنس إليه، ويشعر معه بالسكن النفسي والمودة والرحمة، آية من آيات الله، قال سبحانه: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"(سورة الروم:21).


فالحياة الأسرية في الإسلام وعلاقة كل من الزوجين تجاه الآخر، ليست شركة مالية تقوم على المصالح المادية البحتة، بل هي حياة تعاونية يتكامل فيها الزوجان، ويتحمَّلان مسؤولية إمداد المجتمع بنسل يعيش في كنف أسرة تسودها المحبة والمودَّة، ولا يظلم أحد طرفيها الآخر، بل يدفع كل واحد منهما عن شريكه الظلم والأذى، ويحنو عليه.


وفلسفة الإسلام الاجتماعية تقوم على أن الزواج بين الرجل والمرأة هو أساس الأسرة، لذا يحث الإسلام عليه، وييسر أسبابه، ويزيل العوائق الاقتصادية من طريقه، بالتربية والتشريع معا، ويرفض التقاليد الزائفة، التي تصعبه وتؤخِّره، من غلاء مهور، ومبالغة في الهدايا والولائم وأحفال الأعراس، وإسراف في التأثيث واللباس والزينة، ومكاثرة يبغضها الله ورسوله في سائر النفقات.


ويحث على اختيار الدين والخلق في اختيار كلٍّ من الزوجين: "فاظفر بذات الدين تربت يداك". "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكنْ فتنةٌ في الأرض وفساد عريض".


وهو — إذ يُيَسِّر أسباب الحلال — يسدُّ أبواب الحرام، والمثيرات إليه، من الخلاعة والتبرُّج، والكلمة والصورة، والقصة والدراما، وغيرها، ولا سيما في أدوات الإعلام، التي تكاد تدخل كل بيت، وتصل إلى كل عين وأذن.


وهو يقيم العلاقة الأسرية بين الزوجين على السكون والمودة والرحمة بينهما، وعلى تبادل الحقوق والواجبات والمعاشرة بالمعروف، "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً"، (البقرة: 19). "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"، (البقرة: 228).


ويجيز الطلاق عند تعذُّر الوفاق، كعملية جراحية لا بد منها، بعد إخفاق وسائل الإصلاح والتحكيم، الذي أمر به الإسلام أمراً محكماً صريحاً، وإن أهمله المسلمون تطبيقاً: "وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً"، (النساء: 35).


المهر المقدَّم حق للخاطب:


مما يترتَّب على الرجوع في الخطبة: إعادة ما دفعه الخاطب من المهر المقدَّم كاملًا؛ لأن المهر يجب بالزواج، ولا حق للمرأة فيه إلا بعقد الزواج، وما دام الزواج لم يوجد، فالمهر حقٌّ خالص للخاطب يجب رده إليه، فإن كان المهر قد استُهلك ردَّ مثله أو قيمته، وهذا باتفاق الفقهاء.


ونرى أنه إذا اشترت المخطوبة بمقدار مهرها أو بعضه جهازًا، مما اتفق عليه مع خاطبها، ثم عدل الخاطب٬ فلها الخيار بين إعادة المهر٬ أو تسليم ما يساويه من الجهاز كلًّا أو بعضًا وقت الشراء مع الباقي من المهر.


والذي نرجِّحه أن (الشبكة) — وهي هدية من الذهب أو الجواهر أو الماس، وفي بعض البيئات يستعاض عن ذلك بـ (خاتم سولييتير) — جزء من المهر، يجب رده إذا عدل أحد الطرفين عن الخطبة.


حكم الهدايا التي قدَّمها الخاطب في حال الرجوع عن الخطبة:


جرى عرف الناس أن يقدِّم الخاطب لمخطوبته ولذويها بعض الهدايا، خاصة في المناسبات الاجتماعية والدينية، كأول رمضان، والعيدين وما شابه. فماذا لو فُسِخت الخطبة؟


يرى الأحناف أنه يسترد ما أهداه، قال الحصكفي في (الدر): (((خطب بنت رجل وبعث إليها أشياء ولم يزوِّجها أبوها، فما بعثَ للمهرِ يُستردُّ عينُه قائمًا) فقط، وإن تغير بالاستعمال، (أو قيمته هالكًا)؛ لأنه معاوضة، ولم تتم، فجاز الاسترداد، (وكذا) يسترد (ما بعث هديةً وهو قائم دون الهالك والمستهلك)؛ لأنه في معنى الهبة)). وحشَّى ابن عابدين على ذلك فقال: ((مثله ما إذا أبت وهي كبيرة)). أي: بالغة عاقلة.


وأود هنا أن أبيِّن أن هذه المسألة عند الأحناف مبنية على مسألة أخرى عندهم، وهي أنهم يجيزون مطلقًا الرجوع في الهدية مع الكراهة، بشروط ذكروها في مذهبهم( ). فما ذكره الحصكفي وابن عابدين عامٌّ سواء كان الرجوع من قبل الخاطب أو من قبل المخطوبة، والهدايا إذا كانت متبادلة بين الخاطب والمخطوبة أو بين أهليهما بحيث تتقارب قيمة هذه الهدايا، فلا يجوز الرجوع في الهدية؛ لأنهم يشترطون للرجوع في الهدية أن لا يعوَّض المُهدي عن هديته بمثلها.


وعند المالكية رأيان: الأول أنه لا يسترد شيئًا من هداياه أو ما أنفقه عليها. والثاني: التفريق بين أن يكون الرجوع منه أو منها.


قال الصاوي في شرحه على الدردير: (((و) جاز (الإهداء فيها): أي في العدة [يقصد عدة المتوفى عنها زوجها إذا خطبها تعريضًا] كالخُضَر والفواكه وغيرهما، لا النفقة. فلو تزوجت بغيره، فلا رجوع له عليها بشيء.


وكذا لو أهدى أو أنفق لمخطوبة غير معتدة، ثم رجعت عنه، ولو كان الرجوع من جهتها، إلا لعرف أو شرط. وقيل: إن كان الرجوع من جهتها فله الرجوع عليها؛ لأنه في نظير شيء لم يتم، واستُظْهِر))( ). والرأي الأخير هو الذي عليه الفتوى عند المالكية.


وقد جاء عن الشافعية رأيان: الأول جواز استرداد الهدية مطلقًا، والثاني اعتبار التفريق بين إن كان الرجوع من طرفه أو من طرف المخطوبة، قال الجمل: ((دفع الخاطب بنفسه أو وكيله أو وليه شيئًا من مأكول أو مشروب أو نقد أو ملبوس لمخطوبته أو وليها، ثم حصل إعراضٌ من الجانبين، أو من أحدهما، أو موت لهما، أو لأحدهما؛ رجع الدافع أو وارثه بجميع ما دفعه، إن كان قبل العقد مطلقًا، وكذا بعده إن طلَّق قبل الدخول أو مات، إلا إن ماتت هي، ولا رجوع بعد الدخول مطلقًا)). وفي الفتاوى الفقهية الكبرى للهيتمي: ((وسئل: عمن خَطَب وأُجيب، فأنفق، ثم لم يزوِّجوه، فهل يرجع عليهم بما أنفق؟


فأجاب بقوله: اختلف المتأخرون في ذلك، والذي دل عليه كلام الرافعي في الصداق أنه إن كان الرد منهم رجع عليهم؛ لأنه لم يُهدِ لهم إلا بناء على أن يزوِّجوه، ولم يحصل غرضه، فإن كان الرد منه، فلا رجوع له لانتفاء العلة المذكورة)).


ونقل المرداوي رأي الحنابلة فقال: هدية الزوجة ليست من المهر، نُصَّ عليه. فإن كانت قبل العقد وقد وعدوه بأن يزوجوه، فزوَّجوا غيره: رجع بها. ونَقَل هذا الرأي عن تقي الدين ابن تيمية.


والذي نراه أنه إذا فسخت الخطبة فللخاطب أن يطالب بما أهداه مما لا يُستهْلَك، سواء أكان الرجوع منه أو من طرف خطيبته، ولكن ليس له المطالبة بالأشياء التي تُستهلك، كالفواكه والحلوى والأطعمة.. وما شابه، وهو ما استقرَّ عليه المشرع المصري، يقول عبد الرزاق السنهوري باشا: ((والمفروض أن الهبات والهدايا التي يقدِّمها أحد الخطيبين للآخر، أو يقدِّمها ذوو الخطيبين لأحدهما أو لهما معًا، إنما الباعث الدافع لها إتمام الزواج. فإذا لم يتمَّ، وفُسخت الخطبة، فقد انعدم السبب، فبطلت الهبة.


ومِن ثَمَّ يستطيع الواهب أن يطلب استرداد هبته من الموهوب له بعد فسخ الخطبة.


ولكن يشترط في ذلك أن يكون الشيء الموهوب قائمًا، كالمجوهرات والمصوغات حتى يمكن رده بالذات. أما إذا استُهلك، كالحلوى والروائح، فالمفروض أن الواهب قد وهب الشيء على أن يُستهلك، وعلى ألا يستردَّه مهما كان مآل الخطبة، فلا يكون إتمام الزواج سببًا في مثل هذه الهبات)).

للأب ولاية إجبار على ابنه وابنته الصغيرين على الزواج
الأسرة أساس المجتمع، وهي اللبنة الأولى من لبناته، التي إن صلحت صلح المجتمع كله، وإن فسدت فسد المجتمع كله، وعلى أساس قوة الأسرة وتماسكها، يقوم تماسك المجتمع وقوته؛ لذا فقد أولى الإسلام الأسرة رعايته وعنايته.


وقد جعل القرآن تكوين الأسر هو سنة الله في الخلق، قال عز وجل: "وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ" (سورة النحل:72). بل جعل الله نظام الأسرة، بأن يكون لكل من الرجل والمرأة زوجٌ يأنس به ويأنس إليه، ويشعر معه بالسكن النفسي والمودة والرحمة، آية من آيات الله، قال سبحانه: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"(سورة الروم:21).


فالحياة الأسرية في الإسلام وعلاقة كل من الزوجين تجاه الآخر، ليست شركة مالية تقوم على المصالح المادية البحتة، بل هي حياة تعاونية يتكامل فيها الزوجان، ويتحمَّلان مسؤولية إمداد المجتمع بنسل يعيش في كنف أسرة تسودها المحبة والمودَّة، ولا يظلم أحد طرفيها الآخر، بل يدفع كل واحد منهما عن شريكه الظلم والأذى، ويحنو عليه.


وفلسفة الإسلام الاجتماعية تقوم على أن الزواج بين الرجل والمرأة هو أساس الأسرة، لذا يحث الإسلام عليه، وييسر أسبابه، ويزيل العوائق الاقتصادية من طريقه، بالتربية والتشريع معا، ويرفض التقاليد الزائفة، التي تصعبه وتؤخِّره، من غلاء مهور، ومبالغة في الهدايا والولائم وأحفال الأعراس، وإسراف في التأثيث واللباس والزينة، ومكاثرة يبغضها الله ورسوله في سائر النفقات.


ويحث على اختيار الدين والخلق في اختيار كلٍّ من الزوجين: "فاظفر بذات الدين تربت يداك". "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكنْ فتنةٌ في الأرض وفساد عريض".


وهو — إذ يُيَسِّر أسباب الحلال — يسدُّ أبواب الحرام، والمثيرات إليه، من الخلاعة والتبرُّج، والكلمة والصورة، والقصة والدراما، وغيرها، ولا سيما في أدوات الإعلام، التي تكاد تدخل كل بيت، وتصل إلى كل عين وأذن.


وهو يقيم العلاقة الأسرية بين الزوجين على السكون والمودة والرحمة بينهما، وعلى تبادل الحقوق والواجبات والمعاشرة بالمعروف، "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً"، (البقرة: 19). "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"، (البقرة: 228).


ويجيز الطلاق عند تعذُّر الوفاق، كعملية جراحية لا بد منها، بعد إخفاق وسائل الإصلاح والتحكيم، الذي أمر به الإسلام أمراً محكماً صريحاً، وإن أهمله المسلمون تطبيقاً: "وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً"، (النساء: 35).



* شروط صحة عقد الزواج


شرط الولي:


اشترط جمهور الفقهاء الولي لصحة عقد الزواج، فكما أعطى الإسلام المرأة الحق في قبول من يتقدَّم إليها أو رفضه، فقد جعل لوليها حقًّا أيضًا في إبرام العقد أو الاعتراض عليه ومنعه إن شاء؛ لأن المرأة قد تنخدع لغلبة العاطفة عليها، وتتزوج من ليس لها كُفْئًا، فأشرك وليَّها معها، ليكون الزواج مرضيًّا عند أسرة المرأة، كما هو مرضيٌّ عندها، وبذلك يكون الزواج أكثر أمانًا واستقرارًا وبعدًا عن الاضطرابات والزعازع، كما جاء في الحديث: "لا نكاح إلا بولي"( ).


وأما تزويج المرأة نفسَها بغير إذن وليها، فهو جائز عند أبي حنيفة وأصحابه إذا تزوجت كُفْئًا( )، حيث لم يصح عندهم حديثٌ في اشتراط الولي( ). ولأن ظاهر القرآن نسب النكاح إلى النساء في غير آية، قال تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}[البقرة:230]. وقال: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ}[البقرة:232].


ورأيُ الجمهور أن الولي شرط للزواج( )، أخذًا بحديث: "لا نكاح إلا بولي"( ). وغيره من الأحاديث.


والحكمة في هذا أن يتم الزواج بتراضي الأطراف المعنيَّة كلها، وحتى لا تكون المرأة - إذا تزوجت بغير إذن أهلها - تحت رحمة الزوج وتسلُّطه، حين لم يكن لأهلها رأي في زواجها.


وعلى كلِّ حالٍ إذا قضى قاضٍ بصحة هذا الزواج فهو صحيح، ولا يملك أحد نقضه، كما قال ابن قدامة في "المغني"( ).


وسنفصل الحديث في معنى الولاية وأنواعها وترتيب من لهم حق الولاية فيما بعد.


الولاية


هي نوعان ولاية على المال- وهي ليست موضوعنا هنا- وولاية على النفس، وتعني القدرة على إنشاء عقد الزواج، وهي المرتبطة بموضوعنا الذي نتحدث عنه.


أقسام الولاية على النفس:


يقسم الفقهاء الولاية على النفس إلى:


ولاية على النفس قاصرة أو أصلية: وتعني أن الشريعة أعطت الشخص القدرة على تزويج نفسه دون توقف على رضا أحد أو قبوله.


وولاية على النفس متعدية أو نيابية: وتعني أن الشريعة أعطت صاحب هذه الولاية القدرة على تزويج غيره وأن ينوب عنه في حق الزواج، وهي إما ولاية إجبار بمعنى: أن للولي أن يستبد بأمر تزويج من تحت ولايته من غير إذنه، وولاية اختيار أو شركة بمعنى أن الولي إنما يشارك في الرأي، ولا يجوز له أن يجبر من تحت ولايته على الزواج بمن يرضاه، فالأمر متوقف على رضا الطرفين جميعًا.


ما اتفق عليه الفقهاء فيما يخص الولاية في الزواج:


وقد اتفق الفقهاء على عدة أمور تخص موضوع الولاية في الزواج:


1- اتفقوا على ثبوت الولاية القاصرة على النفس للرجل البالغ العاقل، فإذا زوَّج الرجل البالغ العاقل نفسه ممن تحل له بعقد مستوفٍ أركانَه وشروطه فزواجه صحيح لا يملك أحد فسخه أو إبطاله.


2- واتفقوا أن الثيب البالغة العاقلة لا يجبرها أبوها على الزواج بمن لا ترضاه.


3- واتفقوا على أن الأب الكافر لا يكون وليًّا على ابنته المسلمة.


4- واتفقوا أن للسلطان ولاية تزويج المرأة عند عدم أوليائها أو عضلهم، لحديث: "أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها فنكاحها باطل- ثلاث مرات- فإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها، فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له"( ). ولتزويج النجاشي رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أم حبيبة بنت أبي سفيان.


1- الشهود:


واشترط الفقهاء الشهود - على تفصيل بين الفقهاء في ذلك - حتى يخرج الزواج من دائرة السريَّة إلى دائرة الشهرة والإعلان، وأقل عدد يجزئ في ذلك شاهدان ذكران عدلان عند الجمهور، لحديث: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل"( ). وذهب الحنفية وأحمد في رواية إلى أنه لا يشترط ذكورة شاهدي النكاح، فينعقد عندهم بحضور رجل وامرأتين( ). وذهب الحنفية وأحمد في رواية إلى أن عدالة الشاهِدَين ليست بشرط، فينعقد النكاح بحضور الفاسقين؛ لأن عمومات النكاح مطلقة عن شرط، واشتراط أصل الشهادة بصفاتها المجمع عليها ثبت بالدليل، فمن ادَّعى شرط العدالة فعليه البيان، ولأن الفسق لا يقدح في ولاية الإنكاح بنفسه( ).


وقد اتفقوا على أنه يشترط في الشهود البلوغ والعقل، فلا تصح شهادة طفل أو مجنون، واتفقوا على أنه إذا كان النكاح بين مسلم ومسلمة فيلزم إسلام الشهود، أما إن كان بين مسلم وكتابية فذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه إذا تزوج المسلم ذميَّةً بشهادة ذميَّيْن فإنه يجوز، سواء كانا موافقَيْنِ لها في الملة أو مخالفَيْن( ).


2- خُلُوُّ الزوجين من الموانع التي تحرم على كل واحد منهما الزواج من الآخر:


وهذه الموانع هي: المحرمية، بأن يكون أحد الزوجين محرمًا للآخر، سواء كانت المحرمية بسبب القرابة أو الرضاع أو المصاهرة، وسواء في ذلك الحرمة الدائمة أو المؤقتة (أخت الزوجة وعمتها وخالتها)، فإذا طلق الزوج الأخت أو بنت الأخ أو بنت الأخت، حلت الأخت والعمة والخالة.


ومن هذه الموانع: كون الزوج مسلما والزوجة مشركة غير كتابية، أو كون الزوجة مسلمة والزوج غير مسلم.. إلى غير ذلك مما ذكرناه قبل في الخطبة المحرمة، وسنفصله في حديثنا عن المحرمات من النساء.



تزويج الصغير والصغيرة



جماهير الفقهاء على أن للأب ولاية إجبار على ابنه وابنته الصغيرين، فله تزويج الصغير والصغيرة، ونقل ابن المنذر الإجماع على ذلك فقال: ((وأجمعوا أن نكاح الأبِ ابنتَه الصغيرةَ البكرَ جائزٌ إذا زوجها من كفء))( ).


واستدلوا على ذلك بقوله تعالى في بيان عِدَد النساء: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ}[الطلاق:5]. فقد بيَّن الله عدة الصغيرة التي لم تحض، وفي هذا إباحة تزويج الصغيرة، إذ لا تكون العدة إلا من فرقة زواج صحيح، فدل ذلك على أنها تزوج وتطلق، ولا إذن لها فيعتبر.


وفي الحديث المتفق عليه عن عائشة أن النبي تزوجها وهي بنت ست سنين، وأدخلت عليه وهي بنت تسع سنين ومكثت عنده تسعا( ). وفي رواية: تزوجها وهي بنت سبع سنين، وزُفَّت إليه وهي بنت تسع سنين. وعند مسلم: قالت: " فقدمنا المدينة، فوعكت شهرا، فوفى شعري جميمة، فأتتني أم رومان، وأنا على أرجوحة، ومعي صواحبي، فصرخت بي فأتيتها، وما أدري ما تريد بي فأخذت بيدي، فأوقفتني على الباب، فقلت: هه هه، حتى ذهب نفسي، فأدخلتني بيتا، فإذا نسوة من الأنصار، فقلن: على الخير والبركة، وعلى خير طائر، فأسلمتني إليهن، فغسلن رأسي وأصلحنني، فلم يرعني إلا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى، فأسلمنني إليه( ).


ومعلوم أنها لم تكن في تلك الحال ممن يعتبر إذنها.


وزوَّج عليٌّ ابنته أم كلثوم وهي صغيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنهما( )، ولم يعترض أحد من الصحابة. فهذا عمل اثنين من المبشرين بالجنة، وإجماع سكوتي من غيرهم من الصحابة.


وخالف في هذا فريق من العلماء فرأوا أنه لا يزوِّج الصغير والصغيرة حتى يبلغا، واستدلوا بقوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ..}[النساء:6]، فقد نقل الطحاوي في (مختصر خلاف العلماء) عن ابن شبرمة أَن تَزْوِيج الْآبَاء على الصغار لَا يجوز( ).


وقال ابن حزم: قال ابن شبرمة: لا يجوز إنكاح الأب ابنته الصغيرة إلا حتى تبلغ وتأذن، ورأى أمر عائشة رضي الله عنها خصوصًا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، كالموهوبة، ونكاح أكثر من أربع( ).


وعزاه السرخسي في (مبسوطه) إلى ابن شبرمة وأبي بكر الأصم فقال: ((وبلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تزوَّج عائشة رضي الله عنها، وهي صغيرة بنت ست سنين، وبنى بها وهي بنت تسع سنين، وكانت عنده تسعًا.


لو جاز التزويج قبل البلوغ لم يكن لهذا فائدة، ولأن ثبوت الولاية على الصغيرة لحاجة المولى عليه حتى إن فيما لا تتحقق فيه الحاجة لا تثبت الولاية كالتبرعات، ولا حاجة بهما إلى النكاح؛ لأن مقصود النكاح طبعا هو قضاء الشهوة، وشرعًا النسل، والصغر ينافيهما، ثم هذا العقد يعقد للعمر، وتلزمهما أحكامه بعد البلوغ، فلا يكون لأحد أن يلزمهما ذلك إذ لا ولاية لأحد عليهما بعد البلوغ))( ).


وقد عزاه الكاساني في (البدائع)( ) والعيني في (البناية)( ) إلى عثمان البتي.


وفرَّق ابن حزم بين الصغير الذكر والصغيرة الأنثى، فلم ير للأب ولا لغيره ولاية إجبار على الصغير الذكر، فقال: ((ولا يجوز للأب ولا لغيره إنكاح الصغير الذكر حتى يبلغ، فإن فعل فهو مفسوخ أبدًا، وأجازه قوم، لا حجة لهم إلا قياسه على الصغيرة.


قال علي: والقياس كله باطل، ولو كان القياس حقًّا لكان قد عارض هذا القياس قياس آخر مثله، وهو أنهم قد أجمعوا على أن الذكر إذا بلغ لا مدخل لأبيه ولا لغيره في إنكاحه أصلًا، وأنه في ذلك بخلاف الأنثى التي له فيها مدخل: إما بإذن، وإما بإنكاح، وإما بمراعاة الكفء، فكذلك يجب أن يكون حكمهما مختلفين قبل البلوغ)).


اترك تعليق