مدرسة الصيام الربانية

By : الشيخ فايز النوبي


شهر مضان المبارك : نعمة كبرى ،ومنة عظمى إمتن الله عزوجل بها على عباده المؤمنين، وهو أيضا: مدرسة ربانية ،والصيام فيه أحد أهم المناهج الدراسية في هذه المدرسة. و من المعلوم أن العبادات والتي أوجبها الله عزوجل على المسلمين من أهداف مشروعيتها: أنها تزكية ،وتربية  للنفوس، وتهذيب للخلق والسلوك، وتطهير للقلوب حتى تتخلى عن الرذائل، وتتحلى بالفضائل ،ويصدر عنها كل خير وجميل من السلوك، و الأقوال والأفعال . والمولى الجليل سبحانه وتعالى حينما أرسل رسوله الكريم - صلى الله عليه وسلّم- وإمتن به على عباده المؤمنين: بين أن الهدف من بعثته تزكية النفوس ،وتنمية الخير فيها قال تعالى ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين )


والعبادات: مدارس يتربى من خلالها  المسلم ،ويتلقى فيها الدروس العملية فى البر والخير، و الصلاح والتقوى، ومن هذه العبادات أو المدارس : مدرسة الصوم فى رمضان، وغيره. ونحن نعلم أن كل مدرسة لها مرحلة دراسية، أو مدة زمنية للدراسة، ولها أيضا منهج ،ودروس تعليمية، و لابد كذلك من هدف ،وغاية لهذه الدراسة، وأهم هذه الأهداف: أن ينال  الطالب في نهاية المرحلة أو المدة الزمنية للدراسة  شهادة أو إجازة؛ ينتفع بها فى تحصيل وظيفة يتعيش منها  ، أو ليرتقي بها  مكانة مرموقة،  ويثبت لغيره  بشهادته أو إجازته أنه حصل هذه  العلوم ،و تلك المعارف التى تخصص فى دراستها.


ومدرسة الصوم مدتها الزمنية: نوعان الأولى- إجبارية إلزامية، والثانية- إختيارية.   أما المدة الإلزامية :فهى شهر رمضان الفضيل ،وصيام الكفارات، وصيام النذر أيضا. 

والمدة الإختيارية هى: فى صيام  النوافل أوالتطوع. 


منهج الدراسة الأهم والأساسي هو: كتاب الله الخالد -القرآن الكريم -الدستور الرباني ،وقانون الله لعباده ،والمنهج الذى لايعتريه نسخ ولاتبديل  (لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد )هذا الكتاب الذى كان ،ولايزال، وسيظل أبد الآبدين هو دستور الله الخالد الصالح والمصلح لكل زمان ومكان رغم معاداة خصوم الإسلام له ،ورغم تقصير كثير من المسلمين في حقه ،وهجرهم له، وغفلتهم عن آياته ،وأحكامه 


فهذا الكتاب العظيم ،والمنهج الربانى الحكيم واجب الإهتمام به،  وتلاوته آناء الليل ،وأطراف النهار ،ومدراسة آياته وأحكامه، والعمل به فى رمضان وغيره، وينبغي أن يزداد هذا الاهتمام خلال مدرسة الصوم فهذا الكتاب الكريم هو :المخرج من كل فتنة ،والملجأ فى كل شدة والسعادة في تعاليمه لمن رغب في السعادة الحقة .


أما عن الدروس  التى يتلقاها المؤمنون فى مدرسة الصيام فهى: كثيرة ،وعظيمة من أهمها :درس الصبر والصوم : نصف الصبر والصبر :نصف الإيمان، و هو حبس النفس على المكروه ورمضان شهر الصبر لما فيه من تحمل ألم الجوع والعطش، ولما فيه من البعد عن ممارسة الشهوة الحلال مع الزوجة. والصبر ثوابه جزيل ،وأجره عند الله كبير.  فكل عمل محدود الأجر إلا الصوم فالمولى عزوجل يقول فى الحديث القدسي  (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لى وانا أجزي به )و يقول أيضا فى كتابه الكريم  (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب )


والصبر أنواع : الأول -صبر على الطاعة بالمحافظة عليها، وحسن أدائها في أوقاتها مع الإخلاص فيها . والثاني -صبر عن المعصية بإجتنابها ،والبعد عنها والثالث -صبر على شدائدالحياة ،وصروف الدهر ونوائبه أوكما قال  أحد الحكماء: صبرعلى المأمور، وصبر عن المحذور، وصبر على المقدور .


من الدروس أيضا فى مدرسة الصوم: درس المراقبة ،ومعناه :إستشعار المسلم أن الله عزوجل مطلع عليه فى كل صغيرة، وكبيرة فهو قد صام يبتغي الأجر من الله سبحانه وتعالى، وقد لايتمكن الصائم من السحور فيشعر بألم الجوع، وحرارة الظمأ فى النهار، والباب مغلق ولايطلع عليه أحد ،ومع ذلك يمتنع عن الأكل والشرب؛ مراقبة لله عزوجل. 


وهو قد يعود - أى الصائم- من سفر بعد غياب طويل عن زوجه ،ويصل نهارا- والأبواب مغلقة -ولايراهما مخلوق ومع ذلك يمتنعان عن ممارسة الشهوة؛ مراقبة لله عزوجل. 


من الدروس أيضا :درس تربية الإرادة، وضبط النفس وتهذيبها،  والتحكم فيها عن طريق تغيير عاداتهافالذى تعود الطعام والشراب، ومعاشرة الزوجة نهارا، ومن تعود فى بداية يومه إحتساء القهوة وشرب الشاى إذا به يترك هذه العادات، وهذا نوع من  التربية ثمرته: أن يملك الإنسان نفسه ،ولاتملكه، وأن يتحكم فيها ولاتتحكم هى فيه. من الدروس كذلك: التدريب العملى على ترك الحرام .فالصائم يترك المباح الحلال نهارا، ويحل له ليلا فإذا تمكن من ترك المباح كان أحرى به أن يترك الحرام فى رمضان، وغيره 


من الدروس كذلك: الإحساس بآلام الآخرين. فالصائم أحيانا يشعر بألم الجوع ،وهوشعورإختياري سببه :الصيام ممايجعله يشعر بآلام الجائعين الفقراء، والمحاصرين المنكوبين فيدفعه هذا الشعور إلى الحنو والعطف عليهم، وبذل النفقةلهم ؛طمعا فى رحمة الله عزوجل. 


فإذا ماانتهت مدةالدراسة جاء وقت الحصول على الشهادة، أوالإجازة لمن أتقن فهم الدروس، ونجح فى الإمتحان ،وهذه الشهادة أعظم الشهادات وأعلاها ،وأثمنها  وأغلاها،وأنفعها لصاحبها دنيا وأخرى بدونها لايفلح الإنسان مهما حصل من شهادات ودرجات، ومتاع دنيوي .وشهادات الدنيا قد ينتفع بهاصاحبهافى الدنيا وقد لاينتفع، أما هذه الشهادة التى يمنحهاالبر الرحيم مالك الملك ذو الجلال والإكرام لعباده المؤمنين الذين اتقنوا الصيام، والقيام وصالح الأعمال فإنهم  ينتفعون بها دنيا وأخرى. إنها : شهادة الإيمان الصحيح شهادة التقوى ،وهذا هو الهدف الأسمى من صيام الصائمين وقيام القائمين، وعبادة العابدين ،ولاخير في طاعة وعبادة بغير تقوى لله عز وجل  (ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون )فاللهم اجعلنا من عبادك المتقين واغفر لنا وارحمنا يارب العالمين، وآت نفوسنا تقواها ،وزكها أنت خير من زكاها ، فأنت وليها ومولاها ،وامنحناربنا شهادة التقوى والإيمان حتى ندخل الجنة دار السلام برحمتك يا رحيم يارحمن. 

آمين آمين تقبل يارب العالمين


اترك تعليق