وصايا في استقبال خير زائر

By : الشيخ ونيس مبروك

ها هي الدنيا أشرقت من جديد بنور ربها، واستقبلت بعد طول غياب الزائر الذي طال انتظاره.. غائب جاء على فاقة.

 

شهر الخير، والمغفرة، والرضوان، فيه تفتح أبواب الجنان، وفيه ليلة خير من ألف شهر.

 

شهر كريم، هو زاد لسائر العام، وهو سر ربيع سائر الشهور وخيرها، فهو كالشتاء؛ قد لا يرى البعض في ظاهره إلا البرد والمطر والمشقة والتعب، ولكن في باطنه سر حياة سائر الفصول. وهكذا رمضان الكريم، يفكر الناس في ما عساه يصيبهم من جوعه وعطشه، ولا يدري هؤلاء أنه زادهم لسائر العام، ودوحتهم الغناء في هجير هذه المادية الجارفة.

 

فيه يترفع الناس عن شهواتهم، لتعلو فيهم نزعة الروح ويخبو صوت الجسد.

 

فيه يترفع الناس عن ذواتهم، ليشاركوا البائس الفقير ويتقاسموا معه في شهر ما تعود عليه في سائر العام.

 

فيه صحبة كتاب الله، وتدبر كلامه، الذي طالما هجرناه!

 

كان حبيبنا المصطفى، صلى الله عليه وسلم، إذا لاح له شهر الخير قال: [أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم شهر مبارك شهر فيه ليلة خير من ألف شهر جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعا من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة وشهر المواساة وشهر يزداد فيه رزق المؤمن من فطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار وكان له مثل أجره من غير ان ينتقص من أجره شيء...]

 

وقد شاء الله تعالى أن يفضل مكانا على مكان، وزمانا على زمان، وجعل لنا في دهرنا نفحات، وأوصانا أن نتعرض لها، ففي كل يوم ساعات السحر والغروب، وفي كل أسبوع ظهيرة الجمعة، وفي كل عام رمضان، وفي كل رمضان ليلة خير من ألف شهر، ومن صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه.

 

أيها الإخوة والأخوات، علينا أن نحرص جميعا على تعظيم هذا الشهر، فهو شعيرة من شعائر الله تعالى {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب}، وعلينا أن نحسن الطلب في (مدرسة الثلاثين يوما)"، فنتعلم من دروسها، كيف نهجر عاداتنا ونغيرها، فإن فقهنا الدرس فسوف يكون رمضان دربة لنا على مجاهدة النفس، وانطلاقة حقيقة للتغيير.

 

وفي هذه السطور أود أن أوصي أخوتي وأخواتي بوصايا لعلها تكن نافعة لي ولهم، فالذكرى تنفع المؤمنين، والنصح من آداب الأخوة وشعار المسلمين.

 

1- تعهد أخي الكريم وأختي الفاضلة؛ النية والقصد من صيام الشهر وقيامه، فقد اشترطها النبي صلى الله عليه وسلم النية في قبول الصوم فقال: من صام رمضان إيمانا واحتسابا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه، وقس على ذلك سائر الطاعات في هذا الشهر الفضيل كمواساة المسكين، وصلة الرحم، وإفطار الصائم، وبذل المال.. وإياك أن تذهل عن هذا الأصل العظيم الذي هو مناط قبول العمل عند الله تبارك وتعالى.

 

2- احرص أخي وأختي على تنظيم أيام هذا الشهر، فكثير من أعمالنا وآمالنا تضيع وتفوت بسبب سوء تنظيم الوقت وترتيب الأولويات، وقد أثر عن السلف الصالح أنهم كانوا يودعون بعضهم بعضا على أن يلتقوا في العيد!! وذلك من شدة انقطاعهم للعبادة في هذا الشهر، ولكن نحن لا نقول بهذا فهذا متعذر جدا الآن، ولكن لنكتسب بعض العادات في تنظيم هذه الأيام حتى لا نترك سبيلا للفوضى والعبث أن يذهب ببركة هذه الأيام، فمثلا: لا بأس لو خفف الإنسان من كثرة الولائم والسهرات والدعوات، فإن ذلك يثقل على النساء والرجال معا، إلا ما كان إفطارا لصائم محتاجا لطعامك، ففي ذلك كما لا يخفى أجر عظيم، وأن يخفف من الأعمال الجانبية، وأن يجهز أهله وأولاده لشهود التراويح معا، ويحرص على سنة الاعتكاف ما استطاع ولو يوما واحدا.

 

3- التخفيف من مشاهدة التلفاز أو الاحتفاظ به في مكان بعيد، فقد يستدرجك الشيطان لمعاصي السمع والبصر من خلال هذا الصندوق وما يعرض فيه من مفاتن النساء، وسبل اللهو، فإن كنت ممن لا يقوى على ترك متابعة أخبار المسلمين فيمكنك الاكتفاء بوسائل أخرى للمتابعة، أو الاقتصار على قناة محافظة لهذا الأمر، لأن المعتاد عند العرب التفنن في المسلسلات، والبرامج الملهية والتي لو حسب زمانها لكانت ثلث أيام رمضان عدا النوم، وأنا لست في مقام الفتوى هنا ولكن رمضان موسم الصالحين، فكما يحرص التاجر الصادق على (موسم) الربح، فلنغتنم الفرصة فقد لا نكون من الأحياء في رمضان القادم، فرب صديق صلى معنا، هو الآن في ظلمة القبر.

 

4- تدريب النفس من الآن على التلاوة بكثرة من كتاب الله تعالى، وصلاة الجماعة في المسجد، وحبذا لو كان ذلك على شكل جماعات صغيرة يوقظ بعضها بعضا، فتلاوة القرآن والإكثار منها ليست أمرا ميسورا للجميع بل هي نعمة قد يحول الله بينك وبينها، وقد تصاب بالتسويف فيمضى رمضان دون ختم كتاب الله بسبب انتهاج التسويف أو استصغار المعاصي التي تحول دون هذه الرفقة لكتاب الله خلال هذا الشهر.

 

5- قراءة ورقات أو مطويات عن آداب هذا الشهر وبعض أحكامه الفقهية ولو بشكل مبسط، أو المواظبة على دروس العلم التي تبين أحكام الصوم وآدابه؛ فكثيرا ما يفوتنا الأجر العظيم بسب غفلتنا عن فضائل رمضان، أو يصيبنا الحرج الشديد لجهلنا بأحكامه الفقهية.

 

6- قال أهل العلم (التخلية قبل التحلية) فلتبتعد تماما عن كل ما من شأنه يقود للذنب، فإن الذنوب تقسي القلوب، والقلب القاسي ليس محلا لتلقي نفحات الرحمن، فلتتجنب كل رفيق سوء يدعو للغيبة أو النميمة، ولتبتعد تماما عن الأماكن التي يكثر فيها التفسخ ما استطعنا، ولنغتنم من الآن الوقت لشراء ما نريد من ملابس العيد لأولادنا، حتى لا ننفق الساعات في الشراء ومزاحمة الناس في الأسواق في العشر الأواخر من رمضان.

 

ولا تنسوا صدق الدعاء فإن الله قريب مجيب، فتضرعوا إليه بافتقار وتذلل، فإن أفضل العبادة الدعاء، وتذكروا ذنوبكم سائر العام، ولا تنسوا المسلمين في كل مكان من الدعاء (فإن للصائم دعوة لا ترد) كما قال من النبي الأمين. عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.


اترك تعليق